الجزائر.. تطهير العقار الاقتصادي لفتح الطريق أمام 20 ألف مشروع استثماري
محمد أمير-الجزائر
تضع الحكومة الجزائرية العقار الاقتصادي في قلب خطتها لتسريع الاستثمار، في وقت تعمل فيه على حصر الأوعية العقارية المتاحة وتطهير وضعيتها القانونية وإعادة تأهيلها،
تمهيدا لتشكيل محفظة وطنية يمكن تعبئتها لاستقبال المشاريع.
وترأس الوزير الأول سيفي غريب، اليوم الاثنين، اجتماعا عبر تقنية التحاضر المرئي عن بُعد مع ولاة الجمهورية،
خُصص لمتابعة عدد من الملفات المرتبطة بالدخول الاجتماعي، إلى جانب سير عملية إحصاء وتطهير العقار الاقتصادي.

وبحسب بيان لمصالح الوزير الأول، يأتي ذلك تنفيذا لخارطة الطريق التي أقرها رئيس الجمهورية لمختلف المتدخلين في مجال العقار الاقتصادي، من القطاعين العام والخاص،
بهدف توفير الأوعية الضرورية لتحقيق هدف إنجاز 20 ألف مشروع استثماري بحلول عام 2029.
ولا تنظر السلطات إلى العقار الاقتصادي باعتباره مجرد مساحة تخصص للمستثمر، بل كحلقة أولى في سلسلة تبدأ بتحديد الأرض وتنتهي بتجسيد المشروع على أرض الواقع.

ولهذا، تتجه خارطة الطريق إلى إنشاء محفظة وطنية للعقار الاقتصادي القابل للتعبئة، بما يسمح بمعرفة الأوعية المتاحة، ووضعيتها القانونية، ومدى جاهزيتها لاستقبال مشاريع جديدة.
ويرى الخبير الاقتصادي عادل مناصرة أن معالجة ملف العقار الاقتصادي تمثل شرطا أساسيا لتسريع الاستثمار،
موضحا أن الإشكال لا يتعلق فقط بتوفير الأراضي، وإنما بمدى جاهزيتها من الناحية القانونية والتقنية وربطها بمختلف الشبكات.
ويضيف أن نجاح عملية الإحصاء والتطهير سيسمح بتحديد العقارات القابلة للاستغلال فعليا واسترجاع الأوعية غير المستغلة، بما يقلص آجال إطلاق المشاريع ويمنح المستثمر رؤية أوضح حول الفرص المتاحة.
وتقوم خارطة الطريق على خمسة محاور مترابطة، أولها استكمال الإحصاء الوطني للعقار الاقتصادي، بما يوفر قاعدة معلومات دقيقة حول الأوعية العقارية الموجودة وقابليتها للاستغلال.
أما المحور الثاني فيتعلق برقمنة حوكمة العقار، في مسعى لتطوير إدارة تعتمد على البيانات وتتيح متابعة وضعية العقارات وتخصيصها ومراقبة استغلالها بشكل أكثر فعالية.
ويشمل المحور الثالث التطهير القانوني واسترجاع العقار، وهو أحد الملفات المرتبطة بإعادة إدخال الأوعية غير المستغلة أو التي تعاني من وضعيات قانونية عالقة ضمن الدورة الاقتصادية، وفقا للإجراءات القانونية.
أما المحور الرابع فيتعلق بتهيئة العقار الاقتصادي وربطه بمختلف الشبكات. فامتلاك المستثمر لوعاء عقاري لا يعني بالضرورة جاهزيته لإطلاق النشاط، ما لم يكن مرتبطا بالطرق والطاقة والمياه والصرف الصحي وشبكات الاتصالات.
ويتمثل المحور الخامس في تعزيز الحوكمة والقيادة والتنسيق بين القطاعات، بما يهدف إلى الحد من تداخل الإجراءات وتسريع معالجة الملفات وتحديد مسؤوليات مختلف المتدخلين.
ويعتبر مناصرة أن التحدي الأكبر سيكون في تنفيذ خارطة الطريق على المستوى المحلي وضمان التنسيق بين مختلف القطاعات،
مشيرا إلى أن الرقمنة وحدها لا تكفي ما لم ترافقها شفافية في تخصيص العقار وآليات دقيقة لمتابعة مدى تجسيد المشاريع.
وبرأيه، فإن بلوغ هدف 20 ألف مشروع استثماري بحلول 2029 سيبقى مرتبطا بقدرة السلطات على تحويل المحفظة العقارية من مجرد قاعدة بيانات إلى أوعية جاهزة تستقبل مشاريع منتجة وتخلق قيمة مضافة ومناصب شغل.
ويحظى الولاة بدور محوري في تنفيذ هذه الخارطة، باعتبار أن جزءا كبيرا من العمل المطلوب يتم على المستوى المحلي، حيث توجد الأوعية العقارية وتظهر وضعياتها القانونية ومدى جاهزيتها الفعلية.
ومن شأن الإحصاء الميداني الدقيق أن يسمح بتمييز العقارات القابلة للتعبئة عن تلك التي تحتاج إلى تسوية أو تهيئة، فضلا عن تحديد الأوعية التي يمكن استرجاعها وإعادة توجيهها نحو مشاريع جديدة.
لكن تحويل العقار إلى استثمارات فعلية يتطلب أكثر من عمليات الجرد والتطهير؛ إذ يرتبط أيضا بمدى سرعة الإجراءات الإدارية، ووضوح المعلومات المتاحة للمستثمر، وقدرة القطاعات المختلفة على التنسيق فيما بينها.
ويضع هدف 20 ألف مشروع استثماري في أفق 2029 الحكومة أمام تحد مزدوج: توفير عدد كاف من الأوعية العقارية الجاهزة، وضمان انتقال المشاريع من مرحلة تخصيص العقار إلى مرحلة الإنجاز والإنتاج.
ومن هنا، فإن نجاح خارطة الطريق لن يقاس فقط بعدد العقارات التي جرى إحصاؤها أو الملفات التي تمت تسويتها، وإنما بقدرتها على تحرير أوعية عقارية وتحويلها إلى مشاريع منتجة تخلق الثروة ومناصب الشغل.
وبينما تواصل الحكومة متابعة الملف مع الولايات، يبقى الرهان الأساسي هو تحويل العقار الاقتصادي من عنصر قد يعطل إطلاق المشاريع إلى أداة لتسريعها، بما يساعد الجزائر على الاقتراب من هدفها المعلن بإنجاز 20 ألف مشروع استثماري بحلول 2029.


