مصر والصين.. شراكة استراتيجية تدعم مصالح الجنوب العالمي وتبني مجتمعًا ذا مستقبل مشترك
تحليل الدكتورة/ نادية حلمي
الخبيرة المصرية في الشؤون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعي الحاكم في الصين والشؤون الآسيوية – أستاذ العلوم السياسية بجامعة بني سويف
تُمثّل العلاقات بين مصر والصين نموذجاً إستراتيجياً متقدماً للتعاون بين دول الجنوب العالمى فى العصر الجديد،
حيث ترتكز على رؤى متطابقة لدعم مصالح الدول النامية وإصلاح هيكل الحوكمة الإقتصادية والسياسية الدولية،
وتشكل ركيزة أساسية لدعم دول الجنوب العالمى نحو بناء مجتمع ذى مستقبل مشترك كما تدعم دبلوماسية الصين والدولة الكبرى ذات الخصائص الصينية فى العصر الجديد.
وتُشير صياغة “دولة كبرى ذات خصائص صينية فى العصر الجديد” إلى جمهورية الصين الشعبية ونهجها السياسى والتنموى المعاصر بقيادة الحزب الشيوعى الصينى نحو التحديث وبناء مجتمع ذى مستقبل مشترك للبشرية،
مع دعم مصر لها عبر الشراكة الإستراتيجية الشاملة والتنسيق السياسى والإقتصادى المتبادل بين البلدين. وتمثل العلاقات الثنائية بين مصر والصين شراكة إستراتيجية شاملة ومتجذرة منذ ٧٠ عاماً،
وتلعب دوراً محورياً فى دعم قضايا “الجنوب العالمى” وإصلاح النظام الإقتصادى والسياسى الدولى،
مع رفض البلدان الإستقطابات الدولية الحادة ويدعمان الإستقرار والحلول السلمية للقضايا الإقليمية والعربية.
وتبرز أهمية العلاقات الصينية المصرية بالنسبة للجنوب العالمى من خلال الآتى:
– أولاً: التكامل التنموى بين الرؤية الصينية والمصرية، بالنظر للشراكة بين مبادرة “الحزام والطريق الصينية” و “رؤية مصر ٢٠٣٠”
حيث يتعاون البلدان ضمن مجموعة “بريكس” والمنظمات الدولية للدفاع عن مصالح الدول النامية والتعددية وقضايا الجنوب والتنسيق الدولى حول مختلف القضايا.
فضلاً عن تبنى البلدين لقضية إصلاح التمويل العالمى، حيث يتوافق البلدان على إيجاد حلول لأزمة الديون وإصلاح مؤسسات التمويل الدولية والأمم المتحدة.
مع الوضع فى الإعتبار أهمية التكامل التنموى بين الرؤية الصينية والمصرية، بالنظر للشراكة بين مبادرة “الحزام والطريق الصينية” ورؤية مصر ٢٠٣٠، بدمج المبادرة الصينية مع خطط التنمية المصرية،
خاصةً فى منطقة قناة السويس الإقتصادية، لتحويل مصر إلى مركز لوجستى عالمى، لتنفيذ مشروعات صينية كبرى،
مثل منطقة “تيدا” فى شمال غرب قناة السويس بالعين السخنة، ومشروعات الصين فى تطوير البنية التحتية والموانئ المصرية.
فضلاً عن التعاون الصينى مع مصر فى مجالات (التكنولوجيا الحيوية، الطاقة المتجددة، والبنية التحتية) لضمان الإكتفاء الذاتى.
– ثانياً: العمل الصينى المصرى المشترك لإصلاح النظام الدولى ولبناء نظام عالمى متعدد الأقطاب وأكثر عدالة لدول الجنوب، والتوافق التام حول مبدأ “الصين الواحدة” مع دعم الصين لحقوق مصر المشروعة لحماية أمنها المائى
يتطابق الموقف الرسمى المصرى والصينى تماماً فى دعم القضايا السياسية والسيادية المشتركة بين البلدين،
متزامناً مع العمل الصينى المصرى المشترك لإصلاح النظام الدولى ولبناء نظام عالمى متعدد الأقطاب وأكثر عدالة لدول الجنوب.
وهنا يبرز التعاون السياسى بين مصر والصين، من خلال التوافق التام حول مبدأ “الصين الواحدة” وبإعتبار تايوان جزء من البر الرئيسى للصين،
وتؤكد مصر دائماً إلتزامها الثابت بهذا المبدأ، وتعتبر تايوان جزءاً لا يتجزأ من الأراضى الصينية والوطن الأم فى بكين،
مع دعم الصين لحقوق مصر المشروعة لحماية أمنها المائى، وتدعو لحل أزمة سد النهضة عبر التفاوض.
ونلاحظ مدى التنسيق الواسع والمستمر بين مصر والصين للدفاع عن مصالح الجنوب العالمى داخل مجموعات، مثل “بريكس” وموقع مصر كمراقب وشريك حوار فى “منظمة شنغهاى للتعاون الإقتصادى”،
ودبلوماسية مصر فى التعاون الصينى الأفريقى العربى، من خلال عضوية مصر فى كلاً من (منتدى التعاون الصينى الأفريقى “فوكاك”) و (منتدى التعاون الصينى العربى)،
ويبرز هنا التنسيق المصرى الصينى لقيادة قاطرة التنمية فى أفريقيا وجعل مصر مركزاً لنقل وتوطين التكنولوجيا الصينية،
مع بناء جبهة مصرية صينية موحدة لحماية مصالح منطقة الشرق الأوسط وتأمين ممرات التجارة العالمية فى المضائق والممرات البحرية الدولية فى البحر الأحمر وقناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب، خاصةً بعد حرب إيران.
– ثالثاً: الدعم المصرى الكامل للمبادرات الصينية العالمية (التنمية العالمية والأمن العالمية والحوار الحضارى العالمى) دفاعاً عن مصالح الجنوب لبناء مجتمع ذى مستقبل مشترك للبشرية
تقود الصين العديد من المبادرات الدولية لصالح دول الجنوب العالمى النامى، بما لديها علاقات إقتصادية وسياسية متنامية مع دول الجنوب العالمى،
مدفوعة بمبادرات مثل “الحزام والطريق” والمبادرات التنموية التى أطلقها الرئيس الصينى “شى جين بينغ” لصالح عالم الجنوب العالمى،
كمبادرات (التنمية العالمية والأمن العالمية والحوار الحضارى العالمى) وهى المبادرات الصينية العالمية التى تدعمها مصر دفاعاً عن مصالح الجنوب.
وتعتبر الصين نفسها قوة مؤثرة فى الجنوب العالمى، وتسعى إلى بناء نظام عالمى جديد يعكس مصالح هذه الدول سياسياً وإقتصادياً ومناخياً.
وتستخدم الصين الدبلوماسية لتعزيز علاقاتها مع دول الجنوب العالمى، وفق سياسة “دبلوماسية الدولة الكبرى ذات الخصائص الصينية فى العصر الجديد”،
وتدعو إلى حلول سلمية للصراعات، فضلاً عن تعاون الصين مع دول الجنوب العالمى ومصر فى مواجهة التحديات المشتركة.
وهنا تعبر مصر بإستمرار وقيادتها للرئيس المصرى “عبد الفتاح السيسى” عن تأييدها لرؤية الصين لبناء نظام عالمى أكثر عدالة وتعددية.
وهنا، تلعب المبادرات الصينية دوراً رئيسياً فى صياغة رؤية جديدة لتعاون دول الجنوب وتحقيق التنمية الإقتصادية المشتركة بدعم مصرى كامل للدفاع عن مصالح الجنوب العالمى،
مثل (مبادرة التنمية العالمية) التى أطلقتها الصين لدعم أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، بالتركيز على القضاء على الفقر وتحسين الأمن الغذائى، ودعم التحول الأخضر والإبتكار الرقمى فى بلدان الجنوب.
مع الدعم المصرى الكامل لمبادرة ودعوة الرئيس الصينى “شى جين بينغ” فى الدعوة لـ “مجتمع ذى مستقبل مشترك للبشرية”، والذى تقوم فكرته على الدعوة إلى التعاون بدلاً من الصراع،
مع التأكيد على إحترام سيادة الدول ورفض الهيمنة، وتشجيع على تقاسم فوائد التنمية بين كل الشعوب.
– رابعاً: الإتفاق بين القاهرة وبكين على خطورة أزمة الديون التى تعيق مسار التنمية فى دول الجنوب، وضرورة مواجهة القيود والشروط التى تفرضها مؤسسات التمويل الدولية، وتقليل الهيمنة الأحادية فى النظام المالى والنقدى
إن التعاون بين مصر والصين لتعزيز صوت الجنوب العالمى فى ظل هذه الظروف المفصلية يعد إمتداداً حقيقياً للعلاقات التاريخية المشتركة بين الدولتين،
بوصفهما من المؤسسين لحركة عدم الإنحياز التى دعمت مصالح الدول النامية خلال حقبة الحرب الباردة،
مع الإتفاق المصرى الصينى على إستمرار هذا التعاون لتعزيز صوت الجنوب العالمى من أجل الحفاظ على مصالح البلدان النامية.
خاصةً أنه منذ تشكيل النظام العالمى فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، تعانى الدول النامية ودول الجنوب العالمى النامى من إختلالات هيكلية على مختلف الأصعدة،
بالإضافة عما تواجهه تلك الدول النامية من العديد من التحديات الناشئة الناتجة عن الأزمات العالمية المتعددة والمتعاقبة، فضلاً عن تصاعد التوترات الجيوسياسية والإقتصادية إلى مستويات خطيرة،
لاسيما خلال الوقت الراهن، وللأسف يتم التعامل بإزدواجية غربية وأمريكية فى معالجة العديد من القضايا الدولية الخاصة ببلدان الجنوب العالمى النامى.
أما عن أبرز قضايا الجنوب العالمى فى الشراكة المصرية الصينية، فأهمها (أزمة الديون وتمويل التنمية)، وهنا تتفق القاهرة وبكين على خطورة أزمة الديون التى تعيق مسار التنمية فى دول الجنوب،
وضرورة مواجهة القيود والشروط التى تفرضها مؤسسات التمويل الدولية، وتقليل الهيمنة الأحادية فى النظام المالى والنقدى.
مع دعوة الدولتان إلى إصلاح النظام الدولى والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى، لضمان تمثيل عادل لدول الجنوب الأفريقى والآسيوى والعربى، وإيصال صوتهم داخل هياكل صنع القرار العالمى.
مع دفاع البلدين عن (عدالة التبادل ونقل التكنولوجيا)، بالتأكيد على أهمية نقل التكنولوجيا الحديثة ودعم القدرات الإنتاجية لدول الجنوب لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
– خامساً: إستراتيجية “تعددية التحالفات” بين مصر والصين لمواجهة إزدواجية المعايير الدولية، ولبناء نظام عالمى أكثر توازناً وعدالة عبر تعزيز التعاون “جنوب-جنوب”
وتُعد إستراتيجية “تعددية التحالفات” بين مصر والصين نموذجاً عملياً لمواجهة إزدواجية المعايير الدولية، حيث تهدف إلى بناء نظام عالمى أكثر توازناً وعدالة عبر تعزيز التعاون “جنوب-جنوب”.
وتتحقق هذه الإستراتيجية من خلال عدة محاور رئيسية، أهمها (التوافق المصرى الصينى على كسر الإحتكار القطبى والدبلوماسية المتوازنة وتنويع الشركاء)،
وذلك فى ظل الرفض المصرى الصينى لسياسة “الأحلاف المغلقة”، وتتجهان سوياً نحو بناء شراكات مرنة متعددة الأطراف لحماية المصالح الوطنية،
ولدعم العدالة الدولية عبر تنسيق المواقف فى المحافل الدولية، مثل (الأمم المتحدة) للدفاع عن قضايا الجنوب، ورفض التدخل فى الشؤون الداخلية تحت ذريعة حقوق الإنسان.
وهو الأمر الذى أدى لدعم الصين لمصر للإنضمام إلى التكتلات الإقتصادية الجديدة، كتجمع البريكس،
حيث يمثل إنضمام مصر الرسمى إلى المجموعة (بدعم صينى قوى) خطوة إستراتيجية لتقليل الإعتماد على الهيمنة الغربية ونظام الدولار، و (بنك التنمية الجديد)
NDB
الذى تدعمه مصر، لتوفير بدائل تمويلية تنموية ميسرة للدول النامية بعيداً عن الشروط المسيسة للمؤسسات المالية التقليدية.
وبناءً عليه، يشهد التعاون المصرى الصينى شراكة إستراتيجية شاملة ومتنامية، تتزامن مع مرور ٧٠ عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وزيارة الرئيس الصينى “شى جين بينغ” إلى مصر،
وهى الزيارة التى تفتح الباب أمام بحث ملفات إقتصادية وإستراتيجية جديدة. خاصةً فى ظل إتفاق قيادتى البلدين على دعم بعضهما البعض وقضايا الجنوب العالمى فى كافة المحافل الدولية ومتعددة الأطراف،
لمناقشة التخطيط رفيع المستوى لمبادرة الحزام والطريق الصينية وتكامل الرؤى التنموية بين مصر ودول الجنوب مع مبادرات الصين العالمية التنموية والأمنية والحضارية،
للإرتقاء بالعلاقات نحو هدف “بناء مجتمع ذى مستقبل مشترك فى العصر الجديد”.


