ذكرياتُنا... والصندوقُ الأسودOur Reminiscences and the Black Box
الأربعاء, يوليو 29, 2026
الرئيسيةمقالاتذكرياتُنا… والصندوقُ الأسود Our Reminiscences and the Black Box
مقالاتمنوعات

ذكرياتُنا… والصندوقُ الأسود Our Reminiscences and the Black Box

 

ذكرياتُنا… والصندوقُ الأسود

Our Reminiscences and the Black Box

بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة

لم أجد الجمال في المتاحف…

وجدته في سوق الخردة، نائمًا تحت طبقاتٍ من الغبار، كأن الزمن أخفاه لأنه يعرف قيمته.

كان جهازًا عتيقًا، يلتف حوله شريطٌ أسود كأفعى هرمة، وتتدلى منه أسلاكٌ تبحث عن شاشةٍ تسمع، وميكروفونٍ يرى.

شعرتُ أنني لا أقف أمام آلة، بل أمام كائنٍ يقتات على الذكريات، ويحفظ ما يعجز القلب عن حمله.

لو ضغطتَ زرَّه الوحيد، لما عاد الماضي ذكرى، بل حضورًا كاملًا؛ تعود الأصوات بحرارتها، والوجوه بارتعاشها، والنيات كما وُلدت، قبل أن تكسوها الأعذار، أو يزينها النسيان.

في تلك اللحظة خطر لي سؤالٌ غريب:

ترى… هل الذاكرة نعمة لأنها تنسى، أم لأنها تتذكر؟

يقول العلم إن الإنسان لا يستعيد الماضي كما وقع، بل يعيد صياغته كلما تذكره؛ يحذف منه ما يؤلمه، ويضيف إليه ما يريحه، حتى يصبح الماضي روايةً يكتبها القلب أكثر مما يكتبها الزمن.

أما هذا الجهاز، فلا يعرف المجاملة.

يعيد اللحظة كما تنفست أول مرة.

لا يصححها…

ولا يعتذر عنها.

ولعل هذا هو أكثر ما يجعله سرياليًا؛ ففي زمنٍ تتعدد فيه الأقنعة، أصبحت الحقيقة نفسها أغرب من الخيال.

Truth survives where masks decay,
Night may linger—light finds way.

لكن الحقيقة ليست دائمًا عدوة.

فربما أعاد إلينا هذا الجهاز يدًا امتدت في الخفاء، أو دمعةً لم يرها أحد، أو معروفًا دفنه صاحبه حياءً.

وربما كشف أيضًا أن بعض الابتسامات كانت ستائر، وأن بعض الكلمات اللامعة كانت تخفي وراءها صقيعًا لا يُرى.

الحقيقة لا تصرخ…

إنها تكتفي بأن ترفع الستار.

ذلك الجهاز الملقى في سوق الخردة ذكرني بالإنسان.

كم من قلبٍ مررنا به، فقرأنا غلافه ولم نقرأ كتابه.

كم من روحٍ عُلِّق عليها ملصق: “قديم”… بينما كانت تخفي مكتبةً كاملة من الحنان.

وربما لهذا لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى من يجيب عنه، بل إلى من يُحسن الإصغاء إليه.

فسؤالٌ صادق قد يصبح مفتاحًا لذاكرةٍ مغلقة.

وإنصاتٌ مخلص قد يحول الصمت إلى اعتراف.

Beneath the dust the diamonds stay,
One faithful gaze can light their way.

ثم أخذتني السريالية إلى أبعد من ذلك…

تخيلت أن لكل إنسان صندوقًا أسود لا يسكن الطائرات، بل يسكن الروح.

كل نبضة تُسجل.

كل خوف يحتفظ بظله.

كل حب يترك ضوءًا صغيرًا لا ينطفئ.

وعندما نغادر الدنيا، يبقى الشريط شاهدًا صامتًا على الرحلة كلها.

وربما لهذا نخشى الحقيقة أكثر مما نخشى الموت.

مساحة لك…

لو أُتيح لك أن تشاهد شريط حياتك كاملًا…

هل ستجلس حتى النهاية؟

أم ستغلق الشاشة عند أول مشهدٍ يؤلمك؟

ومن أول إنسان تتمنى أن يجلس إلى جوارك؟

وأبقى أتساءل…

لو استطعتُ حقًا أن أقتني هذا الجهاز، فهل سأعتبره أعظم نعمةٍ عرفها الإنسان؟

أم سأخشى أن يكون بابًا لا يُغلق، تدخل منه حقائق لا تقوى القلوب على احتمالها؟

لعل الله لم يجعل النسيان نقصًا في الذاكرة، بل رحمةً في القلب.

ولعل ستره لبعض الأسرار ليس حرمانًا من المعرفة، بل حمايةً للمودة، وإبقاءً للحياة ممكنة.

فقل لي أيها القارئ…

لو وُضع الصندوق الأسود بين يديك، أتضغط الزر؟

أم تتركه صامتًا…

وتشكر الله على أن بعض الأبواب خُلقت لتظل مواربة؟



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *