مَحَطَّات...الذِّئْبُ الَّذِي رَكِبَ المِيكْرُوبَاص
الأربعاء, أغسطس 26, 2026
الرئيسيةمقالاتمَحَطَّات…الذِّئْبُ الَّذِي رَكِبَ المِيكْرُوبَاص
مقالات

مَحَطَّات…الذِّئْبُ الَّذِي رَكِبَ المِيكْرُوبَاص

مَحَطَّات
الذِّئْبُ الَّذِي رَكِبَ المِيكْرُوبَاص

بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة

حين يصبح وجعُ الإنسان سوقًا… وحين يصبح سماعُه أسرةً
رأيتُ ذئبًا يحلبُ نملة.
لم يكن المشهد في غابة.

كانت هناك نملة صغيرةً،
ووضع الذئب تحتها إناءً أبيض.

قلتُ له: من أين يأتي الحليب من نملة؟
رفع عينيه إليَّ وقال: من حاجتها ووحدتها وخوفها.
قالت النملة وهى ترتجف: لم يبقَ فيَّ شيء.

فأجاب الذئب: أعرف.
ثم حرّك الإناء قليلًا.
فخرجت نقطةٌ أخرى.

عندها فهمتُ: الذئب لم يكن يحلب جسد النملة. كان يحلب خوفها.

في اليوم التالي رأيتُ النملة تحمل كسرة خبز.
اعترضها ذئبٌ آخر.
قال: أعطني نصفها.
قالت: هذه وجبتي.
قال: إذن أعطني ربعها.

قالت: سأموت جوعًا. لكنها أعطته الربع.
وحين ابتعد، اكتشفت أن الذئب كان يحمل خلف ظهره مخزنًا كاملًا.

وتعلمت أن من يملك المخزن يستطيع أن يقنع الجائع بأن الفتاتَ مشاركة.

 

وفي السوق رأيتُ رجلًا يبيع المظلات تحت المطر بثلاثة أضعاف ثمنها.
وحين سألوه: لماذا؟
قال: لأنكم تحتاجونها.

فالذئب لا يحتاج دائمًا إلى أن يسرقك.
لكنه ينتظر حتى تضيق بك الدنيا.
ثم يمد يده.
وحين تمسك بها… يأخذ منك أكثر مما أعطاك.

ثم رأيتُ عجوزًا تطرق بابًا لتطلب دينًا صغيرًا.
خرجت يدٌ طويلة من خلف الباب.
قالت: كم تحتاجين؟
قالت: ما يكفيني حتى آخر الشهر.

ضحكت اليد وأعطتها المال.
لكنها أخذت منها قبل أن تغادر:
جزءًا من راتبها،
وجزءًا من غدها،
وجزءًا من نومها.

الدين لم يكن نقودًا.
كان قطعةً من حياتها معلّقةً بفائدة.

ثم رأيتُ رجلًا فقيرًا يحمل رغيفًا.
اقترب منه الذئب وقال: هل تريد أن يصبح الرغيف رغيفين؟
فرح الرجل: نعم.
أخذ الذئب الرغيف.
قصَّه نصفين.
وأعطاه النصف الآخر.

ثم مدَّ يده: ادفع.
قال الرجل: لكنك لم تضف شيئًا.
ابتسم الذئب: أضفتُ لك الأمل.
فدفع الرجل.
هكذا الذئب يبيع إعادة تسمية الأشياء.

يسمّي النقصَ فرصة.
والدينَ تيسيرًا.
والفتاتَ مشاركة.
والخوفَ ضمانًا.
والاستنزافَ مساعدة.

وحين تتغير الأسماء…
يصبح القيدُ سوارًا،
والنزفُ ربحًا،
والذبحُ خدمةً.

ثم خرجتُ من السوق.
وركبتُ ميكروباصًا.
أُغلق الباب. رزعة.
ولم أعرف أن تلك الرزعة ستغلق خلفنا سوقًا كاملًا…

لتفتح بيننا شيئًا آخر.
في الخارج كان لكل واحدٍ منا عالمه الخاص.
بيتٌ يرهقه.
أبناءٌ يطالبونه بالمال.
فواتيرٌ تعرف اسمه أكثر مما يعرفه أصدقاؤه.

مديرٌ لا يبتسم.
جارٌ لا يسلّم.
وهاتفٌ يعرف أين نحن…
ولا يعرف كيف نحن.

أما هنا… فقد أصبحنا خمسة عشر غريبًا في علبةٍ معدنية.
لا نعرف أسماء بعضنا.
لكننا نعرف رائحة التعب.
جلس رجلٌ في الكرسي الأول.

لم يكن أبًا لأحد.
لكنه كان يحمل وجه الآباء:
له عينين تنظران إلى الطريق كأن الحياة مدينةٌ له بتفسير.

وبجواره امرأة تحمل ثلاث حقائب، وكيس خضار، وطفلًا غلبه النوم.

بعد عشرين دقيقة عطس رجل.
فعطسنا جميعًا.
ثم كحَّ رجل.
فأصبح سعاله ملكيةً عامة.

فتحت امرأة كيس شيبسي.
فدخلت الرائحة إلى رئات خمسة عشر إنسانًا دون استئذان.

وهنا أدركت شيئًا غريبًا: أن
الأسرة لا تبدأ بالقرابة.
ربما تبدأ حين يصبح وجعُ واحدٍ منا…مسموعًا عند الآخرين.

فجأة بدأ رجلٌ يحكي.
قال إن ابنه مريض.
لم يسأله أحد عن تفاصيل.

ثم تكلمت المرأة.
قالت إن زوجها ترك البيت.

وقال شاب إن عليه دينًا.

وقالت عجوز إنها لم تعد تعرف كيف تدفع ثمن الدواء.

وقال رجلٌ في آخر الميكروباص:
أنا لا أشكو من شيء.

ثم سكت قليلًا وأضاف: فقط… أشعر أنني وحدي.
فلم يعد أحدٌ في الميكروباص وحده.

صار الميكروباص علبةً معدنيةً كبيرة لحفظ البشر قبل انتهاء صلاحيتهم.
المطب صار مستقبلًا.
والفرامل صارت قدرًا.

والسائق صار فيلسوفًا لا يعرف الطريق.
وكلما ارتفع الميكروباص في الهواء بسبب مطب،
صرخنا جميعًا،

ثم ضحكنا.
لأن الخوف حين يُوزَّع بالتساوي…
يصبح أقل خوفًا.

ثم قال السائق: الأجرة يا جماعة.
فدفع رجلٌ عن فتاة.
وأعطت فتاةٌ مناديل لعجوز.
ودعت عجوزٌ للسائق.

كان العطاء هذه المرة بلا إناء.
بلا فائدة.
بلا عقد.
مجرد إنسان رأى إنسانًا.

في السوق كان الذئب يقول: أعطيك لأنك تحتاج.
وفي الميكروباص حدث العكس.
أعطى الناس لأنهم سمعوا.
وهنا كان الفرق.

بعد ساعة،
أصبحنا أسرةً مؤقتة.
أسرةً لا تعرف أسماء أفرادها،
ولا أنسابهم،
ولا عناوينهم.

عندها تذكرتُ النملة.
تذكرتُ الإناء.
تذكرتُ الذئب.

وفهمتُ شيئًا لم أفهمه في السوق:
الذئب يحتاج إلى أن يعزل النملة.
فإذا عرفت النملة أن خلفها نملةً أخرى،
وأن وجعها مسموع،
وأن خوفها مفهوم،
وأن يدًا يمكن أن تمتد إليها بلا إناء…

فقد انكسر نصف الذئب.
ربما لهذا لا يخاف المستغلُّ من فقيرٍ واحد.
يخاف من الفقراء حين يتعارفون.
ولا يخاف من النملة.
يخاف من الغابة.

وصلنا.
فتح السائق الباب.
رزعة.
انتهت الأسرة.

 

فهمتُ أخيرًا:

ربما كان أخطر ما يفعله الاستغلال بالإنسان
ليس أن يأخذ منه ما يملك…
بل أن يقنعه بأنه وحده.

فالإنسان المنفرد…
إناء.
والإنسان المسموع…
أسرة.

هنا اكتشف الذئب متأخرًا أن النملة حين تكون وحدها…
قد يحلبها.
أما حين تسمع وجع نملةٍ أخرى،
وتحكي لها وجعها،
فإنها لا تعود نملةً واحدة.

تصبح حكاية.
والحكاية حين تُسمَع…
تصير ذاكرة.
والذاكرة حين تتشارك…
تصير يدًا.

واليد حين تمتد بلا إناء…
تصير أسرة.
وربما…

لهذا كان الذئب يخاف دائمًا من رزعة باب الميكروباص.
لأنها لا تغلق خمسة عشر غريبًا في الداخل…
بل تغلق الطريق على الذئب،
وتفتح بينهم الطريق إلى بعضهم.

لكن السؤال الذي بقي معي على الرصيف:
إذا كان وجعُ الإنسان يستطيع أن يصنع منه أسرةً حين يُسمَع…
فمن الذي أقنعنا أصلًا أن نُخفيه؟

 



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *