الرئيسيةمقالاتالإسلام في بريطانيا في مطلع القرن العشرين
مقالات

الإسلام في بريطانيا في مطلع القرن العشرين

الإسلام في بريطانيا في مطلع القرن العشرين

 

بقلم : أحمد شوقي عفيفي

داعية إسلامي وكاتب بنغالي

 

دخل القرن العشرون على بريطانيا وهي في ذروة سلطانها، إمبراطورية تفتح جغرافيتها على أربعة أركان الأرض، وتتأرجح تحت رايتها شعوب شتى، كان المسلمون أكبرها عددا وأعمقها حضورا. وفي هذا الامتداد الذي يعبر القارات والمحيطات، أصبح الإسلام لا خبر شرق بعيد، ولا ضيفا عابرا على المرافئ البريطانية، بل نفسا يسري في قلب المدن، وصوتا يخصب الحياة الثقافية، وظلا يحنو على الوجود الاجتماعي المتشكل حديثا. وإذا كان القرن التاسع عشر قد شهد ميلاد أول جالية وقيام أول مسجد، فإن مطلع القرن العشرين كان زمن النضج الأول، لحظة بدأ فيها الإسلام يخطو بثبات نحو وجود مؤسسي يعلن عن نفسه في اللغة والجامعة والمجتمع والحياة.

كانت العقود الأولى من القرن العشرين أشبه برياح تهب من جهات شتى، تحمل معها تحولات تعيد تشكيل وجه التاريخ. ومع هذه الرياح، ازداد حضور المسلمين في بريطانيا: جنودا من الهند وآسيا وإفريقيا يقفون تحت راية الجيش الإمبراطوري، وموظفين يشغلون مناصب في خدمة الدولة، وطلابا يفدون إلى الجامعات الكبرى بوجوه تحمل بريق الشرق، وجاليات بحرية بدأت تشعر أن الميناء قد يتحول إلى وطن..وهكذا لم يعد الإسلام صدى بعيدا يأتي مع المراكب، بل نبضا يتحرك في شوارع المدن البريطانية نفسها.

 

خفت صوت عبد الله كويليام في بدايات القرن، وغابت صورته عن العصر، لكنه لم يغب عن التاريخ. فالرجل الذي حمل الإسلام إلى ليفربول عاد اسمه ينساب في الذاكرة البريطانية، لا كرجل عابر، بل كفاتحة روحية لمرحلة جديدة. مسجد ليفربول ظل نفسا من الشرق في قلب الغرب، والهلال بقيت مدرسة للفكر والدعوة، وتلاميذه حملوا رسالته في مدن أخرى.

كان كويليام أشبه بشمعة أشعلت الليل، ثم مضى صاحبها وبقي الضوء يحدو القادمين بعده.

حين خفت صوت ليفربول، أضاءت ووكينغ.

قام مسجدها بهندسته الإسلامية التي تشبه نخلة نبتت في أرض باردة ليصبح العصب الحي للإسلام في بريطانيا.

هنا، في هذا البناء ذي القباب الصغيرة والهلال اللامع، نهض الإمام خواجة كمال الدين يحمل فكرا متوقدا وروحا هادئة.

كانت كلماته جسرا بين الشرق والغرب، وكانت كتبه ومحاضراته أبوابا تفتح للعقل البريطاني ليتعرف على الإسلام بصفائه الأول.

تحول المسجد إلى مركز للطباعة والنشر وملتقى للطلاب والعلماء، وميدان للحوار الفلسفي، ومنارة تهدي الباحثين عن المعنى. لقد صار مسجد ووكينغ قلب الإسلام النابض في بريطانيا.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، ظهر مشهد لم تألفه بريطانيا من قبل، مئات الآلاف من الجنود المسلمين يحاربون تحت رايتها في ميادين أوروبا.

كانوا يصلون في الخنادق يرفعون الدعاء تحت سماء مشتعلة

ويدفنون شهداءهم وفق الطقوس الإسلامية، ويثبتون في ساحات القتال بسكينة المؤمنين، ورآهم البريطانيون بأعين جديدة، مسلمين لا كغرباء، بل كجزء من الدم الذي سال دفاعا عن بريطانيا. وكان لهذه اللحظة أثر عميق في الوعي العام، إذ بدأت بريطانيا تفهم الإسلام كقوة حضارية وإنسانية، لا كدين بعيد.

في تلك العقود، كانت أكسفورد وكامبردج تستقبل طلابا من الشرق، يأتون بقلوب تحمل القرآن، وعقول تتوهج بالأسئلة، وخطوات تبحث عن العلم. وجمع هؤلاء الطلاب أنفسهم في حلقات للصلاة، ومجالس تناقش الفكر الإسلامي، ومجموعات صغيرة تتبادل المعرفة. ثم أسسوا اللبنات الأولى للروابط الطلابية الإسلامية. كانوا جسر العقل بين حضارتين، ينقلون قيم الشرق إلى الغرب، ويعودون ليحملوا خبرات الغرب إلى أوطانهم. لقد كانوا أوائل حملة النور الفكري الذين سيرفعون شأن الإسلام في بريطانيا لاحقا.

 

في الموانئ البريطانية، كانت ملامح جاليات جديدة تنمو بهدوء. اليمنيون أبناء البحر الذين صار لهم بيت في كارديف وساوث شيلدز، لم يعد اليمنيون مجرد عمال سفن، بل أنشأوا بيوتا دافئة وتزوجوا من نساء بريطانيات وفتحوا مطاعم وأسواقا صغيرة وأسسوا أول نواة لمجتمع إسلامي مستقر

والبنغاليون الذين جاءوا مع المد وبقوا مع الجزر في ليفربول ولندن، صنع بنغاليو البحر مصليات بسيطة وتجمعات عائلية

ومجتمعا يربط الفقر بالكبرياء والاغتراب بالإيمان، وكانت هذه الجاليات الوجه الشعبي الذي أكمل الوجه الفكري الذي صنعه الطلاب والعلماء.

دخلت لندن المشهد الإسلامي بقوة، قاعات للصلاة تفتح، ومحاضرات عن القرآن تلقى، وحلقات فكرية يعقدها علماء زائرون من مصر والهند، وترجمات جديدة للقرآن الكريم تظهر في المكتبات. وأصبحت لندن منصة عالمية يتلاقى فيها الشرق والغرب، مفكرون يناقشون الإسلام، وصحف تتساءل عنه، وجمهور يستمع إليه بلا خوف.

كانت لندن بمعناها العميق مدينة الحوار المفتوح بين الإسلام والحداثة الأوروبية.

لم يعد الإسلام غريبا، بل أصبح موضوعا للبحث، ومادة للحوار، وحضورا في الصحافة، وجزءا من النقاش الفكري، وظاهرة ثقافية تتنامى ببطء وثبات. وبدأت بريطانيا تنظر إلى الإسلام لا كدين قادم من الشرق فحسب، بل كقيمة إنسانية تتجاور معها في الأرض نفسها.

 

في ضاحية هادئة جنوب لندن، كان مسجد ووكينغ الذي شيد في أواخر القرن التاسع عشر أشبه ببذرة مدفونة تنتظر المطر. ظل المسجد سنوات صامتا، حتى جاءت أوائل القرن العشرين، وإذا برجل من علماء الهند، خواجه كمال الدين، يهب إليه روحا جديدة. أعاد فتح أبوابه، وجعل منه مركزا للحياة الإسلامية، لا للصلاة وحدها، بل للحوار والأدب والفكر. صار المسجد منارة فوق أرض بريطانيا، يلتقي عنده المسلم القادم من الشرق، والبريطاني الباحث عن الحقيقة، والعابر الذي سمع عن الإسلام لأول مرة. ومن ووكينغ، انطلقت البعثة الإسلامية في بريطانيا، تحمل خطابا رصينا باللغة الإنجليزية، وتفتح دروبا جديدة لعلاقة تقوم على التفاهم والاحترام المتبادل.

ومن عباءة هذا المسجد خرج صوت آخر: مجلة المراجعة الإسلامية، التي بدأت تصدر عام 1913م. كانت المجلة أشبه بجسر لغوي وثقافي، تشرح الإسلام بلغة يفهمها القارئ البريطاني، وتعرض جماليات العقيدة بمنطق رصين، وترد بهدوء وحكمة على حملات التشويه وسوء الفهم. ساهمت المجلة في تعريف المجتمع البريطاني بوجه الإسلام الحضاري، وقدمت لأول مرة خطابا إسلاميا باللغة الإنجليزية مكتوبا بأسلوب أدبي راق، فكانت الأم الحاضنة لكل الكتابات الإسلامية اللاحقة في الغرب.

 

الجمعيات والروابط خطوات نحو تأسيس مجتمع

في لندن، تأسست جمعية مسلمي بريطانيا عام 1914م، لتجمع شتات المسلمين وتكون لهم بيتا اجتماعيا وفكريا. لم تكن الجمعية مؤسسة ضخمة، لكنها كانت بمثابة القلب الذي بدأت من حوله تنبض شرايين المجتمع الإسلامي الناشئ.

وفي مدن الموانئ ليفربول، كارديف، نيوكاسل أسس البحارة اليمنيون والهنود والصوماليون بيوتا للضيافة، ومصليات صغيرة، وجمعيات تعنى بهمومهم اليومية، فجاءت هذه المؤسسات البسيطة بمثابة اللبنات الأولى لمساجد وجاليات ومسارات حياة كاملة ستزدهر لاحقا.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وجدت بريطانيا نفسها أمام عشرات الآلاف من الجنود المسلمين الذين جاؤوا من الهند ومصر وأفريقيا ليشاركوا في صفوف الجيش. ولأول مرة، أدركت الدولة أن للمسلمين حاجاتهم الدينية الخاصة، فأنشأت لهم مقبرة إسلامية في بروكلوود، ومسجدا صغيرا يؤدون فيه صلوات الجنازة. كانت هذه الخطوة اعترافا رسميا بوجود المسلمين، وبأن هذا الوجود لم يعد طارئا ولا عابرا، بل جزء من جسد المجتمع البريطاني.

في تلك السنوات، أعلن عدد من المفكرين البريطانيين الكبار إسلامهم، فكان لذلك وقع يتجاوز الأرقام. أسلم اللورد هيدلي، فأصبح صوتا قويا للدفاع عن الإسلام في المجتمع الأرستقراطي.

ثم جاء مارمادو بكتال ذلك الأديب الهادئ فأضاء بفكره ومؤلفاته طريقا جديدا، وقدم لاحقا واحدة من أجمل ترجمات القرآن إلى الإنجليزية. كان هؤلاء الرواد هم الجسر الذي جعل الإسلام مفهوما ومحببا في أعين كثير من البريطانيين.

 

المراجع:

موسوعة التاريخ الإسلامي في أوروبا – د. محمود شاكر

تاريخ المساجد في أوروبا – الدكتور عبد الله العصيلي

المسلمون في بريطانيا.. الماضي والحاضر – طه جابر العلواني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *