الرئيسيةمقالاتالكبير بأفعاله لا أقواله..بقلم مستشار محمود السنكري
مقالات

الكبير بأفعاله لا أقواله..بقلم مستشار محمود السنكري

الكبير بأفعاله لا أقواله

بقلم مستشار محمود السنكري

لا تُخطئ التقدير فالعالم لم يعد يحتمل المزيد من الثرثرة المتأنقة ولا الساحة تتسع لمزيدٍ من الضجيج الذي يتزيّن في الظاهر ويخلو من الجوهر. 

فليس كل من ارتفع صوته صار كبيرًا ولا كل من ازدحمت كلماته بلغ مقام العظماء. الكبير الحقيقي لا يُقاس بضجيج الحديث بل بثِقل الفعل ولا يُوزن بحروفٍ تُقال بل بمواقف تُصنع حين يشتد الاختبار وتسقط الأقنعة.

الكبير هو من إذا حضر سكنت الكلمات لأن أفعاله تتكلم عنه وتُغني عن كل ادعاء ، هو الذي لا يحتاج أن يشرح نفسه لأن الفعل لا يحتاج إلى ترجمة ولا يلهث خلف إثباتٍ لفظي لأن حضوره وحده كافٍ ليكشف المعنى ويُغلق باب الجدل فكل كلمة عنده محسوبة وكل وعد عنده اختبار وكل موقف عنده ميزان لا يعرف المجاملة.

لقد صارت الكلمات سهلة تتدفق بلا عناء وتتزيّن بما يشاء لها أصحابها من بريقٍ زائف لكنها في جوهرها تظل عابرة لا تترك أثرًا إن لم تسندها أفعال صادقة أما الفعل فهو الحقيقة التي لا تُكذب والاختبار الذي ينكشف عنده صدق الإنسان من زيفه وقوته من ادعائه فكم من متحدثٍ أرهق الأسماع لكنه سقط عند أول موقف وكم من صامتٍ حسبه الناس عاديًا فإذا به عند الشدائد جبل لا يتزعزع.

في عالمٍ صار فيه الادعاء مهنة والتظاهر مهارة أصبح التمييز بين الكبير الحقيقي والزائف ضرورة لا رفاهية. فهناك من إذا تحدث أبهرك وإذا فعل خذلك وهناك من إذا صمت ظننته عاديًا فإذا به عند المواقف الثقيلة أصلٌ ثابت لا يميل. 

لذلك لا تنخدع ببلاغة العبارات فبعضهم يحترف صناعة الوهم كما يحترف غيره صناعة الحقيقة والفارق أن الوهم يلمع سريعًا ثم ينطفئ أما الحقيقة فتُبنى بصمت لكنها لا تزول.

الكبير لا يكثر من ترديد نفسه لأنه مشغول ببنائها ولا يُهدر وقته في إثبات ما هو عليه لأن أفعاله شاهدة لا تُكذّب فهو يعمل حين ينشغل الآخرون بالاستعراض ويصمت حين يضجّون بالادعاء ويتحرك حين يكون الموقف مكلفًا مدركًا أن القيمة لا تُصنع بالضجيج بل بالثبات وأن الهيبة لا تُطلب بل تُنتزع من عمق المواقف.

وفي لحظة الجد تسقط كل الأقنعة وتُختصر المسافات ويُختصر الإنسان في فعله فقط لا اسمه لا صوته لا ادعاءاته فهناك من يملأ الوقت حديثًا وهناك من يملأ التاريخ موقفًا وبين الاثنين تُكتب الحقيقة بلا تجميل: من لا يُقدّم شيئًا حين يكون الثمن باهظًا لا يملك شيئًا مهما علا صوته.

إن أعظم ما يميز الكبار أنهم لا يتحدثون كثيرًا عن أنفسهم لأنهم مشغولون بصناعتها ولا يطلبون التصفيق لأنهم لا يعيشون ليُقال عنهم بل ليكونوا. 

فالقيمة لا تُعلن بل تُفرض والهيبة لا تُطلب بل تُنتزع والكبير لا يُعرّف نفسه بل تُعرّفه مواقفه حين يهرب الآخرون.

وفي النهاية…

ليس الكبير من قال “أنا” بل من جعل الآخرين يقولونها عنه دون أن ينطق.

وليس العظيم من وصف نفسه بل من عجزت الكلمات عن وصف ما فعل.

أما أولئك الذين يملؤون الدنيا حديثًا ولا يملؤون موقفًا واحدًا فعلًا… فمجرد ضجيجٍ مؤقت يختفي حين يبدأ الفعل ولا يبقى إلا من ثبت وصنع وأثر… فهؤلاء وحدهم كبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *