أقنعة الجوهر المفقود في «سباع مجوفة» لمصطفى الخطيب.. قراءة في الاغتراب
الرئيسية » أقنعة الجوهر المفقود.. تفكيك المظهر المستعار في «سباع مجوفة» لمصطفى الخطيب قراءة في تيمة الاغتراب الاجتماعي
منوعات

أقنعة الجوهر المفقود.. تفكيك المظهر المستعار في «سباع مجوفة» لمصطفى الخطيب قراءة في تيمة الاغتراب الاجتماعي

كتب المقال بواسطة أ/

أقنعة الجوهر المفقود.. تفكيك المظهر المستعار في «سباع مجوفة» لمصطفى الخطيب
قراءة في تيمة الاغتراب الاجتماعي

 

بقلم د. منال رشاد

تتحرك نصوص مجموعة “سباع مجوفة” لمصطفى الخطيب في فلك تيمة مركزية، يمكن تسميتها بصراع الجوهر المفقود والمظهر المستعار؛

إذ يشكل هذا الصراع رابطة جوهرية تصل حالة الاغتراب النفسي والاجتماعي الحاد بشخصيات وفضاءات قصص المجموعة.

يعري الكاتب بوعي متقد الفجوة الهائلة بين ما تضمره الذوات من انكسار أو جوع روحي،

وبين ما تضطر إلى ارتدائها من أقنعة القسوة، أو سطوة الجاه الزائف.

المجموعة في جوهرها صرخة نقدية في وجه التخلي عن الجوهر الإنساني،

ومحاكمة للوجوه الآدمية التي تحولت بفعل ضغوط الواقع وتشوهاته إلى ذوات مجوفة من الداخل،

تشبه التماثيل أو السباع الخشبية التي تبدو مهيبة في مظهرها لكنها خاوية على عروشها.

 

هنا، ليس السبع كائنا، بل هو حالة من الفقدان المعمم

تمزج قصص المجموعة بمقدرة لافتة بين مدرستين هما الواقعية النفسية والرمزية الواقعية.

فالكاتب لا ينشغل بالحدث الخارجي كغاية، بل يوجه عدسته النقدية نحو الأثر الارتدادي له داخل التجاويف النفسية للشخصيات

(كالشعور بالذنب، الصدمة، النكوص إلى الماضي، والتوتر الإنساني).

كما تظهر الرمزية الواقعية فيها بوضوح في العناوين والرموز الممتدة داخل النصوص (كالسباع، والذئاب، الفيلا، والثقوب السوداء، وعود الكبريت)،

ليتحول الرمز إلى أداة لتعرية الواقع لا للهروب منه.

 

الرمز هنا مشرط في جسد الواقع

لا يسعنا إلا أن نرى أنها تجسيد حي لواقعية نفسية تتخذ من الرمزية الكلية بنية أصيلة ومحركا محوريا لأزماتها الوجودية؛

إذ يتلاحم فيها الرمز والواقعية النفسية كبنية عضوية واحدة؛ فالرمز يمنح القصة بعدها الفلسفي الكلي، بينما تمنحها الواقعية النفسية دفئها الشعوري.

إنها معادلة قاسية؛ يتجاوز الرمز في القصص وظيفته التفكيكية، ليتحول إلى أداة لتوثيق سردية الضحية؛

حيث يعيد الكاتب صياغة المعاناة من منظور تحليلي يعري آليات القمع دون الانزلاق في فخاخ الشفقة المجانية.

تستحضر نصوص “سباع مجوفة” في جوهرها أرواحا أدبية كبرى، لا لتستنسخها، بل لتنطلق منها؛

يشي تناصها مع يوسف إدريس باحتفاء بالهامش الإنساني؛ لتعرية السكون الاجتماعي.

وفي مسارات أخرى تنحو نصوص الخطيب منحى نجيب محفوظ. ليتحول الرمز من أداة سردية إلى وسيط فلسفي يغوص في تعقيدات النفس والسلطة.

 

على ضوء عود الكبريت

في قصته “على ضوء عود الكبريت” لا يكتفي كاتبنا بالسير على خطى إدريس في قصه “نظرة”،

إنما يغرس مبضعه في جرح حسين ماسح السلالم الأعرج.

ولعلي أتساءل هنا، بمرارة الناقد الذي أرهقه عراء الواقع: هل كان حسين يوقد عود الكبريت ليرى الجحيم؟ أم ليرى النور الذي حرم منه كحقيقة؟

إنها مواجهة مع فقر يلتهم الكرامة؛ ففطيرة الأم، ودفء القرية، ووميض الكبريت الخاطف.

ليست سوى فخاخ للذاكرة قبل أن تدهسها الحداثة. وهنا، يذيب الكاتب هذا التساؤل في بؤرة وجودية فارقة؛

إذ تتكثف مأساة الشخصية بين التوق لنور لا يصله، والاصطدام بجحيم واقع لا يمنح الكرامة إلا في ومضة تسبق الفناء .

 

وعلى النقيض

يبرز في قصة “سباع مجوفة” تناص جلي مع رؤية نجيب محفوظ في “خمارة القط الأسود”؛

إذ تستدعي صرخة “اركض.. ولا تلتفت وراءك!” روح الرواد لمحاكمة الجبن الإنساني.

تتخذ نصوص الخطيب من هذه الإحالة مسارا لتعرية الوعي الجمعي، محولة مرآة التماثيل المهشمة إلى كاشف بنيوي يفكك زيف التماسك الاجتماعي

ويواجه القارئ بعطب الحاضر. هكذا، يعيد الكاتب صياغة قلق الرواد بلسان إنسان معاصر؛

لا يبحث عن إجابات جاهزة، بل يضعنا وجها لوجه أمام عراء واقعنا.

تفتح المجموعة بعنوان “سباع مجوفة”، صدمة شعورية يلقيها الكاتب في وجه القارئ.

 

العنوان يبني على مفارقة حادة

“السباع” تستدعي في الوعي الجمعي، هيبة السلطة، وافتراس القوة.

بينما تأتي صفة “مجوفة” لتنسف كل ذلك؛ فتنزع عن القشرة روحها، وتتركنا أمام فراغ داخلي محض.

عبر هذه المفارقة، يشرع الكاتب في محاكمة الخوف إذ يطارد الوجوه المتصلبة في مجتمعنا،

ليشي بأن هذا المظهر قناع يغطي انكسارا داخليا. نحن نصنع تماثيلنا الضخمة، بينما نتآكل من الداخل.

هذا التجويف يمتد كظل على نصوص المجموعة؛

فيتخذ تارة طابعا ماديا طبقيا -كما في “حفل الذئاب” و”على ضوء عود الكبريت”-، وتارة يتجلى في بعد وجودي -كما في قصة “سباع مجوفة”-،

فتغدو الذوات كائنات هاربة من مواجهة خوائها الداخلي.

 

ولتجسيد هذا التجويف الذي أعلنه العنوان

لم يكتف الكاتب بالوصف الخارجي، بل جعل الزمان والمكان فضاءين نفسيين مشحونين بالتوتر؛

فالمكان ينقبض وينبسط تبعا لتمزق الشخصية، والزمان يرتد للوراء أو يتجمد في لحظات الصدمة؛

ليتحول كل ملمح زمكاني إلى أداة حادة لتعرية المسكوت عنه.

تتحرك شخصيات المجموعة في فضاءات مكانية تعكس انقسام ذواتها بين قناع يواجه المجتمع، وجوهر مأزوم يفر إلى الهامش

كما في قصة “حفل الذئاب”. يبدأ النص في فضاء باذخ يمثل جفاف عاطفي:

 

“في منتجعه وقصره الفاخر على البحر”.

هذا المكان يعد محرقة للآدمية تجمع نخب الذئاب :” أباطرة المال والسياسة، مشاهير الشاشة ،وتجار كل شيء..

جمع لهم كل أنواع المجون: مخدرات، عاهرات، فتيات عذراوات، وفتيان مفتولي العضلات”.

ولعلنا، ونحن نفكك هذه الرموز، نجد أنفسنا أمام حيرة أكبر: هل نحن بصدد نقد أدبي لهذه المجموعة، أم بصدد محاكمة واقعنا الذي نعيشه حاليا؟!

ربما يغيب عن نقدنا هذا ذعر الشخصية التي لا تجد في التراس مخرجا، بقدر ما نجد في ذلك المكان مرآة لعجزنا عن القفز خارج هذا الخريف.

يربط الكاتب بين زمن الذبول وانهيار البطل، فبمجرد اقترابه من البحر، ينكسر الزمن ليعود به إلى طفولة كانت تنبض طهرا على باب المدرسة :

“مضى وحده ببطء، كل خطوة كانت تنزع من داخله ذكرى قديمة، من زمن نائم، يستيقظ الآن… رآها تنتظره كعادتها على باب المدرسة”

في مفارقة قاسية بين دفء الذكرى، وبرودة أرصفة المنتجع التي يبيع فيها الابن جنازة أمه لئلا تلتهمه الذئاب.

إن ما يصفه النص ليس مجرد انكسارا وجوديا، بل هو نزيف واقعي نعيشه حين تتحول لحظة الرحيل إلى رقم في فاتورة يسددها صمتنا لكي ننجو.

وفي قصة “على ضوء عود الكبريت” يفتتح الكاتب القصة بزمان ومكان يحملان برودة شعورية:

“في ليلة من ليالي يناير الباردة… وبعد نهار طويل حافل بالجهد الضائع، جلست على المقهى أنتظر موعدا مؤجلا…!”.

هنا يتداخل زمن الشتاء القارس مع مكان المقهى الذي يغرق فجأة في ظلام حالك.

الظلام والبرد هما انعكاس لظلمة الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه حسين ماسح السلالم الأعرج،

لقد جعل الكاتب من ليلة يناير وظلام المقهى تجسيدا للظلم الاجتماعي.

المكان البديل لحسين هو التشرد: “في أي مكان! أحيانا بجوار الزاوية تحت الكوبري! أي مكان بدارى فيه”.

عندما يشعل الكاتب عود الكبريت، يتحول الزمان للحظات خاطفة من زمن شتاء القاهرة الموحش إلى زمن دافئ مضى في قريته البعيدة،

حيث “فطيرة بلدي… أمي كانت تعجنها بيديها، وتفردها على صاج كبير، وتدهنها سمن بلدي، وتستنى الفرن يدفا عشان تستوي على مهلها”.

عود الكبريت هو زمن شعوري مؤقت يضيء دهاليز الحرمان، وقبل أن تنطفئ جذوة الوميض، تدهس السيارة جسد حسين في فضاء الطريق السريع،

ليعود “الظلام أعمق ما كان”.

لقد أصبح الانطفاء إعلانا عن هزيمة الروح. حسين لم يمت تحت عجلات السيارة، لقد مات انطفاء في اللحظة التي تلاشت فيها رائحة السمن البلدي من ذاكرته.

في قصة “ثقبان أسودان”، يتموضع الجسد داخل عربة القطار ضمن جغرافيا التقوقع؛

إذ يلغي التزامن الرقمي أبعاد المكان، محولا المسافرين إلى كائنات مؤقتة تعيد إنتاج فراغها في فضاء عام.

هذا الجمود الوجودي ترصده القصة عبر تفصيل مادي حاد حين تؤكد:

“كان رأسي يرتطم بزجاج النافذة البارد”، لتحيل هذه الارتطامات المتكررة إلى محاولة الجسد اختراق المادة هربا من ضغط الواقع.

وتستمر الحركة العكسية في النص –حيث “يركض كل شيء للخلف.. الأشجار، الأعمدة، والبيوت المتهالكة”

لتعمق دلالة الهروب المكاني الذي يوازي اغتراب الركاب في هواتفهم. هنا،

لا تكتفي القصة برصد اللامبالاة تجاه صرخة المرأة المنتقبة، إذ تستحيل عربة القطار ثقبا أسود يمتص فاعلية الأفراد؛

مفضية بالسفر إلى فعل عدمي يتكرر داخل حدود الشاشات، دون أفق لمحطة وصول، ودون تواصل يتجاوز حدود الفراغ الرقمي.

وفي قصة “سباع مجوفة” اختيار زمان “في ليلة من ليالي شهر طوبة، اشتد فيها الزمهرير” ومكان/قاعدة تمثال سباع قصر النيل يمنح النص أبعادا أسطورية ونفسية.

ليل الشتاء والوقوف أمام نهر النيل يعريان الوعي. فعل التنظيف الليلي للتماثيل هو محاولة لتطهير الذاكرة والمكان “مما تراكم عليها من أوساخ وكدر السنين”.

لكن المكان/التمثال البرونزي الجامد يثور في مخيلة البطل، فيتحول كورنيش قصر النيل من فضاء عام إلى متاهة ذعر ومطاردة نفسية تنتهي بالهروب والارتجاف تحت الأغطية قبل الفجر:

” أنهما وصلا عدوا إلى الربع الذي يسكنان فيه قبل الفجر بقليل “.

يغلق الكاتب الدلالة الزمكانية على لسان الصاحب المحموم الذي يعيد حصر التجربة في مخيلته تبريرا لخوفه:

“إنها أوهامك ومناماتك التي ستوردنا المهالك! ما لنا ومال سباع قصر النيل وما عليها من أوساخ؟ ليست هذه مهمتنا؛

جئنا لطلب العلم، لا لغسل تماثيل صماء!”.

إنها المتاهة في عقول البشر الخائفة من استيقاظ سباعها، ليتحول المكان إلى سجن داخلي، وزمن ما قبل الفجر مهربا مؤقتا من مواجهة الحقيقة.

وهنا، تبرز إشكالية الهروب؛ حيث يكشف توظيف الزمكان عن تحول التطهير المادي للتمثال إلى دروع هشة تستر فراغ الذات.

وهذا التوظيف لا يكتفي برسم الأطر الهندسية، بل يطرح إشكالية سردية أعمق: هل تنحصر مأساة الشخصيات في فرارها من واقعها،

أم في كونها مرآة لعجز وجودي عن مواجهة الذات؟ إن هذه المشهدية التي استخدمها الكاتب عبر عناصر بصرية (الضوء، العتمة، الألوان، وحركة الأجساد) تتجاوز كونها مجرد لغة سينمائية،

لتغدو مجهرا نفسيا يفكك تراجيديا المسخ والتجويف الإنساني؛ فالكاتب يتقن لعبة المونتاج السردي،

حين يقطع بين مشاهد الضجيج الخارجي ومشاهد العزلة النفسية، ليصنع مفارقات بصرية تصدم وعي المتلقي وتستنطق المسكوت عنه.

 

 في قصة “حفل الذئاب”

يعتمد الكاتب على صدام الصورة. تتبدى المشهدية في التقطيع البصري بين صخب القاعة وعزلة التراس.

عندما تقترب السردية من جسد البطل، لا نرى مجرد لقطة، بل نرى انكسارا وجوديا يفضح عورته أمام مطر الخريف.

“في التراس الواسع المطل على البحر- كان مطر الخريف قد بلل أرضيته الحجرية، يتناهى إلى مسامعه إيقاع موسيقى الفالس… إلى أن وصل وحيدا إلى آخر نقطة في مواجهة البحر،

كانت أمواجه تضرب صخور الشاطئ برفق، وتعكس أضواء خافتة من بعيد. استطاع أن يتبين وجه أمه يموج معها،

خفض رأسه في لحظة أسى، قائلا:

سامحيني… لن أغفر لنفسي، لم أكن معك في لحظاتك الأخيرة… تعرفين مدى انشغالي”.

إن الهندسة البصرية هنا -المعززة بتنافر موسيقى (الفالس) الزائفة مع صوت ارتطام الأمواج بالصخور- تشكل فخا بصريا يضع البطل بين زيف الداخل وبرودة الخارج.

فالهاتف في يده تحول إلى بؤرة ضوئية باردة تعري الخواء. هذا المشهد يتركنا أمام تساؤل موجع: هل السلطة المادية تحمينا من الحزن،

أم أنها تقتل فينا القدرة على الاعتراف به؟ إن البطل نسي كيف يواجه انكساره، أو ربما -وهذا هو الأكثر فجيعة- قرر أن يبيع ذاكرته مقابل صمت الذئاب.

في قصة “على ضوء عود الكبريت”، لا يرسم الكاتب مشهدا؛ بل يفتح جرحا. عود الكبريت ليس مجرد أداة لإشعال سيجارة،

بل هو مبضع يسلطه على وجه حسين؛ ماسح السلالم الأعرج. في وميضه الخاطف نرى:

“ملامح غليظة! متغضنة! شعيرات قصيرة حول فم واسع! أسنان صفراء!”- وتفاصيل لا نجرؤ على رؤيتها في وضح النهار- نحن هنا لا نرى حسين،

بل نرى رائحة الفقر التي تحاول السيجارة طردها، لكنها تلتصق بنا. وتفضحنا.

عود الكبريت لم يضئ ملامح حسين، أضاء حرمانه الوجودي؛ لقد كان صرخة ضوء تمزق عتمة الواقع، لتعري انكسارا لا يجرؤ أحد على مواجهته.

أما توصيف “الباشاوات” بالدبابير؛ فيمثل استراتيجية بصرية تعيد تعريف تراتبية القوة، حيث يتحول القابع في القاع من كائن مهمش إلى راصد للفعل العبثي الممارس ضده.

وفجأة انطفأت السيجارة وعاد الظلام. لم يغب حسين؛ لقد ترك في العتمة ليدهس، لتأتي الجملة الحاسمة :”متخافش يا باشا! هو اللي غلطان! عربيتك سليمة! اتكل على الله “؛

وهي ذروة التوظيف السردي لآليات الإنكار الأخلاقي إن مأساة القارئ لا تكمن في التعاطف مع الضحية، بل في مواجهة عجز الضوء عن فضح الجلاد،

مما يحول الظلام من غياب مادي إلى خيار سيكولوجي جماعي؛ لتجنب مساءلة التواطؤ اليومي مع دهس الآخرين.

وفي قصة “سباع مجوفة” يصنع الكاتب مشهدا سينمائيا عالي الإيقاع، عندما تذوب الحدود بين الحقيقة والوهم تحت تأثير الزمهرير والليل يقول:

“أنه نزل من على قاعدته نزول المفزوع، وقد تغير لونه وامتقع، وأخذ يركض ويصيح في صاحبه صياح من نزل به البلاء:- اركض… ولا تلتفت وراءك! – ذيل السبع تحرك –

ثم كان من أمرهما أنهما وصلا عدوا إلى الربع الذي يسكنان فيه قبل الفجر بقليل- أنفه يتحرك حركة المتنفس- الأسد يتحرك… دبت فيه الحياة…!- قبل أن يهجم علي ويغرس أنيابه في لحمي

و…” المشهد مبني على تقنية الحركة الهاربة في الفضاء المفتوح. الركض هو هروب نفسي جماعي من صدمة الوعي؛

فالكاتب يسلط كاميرته السردية على أنفاس ممتزجة بالعتمة قبل الفجر، ليعكس تشتت الشخصية أمام عتمة الشارع الخاوي ومرحلة غسيل التماثيل التي تتحول إلى غشاوة نفسية يفر إليها الإنسان لكي ينكر ما رأى،

بينما يمثل الركض المذعور في ليل طوبة متاهة الوجود الخائف من استيقاظ قواه الدفينة. إنه مشهد كابوسي يترجم أزمة الإنسان المعاصر؛

ذلك الذي صنع تماثيله وأقنعته، ولكنه من شدة خوائه، يصاب بالرعب والانهيار النفسي بمجرد أن تبدي هذه الرموز بادرة حياة،

فيفضل الهروب إلى الربع؛ ليتدثر بأغطية الزيف والنسيان. لتتحول حركة الأجساد المهرولة في مواجهة الكتل الجامدة إلى أداة بصرية لتجسيد انهيار اليقين.

وإذ تتشكل هذه المشهدية الكابوسية لتضعنا أمام لحظات المسخ والهروب، فإنها لا تتحرك في فراغ تقني، بل يوجه دفتها صوت الراوي غير المحايد، محولا صوته وتقنياته إلى مشرط سيكولوجي يغوص في بواطن نفسية الشخصيات ومدى عزلتها المعاصرة. ويتضح ذلك في قصة “ثقبان أسودان”؛ متخذا من ضمير المتكلم بنية أصيلة لبناء راو مشارك يختبر أزمة الجفاف الروحي من داخل الفضاء الضيق لعربة القطار. الراوي عاجز ومحاصر برؤيته الذاتية التي يمتزج نفسها الصامت مع برودة الفضاء الخارجي: “كان رأسي يرتطم بزجاج النافذة البارد مع كل اهتزازة للقطار، فما زلت أطارد طيف نوم صعب المنال…” تظهر العبقرية السردية عبر تحويل صوت الراوي إلى صدى سيكولوجي للامبالاة الجمعية، التي يمارسها ركاب القطار المستغرقون في شاشاتهم الافتراضية؛ ليمثل هذا المظهر المستعار آلية دفاعية نفسية يختبئ وراءها الإنسان المعاصر لإنكار صرخة وجعه. ” كأن القطار يهرب من الحاضر إلى مستقبل مجهول… جلهم شاخصون على شاشات هواتفهم – ولم يسمعوا حتى صوتها. الجميع أتقن فن “اللامبالاة” ” إن حركة هذا القطار الهارب من البيوت المتهالكة تعري الواقع المسحوق، بينما تتحول التكنولوجيا إلى جدار افتراضي يحجب عن الركاب حقيقة البؤس المحيط بهم. وعندما تقتحم الفضاء امرأة منتقبة، يتحول المشهد إلى مواجهة تكشف عراء الوجود وتلخص صدمة الجوهر المفقود “نظرت في عينيها خلف النقاب، وجدت ثقبين أسودين يكفيان لابتلاع العالم بمن فيه؛ فراغا لا يطلب مالا ولا شفقة، بل يبتلع كل شيء”. إن الصوت السردي يعري الواقع سوسيولوجيا ونفسيا؛ فالقطار المتحرك يختزل ذاك الهروب الجماعي من واقع مسحوق، بينما يتحول الفراغ الكامن في عيني المرأة إلى ثقوب سوداء تلتهم الكرامة الإنسانية وسط صمت رقمي مطبق. الراوي عبر ضمير المتكلم يورط المتلقي، ويحرمه من طمأنينة مؤقته، ليجعله شريكا حقيقيا في اختبار تلك العزلة المطلقة والتجويف الروحي الذي يهدد فطرته.

وفي قصة “صفحة من أجندة قديمة”، يعيد الكاتب توظيف تقنية الراوي المشارك بضمير المتكلم؛ ليعمق لنا صراع الجوهر المفقود والمظهر المستعار، ولكن عبر معالجة سيكولوجية قائمة على المفارقة الزمنية. الراوي لا يرصد عزلة إلكترونية آنية كما في قصة “ثقبان أسودان”، بل يغوص في شقوق ذاكرته المعاصرة ليعيد قراءة تدوينة قديمة، ممارسا التفكيك السيكولوجي لأدوات القولبة والتلقين التي تمارسها المؤسسة التعليمية لتفريغ وعي الطفل وتحويله إلى نسخ كربونية خاضعة تحت غطاء الشعارات الكبرى.

تنطلق البنية النفسية للشخصية من مرحلة الطفولة في فضاء بني سويف عام 1972، لتمثل الجوهر النقي المستعد للمهام العظيمة: “انتشيت فخرا، وسرعان ما تساءلت: ما هو هذا الوعي القومي؟ وكيف تكون فيه مسابقة؟ لكن الاسم وحده كان كافيا؛ ليمنحني شعورا بأنني على أعتاب مهمة عظيمة”. ويأتي حوار الأم والجارة وهما تنهمكان في لف ورق العنب؛ ليعزز هذا الجوهر العفوي البسيط في مقابل المظهر المستعار/الخطاب السياسي الذي لا يفهمه أحد: “وإيه هو بقى “الوعد القومي” ده يا ختي؟ ظلت أمي منهمكة فيما تفعل ولم ترد”. يتحول الوعي القومي من قيمة حية وجوهر أصيل إلى أداة بيروقراطية، عبر التلقين والحفظ؛ فالأستاذ يؤدي مهمة روتينية، والملزمة المستنسخة بورق الكربون تصبح بديلا عن النبض الروحي: “طلب حفظ البيان كما هو؛ لأن الأسئلة ستكون مباشرة ولن تخرج عن “نص الميثاق”. كان الحفظ خصمي اللدود! ومع كل محاولة فاشلة- كانت حماستي تنطفئ”. يوضح كاتبنا كيف تسحق الفطرة الحرة للتلميذ أمام رغبة المؤسسة التعليمية في إنتاج سباع مجوفة تعيد تكرار الشعارات دون وعي: “بينما زملائي يرددون النص كما يرتل النشيد”. “ثم وزع على كل منا “ملزمة” من ١٦ ورقة فولسكاب مكتوبة بخط اليد، ومنسوخة بورق الكربون، واحتفظ لنفسه بالأصل، المكتوب بالقلم الجاف الأزرق.” هذا التناقض البصري يعكس سيكولوجيا آليات التلقين؛ حينما يحرم الطلاب من ملامسة الأصل/الجوهر الحقيقي للوعي، ويجبرون على التعامل مع النسخ الكربونية المتطابقة والجافة، مما يمهد لتفريغ وعيهم وتحويلهم إلى ظلال باهتة تطابق الأصل الجاف.

أيضا تبلغ السردية ذروتها عندما يرتد الراوي من التدوينة إلى الحظة الآنية بعد مرور عقود، ليمارس لغة التعرية السردية ويكشف كيف تحول الوعي القومي إلى مظهر مستعار، مستخدما لوحة مدرس الرسم كتجسيد لانهيار الجوهر: “الآن! فهمت لماذا توقفت المسابقة؟ ولماذا لم يكمل مدرس الرسم لوحته العملاقة؟ ولماذا طليت بلون رمادي كئيب؟ وظلت صور الزعماء الثلاث مطمورة تحته، كأشباح تبتسم في العتمة”. يضعنا الكاتب أمام حقيقة عارية؛ فالمظهر متمثلا في الشعارات الرنانة والمواثيق الجافة تحولت إلى طبقات من الرماد، بينما مات الجوهر الإنساني بموت الأم والجارة بوجع صامت دون أن يلامس وعيهما ذلك الوهم المكتوب بالقلم الجاف الأزرق. الراوي بضمير المتكلم يحرم القارئ من الطمأنينة، ويورطه في إدراك العزلة التاريخية والسياسية التي انتهت إليها الذات بعد تهاوي الأوهام الكبيرة.

ولا ينفصل هذا الصوت التقني للراوي عن حركة النمو السردي والمعمار الدرامي الكلي للمجموعة؛ إذ تتأسس البنية السردية في مجموعة “سباع مجوفة” على إيقاع ديناميكي متصاعد، يتجاوز النقل التقليدي للأحداث؛ لتعكس سيكولوجية المسخ الوجودي للإنسان المأزوم أمام تغول المادة.

وقد اتضح السرد في قصة “حق جديد” بشكل بنائي هندسي، ينتقل فيه الكاتب بفرضيتنا حول صراع الجوهر المفقود والمظهر المستعار إلى مستقبل موحش تحكمه أرقام صماء. يقدم رؤية سوداوية تبتلع فيها المنظومة السلطوية حياة البشر، فتسحق حريتهم وتغتال جوهرهم، محولة فناءهم إلى روتين يومي وإعلانات تجارية تحت شعارات براقة؛ فلا يقتصر التجويف على مسخ وعي الذات وفق تروس المكاتب الصدئة، بل يتعداه إلى هندسة سحق كيان الإنسان واختزاله داخل غلاف من الاحتفالية الزائفة، ليعمل السرد كمشرط تفكيكي يعري آليات السلطة في تحويل فجيعة الانتحار إلى مظهر مستعار مفرغ من أي عمق شعوري.

في قصتنا هذه يتخلى كاتبنا عن السرد الوجداني لصالح بنية مشهدية تستعير عين الكاميرا التلفزيونية راويا وسيطا؛ كاختيار سردي يغلف فعل الموت الوجودي بـسيكولوجية التمسرح، ليتحول من أزمة ذاتية إلى فرجة جماهيرية. تتحرك الكاميرا في أرجاء المكان، وتحديدا على “سطح بناية عالية: ناطحة سحاب”، حيث “أعد مكان لجلوس الجمهور، يتقدمه في الصفوف الأولى – أماكن مميزة لعمدة المدينة، وممثلي الكنيسة، وبعض القضاة”. هذا التواطؤ الجماعي للمؤسساتِ يعلن رعايته للإبادة حين تتدخل الكاميرا لتقنين المشهد وتنميقه عبر الفرقة الموسيقية التي تعزف ألحانا خفيفة تغطي على فجيعة الانتحار. هكذا يحرم السرد الذات من خصوصية الألم؛ فالممر الخشبي يغدو “منصة قفز في أحواض السباحة”، والحضور بـ “حللهم السوداء، كملابس السهرة وارتياد المسارح” يتحولون إلى شهود عرض ترفيهي. إنها لحظة اختزال الوجود في طقس استهلاكي بارد، حيث لم يعد الموت فاجعة تهز الوجدان، بل فرجة تكرس المظهر وتجهز على الجوهر. وهنا يبرز التساؤل النقدي: هل نجح الكاتب في تفكيك الموت كسياق أم أنه سقط في فخ تحويل الموت إلى مشهد مواز لما يدينه؟

ولأن هذا التجميل القسري للموت لا يكتفي بالفضاء العام، بل يتسلل إلى أصغر مساحاتنا الخاصة، تفرض النملة حضورها كالثقب الأسود الذي يبتلع افتراضية الرقمي ويفضح هشاشته. وعلى التوازي، يمتد هذا الصراع في قصة “صغير الجاموس”، لينتقل الكاتب من فضاء الشاشة التلفزيونية العامة إلى فضاء الهاتف المحمول الفردي؛ ليصبح السرد مشهديا، محكوما بآليات مصنعة تبرمج وعي الإنسان وتفرغ استجابته لـلمجازر الإنسانية، محولة الدمار إلى مادة للفرجة والتسلية. يتحرك السرد بآلية القطع والمونتاج السريع عبر حركة الإبهام، ليرصد سيكولوجية متفرج عاجز، تتجاور عنده المأساة مع الرفاهية في مسافة صفرية تذوب معها الفوارق الأخلاقية. تتشكل هذه المسافة الصفرية كتجسيد قسري للعجز البنيوي في وعي الإنسان الرقمي: “العالم محشور في مستطيل صغير، يتتابع في مشاهد عبثية: زيت يغلي في مقلاة طاه مبتهج يعد متابعيه بطعم لم يذوقوه من قبل، يليه مباشرة غبار كثيف يبتلع منازل مدمرة في غزة. وبلمسة واحدة، يختفي الدمار ليحل محله اللون الفيروزي لمنتجع “نيوم” الفاخر”. يعري الكاتب أوهام الزيف الرقمي؛ فالخوارزمية تمارس تخديرا منظما يحول الفجيعة إلى أرقام باهتة تمسحها عارضات الأزياء، ليتكثف المشهد سرديا مع ظهور النملة الحقيقية على سطح الزجاج. النملة هي الجوهر الواقعي الوحيد وسط ركام الافتراض؛ حركتها تكسر العزلة الرقمية، وتقود معجزة إنقاذ صغير الجاموس، في إشارة إلى أن الخلاص الإنساني يتحقق حصرا عبر الاتصال المباشر مع الواقع الملموس، بعيدا عن أروقة الشاشات الممسرحة.

ولا يتوقف هذا الالتحام بالواقع عند حدود الحركة، بل يمتد ليتخلق من خلال البنية الحوارية داخل المجموعة؛ إذ يتجاوز الحوار في مجموعة “سباع مجوفة” وظيفته التقليدية القائمة على دفع الحدث وتطوير الحبكة، ليتحول إلى بنية سيكولوجية ومشرط دلالي يعكس المسخ الوجودي لإنسان هذا العصر، ويكشف الفجوة بين لغة المنظومة والنبض البشري المخنوق. حين يتحول الموت إلى فقرة إعلانية مقننة، تنتهي صلاحية اللغة وتصبح مجرد ضجيج تقني. هذا بالضبط ما يفعله الحوار في قصة “حق جديد” يجمد الحوار نبض الشعور، ليتحول إلى تبادل آلي صلب بين المذيع في الاستوديو والمراسلة أسفل البرج لتوجيهه نحو جمهور الشاشة الشاخص؛ مما يعزز رتابة الآلة وسيطرة المظهر المستعار.

ويتكشف هذا الخواء حين يظهر المراسل بحماس المذيعين المعتاد وهو يعدل في وقفته ليقول: “ننقل لكم الآن- أعزاءنا المشاهدين- مراسم الاحتفال الشهري بيوم الحق في الانتحار..!. – الحق في الانتحار هو حق من حقوق الإنسان، أقرته الأمم المتحدة، وأقره في بلدنا العظيم، بلد الحرية والمثلية والجندرية”. يمارس هذا الحوار تزييفا منظما للمفاهيم ؛ فالإيقاع الحماسي والعبارات الرنانة تستخدم كأوهام براقة لإقناع الذات البشرية بأن التخلي عن الحياة هو ذروة مم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *