هل كل مريض سكر معرض للإصابة بالقدم السكري؟ الدليل الطبي الشامل للوقاية والعلاج وتجنب البتر
بحث و تحقيق/ د.أحمد الجندي – شبكة النايل الاخبارية

المقدمة
يعيش ملايين الأشخاص حول العالم مع مرض السكري، وبينما يركز معظم المرضى على متابعة مستوى السكر في الدم، قد يغفل البعض عن واحدة من أخطر مضاعفات المرض، وهي القدم السكري. وتبدأ المشكلة غالبًا بإصابة بسيطة أو خدش صغير، لكنه قد يتطور إلى قرحة مزمنة أو التهاب شديد إذا لم يُكتشف ويُعالج في الوقت المناسب.
ورغم خطورة القدم السكري، فإن الخبر الجيد هو أن معظم الحالات يمكن الوقاية منها من خلال التحكم في مستوى السكر، والفحص اليومي للقدم، واتباع بعض العادات الصحية البسيطة.
في هذا الدليل الطبي الشامل، نستعرض كل ما تحتاج إلى معرفته عن القدم السكري، بداية من الأسباب وعوامل الخطر، مرورًا بالأعراض وطرق الوقاية، وحتى أحدث أساليب العلاج وكيفية تجنب البتر.

هل كل مريض سكري معرض للإصابة بالقدم السكري؟
الإجابة العلمية هي: لا، ليس كل مريض سكري سيصاب بالقدم السكري، ولكن كل مريض سكري قد يكون معرضًا للإصابة بها إذا لم يسيطر على المرض أو أهمل العناية بقدميه.
يعتمد خطر الإصابة على عدة عوامل، أهمها:
- مدة الإصابة بمرض السكري.
- مدى انتظام مستوى السكر في الدم.
- وجود تلف بالأعصاب.
- كفاءة الدورة الدموية.
- نمط الحياة والعناية اليومية بالقدم.
ولهذا قد يعيش بعض المرضى سنوات طويلة دون أي مشكلات في القدم، بينما يتعرض آخرون لمضاعفات خلال فترة أقصر نتيجة إهمال العلاج أو عدم اكتشاف المشكلات مبكرًا.
ما هو القدم السكري؟
القدم السكري ليس مرضًا مستقلًا، بل هو مجموعة من المضاعفات التي تصيب القدم نتيجة تأثير مرض السكري على الأعصاب والأوعية الدموية والمناعة.
وتشمل هذه المضاعفات:
- فقدان أو ضعف الإحساس بالقدم.
- جفاف الجلد وتشققه.
- القرح المزمنة.
- الالتهابات البكتيرية أو الفطرية.
- ضعف التئام الجروح.
وفي الحالات المتقدمة قد تحدث الغرغرينا، التي قد تستدعي البتر لإنقاذ حياة المريض.
لماذا يُعد القدم السكري من أخطر مضاعفات مرض السكري؟
تكمن الخطورة في أن كثيرًا من المرضى لا يشعرون بالألم عند حدوث إصابة في القدم بسبب تلف الأعصاب، فيستمر الجرح في التفاقم دون أن ينتبه المريض إليه.
كما أن ضعف تدفق الدم إلى القدم يقلل وصول الأكسجين والعناصر الغذائية اللازمة لالتئام الجروح، بينما يؤدي ارتفاع السكر إلى إضعاف الجهاز المناعي، فتزداد فرصة الإصابة بالعدوى.
ولهذا السبب، قد يتحول جرح صغير يمكن علاجه بسهولة إلى قرحة عميقة خلال أسابيع إذا لم يتم التعامل معه بالشكل الصحيح.

كيف يحدث القدم السكري؟
يعتمد تطور القدم السكري على ثلاثة عوامل رئيسية تعمل معًا:
أولًا: تلف الأعصاب (الاعتلال العصبي السكري)
يؤدي ارتفاع مستوى السكر لفترات طويلة إلى تلف الأعصاب الطرفية، خاصة في القدمين.
ومن أعراضه:
- التنميل.
- الوخز.
- الإحساس بالحرقان.
- فقدان الإحساس بالألم.
- صعوبة التمييز بين الحرارة والبرودة.
وهذا يعني أن المريض قد يطأ جسمًا حادًا أو يتعرض لحرق بسيط دون أن يشعر.
ثانيًا: ضعف الدورة الدموية
يؤثر مرض السكري على الشرايين الصغيرة والكبيرة، ما يقلل تدفق الدم إلى القدم.
ويؤدي ذلك إلى:
- بطء التئام الجروح.
- ضعف وصول المضادات الحيوية إلى موضع العدوى.
- زيادة خطر الغرغرينا.
ثالثًا: ضعف مقاومة العدوى
ارتفاع السكر في الدم يؤثر في كفاءة خلايا المناعة، مما يجعل الجسم أقل قدرة على مكافحة البكتيريا.
لذلك فإن العدوى لدى مريض السكري قد تنتشر بسرعة أكبر مقارنة بغيره، وهو ما يفسر ضرورة علاج أي جرح في القدم دون تأخير.

من هم الأكثر عرضة للإصابة بالقدم السكري؟
لا يتساوى جميع مرضى السكري في مستوى الخطورة، فهناك عوامل تزيد من احتمالية الإصابة، منها:
- الإصابة بمرض السكري منذ أكثر من 10 سنوات.
- ارتفاع السكر بشكل متكرر.
- ارتفاع السكر التراكمي (HbA1c).
- التدخين.
- ارتفاع ضغط الدم.
- ارتفاع الكوليسترول.
- السمنة.
- قلة النشاط البدني.
- وجود تشوهات في القدم.
- الإصابة السابقة بقرحة أو بتر.
- ضعف الإبصار الذي يصعّب ملاحظة الجروح.

هل يمكن الوقاية؟
الإجابة هي نعم، وبنسبة كبيرة.
وتؤكد الإرشادات الطبية أن الفحص اليومي للقدم، وضبط السكر، وارتداء الحذاء المناسب، والعلاج المبكر لأي إصابة، يمكن أن يقلل بشكل ملحوظ من خطر حدوث القرح والبتر.
أعراض القدم السكري.. وكيف تكتشف المشكلة قبل فوات الأوان؟
يؤكد أطباء السكري أن الاكتشاف المبكر هو مفتاح الحفاظ على القدم. فكلما تم اكتشاف المشكلة في بدايتها، زادت فرص العلاج وتجنب المضاعفات الخطيرة.
وقد تمر المراحل الأولى من القدم السكري دون ألم، خاصة لدى المرضى الذين يعانون من اعتلال الأعصاب السكري، لذلك لا ينبغي الاعتماد على الشعور بالألم وحده.
الأعراض المبكرة للقدم السكري
قد تظهر واحدة أو أكثر من العلامات التالية:
- تنميل أو وخز في القدم.
- إحساس بالحرقان، خاصة أثناء الليل.
- فقدان الإحساس بالحرارة أو البرودة.
- جفاف شديد وتشقق الجلد.
- تغير لون الجلد إلى الأحمر أو الأزرق أو الشاحب.
- برودة إحدى القدمين مقارنة بالأخرى.
- تورم في القدم أو الكاحل.
- ظهور مسامير القدم أو الجلد السميك.
- بطء التئام أي خدش أو جرح.
قد تبدو هذه الأعراض بسيطة، لكنها تستحق الانتباه، خاصة إذا استمرت أو تكررت.
علامات الخطر التي تستوجب مراجعة الطبيب فورًا
لا تؤجل زيارة الطبيب إذا لاحظت أيًا من العلامات التالية:
- جرح لا يلتئم خلال 24 إلى 48 ساعة.
- خروج صديد أو إفرازات.
- رائحة كريهة من الجرح.
- احمرار يزداد حول مكان الإصابة.
- تورم شديد أو ألم متزايد.
- اسوداد الجلد أو الأصابع.
- ارتفاع درجة حرارة الجسم مع وجود جرح في القدم.
كلما كان التدخل أسرع، زادت فرص إنقاذ القدم وتجنب المضاعفات.

كيف تفحص قدمك بنفسك؟
خصص خمس دقائق يوميًا لفحص قدميك، ويفضل أن يكون ذلك قبل النوم.
اتبع الخطوات التالية:
- افحص أعلى القدم وأسفلها.
- انظر بين الأصابع جيدًا.
- تأكد من عدم وجود تشققات أو بثور أو احمرار.
- راقب لون الجلد ودرجة حرارته.
- استخدم مرآة لرؤية باطن القدم إذا كنت لا تستطيع رؤيته مباشرة.
إذا كنت تعاني من ضعف النظر، اطلب من أحد أفراد الأسرة مساعدتك.
هذا الفحص البسيط قد يمنع حدوث مضاعفات خطيرة.
خطوات الوقاية اليومية من القدم السكري
أولًا: التحكم في مستوى السكر
يُعد ضبط مستوى السكر في الدم أهم وسيلة للوقاية، لأنه يقلل من خطر تلف الأعصاب وضعف الدورة الدموية.
ثانيًا: غسل القدمين يوميًا
اغسل القدمين بماء فاتر وصابون لطيف، ثم جففهما جيدًا، مع الاهتمام بالتجفيف بين الأصابع لتقليل خطر العدوى الفطرية.
ثالثًا: ترطيب الجلد
استخدم كريمًا مرطبًا لمنع التشققات، لكن تجنب وضع الكريم بين الأصابع حتى لا تتراكم الرطوبة.
رابعًا: لا تمشِ حافي القدمين
حتى داخل المنزل، فقد تتعرض لإصابة دون أن تشعر بها.
خامسًا: ارتدِ الحذاء المناسب
يجب أن يكون الحذاء:
- مريحًا.
- واسعًا من الأمام.
- غير ضاغط على الأصابع.
- مبطنًا من الداخل.
- مناسبًا لمقاس القدم.
وقبل ارتدائه، افحصه من الداخل للتأكد من عدم وجود جسم صلب أو حصوة صغيرة.
هل يجوز استخدام الوصفات الشعبية؟
ينصح الأطباء بعدم استخدام أي وصفات شعبية أو أعشاب أو مواد مجهولة المصدر على جروح القدم السكري، لأنها قد تؤخر العلاج أو تزيد خطر العدوى.
كما لا يُنصح بوضع الكحول أو المطهرات القوية مباشرة على الجرح إلا إذا أوصى الطبيب بذلك.
متى تحتاج إلى طبيب متخصص؟
راجع الطبيب إذا لاحظت:
- أي جرح حتى وإن كان صغيرًا.
- تغيرًا في لون الجلد.
- تورمًا غير معتاد.
- فقدانًا جديدًا للإحساس.
- تشققًا عميقًا أو نزيفًا.
- ظفرًا ناميًا داخل الجلد مع علامات التهاب.
لا تنتظر حتى يزداد الوضع سوءًا، فالعلاج المبكر هو أفضل وسيلة للحفاظ على القدم.

العلاج، وتجنب البتر، وأهم النصائح الطبية
كيف يُعالج القدم السكري؟
يعتمد العلاج على مرحلة الإصابة، لذلك فإن التشخيص المبكر يحدث فرقًا كبيرًا في النتائج.
قد يشمل العلاج:
1- ضبط مستوى السكر في الدم
السيطرة الجيدة على سكر الدم هي الخطوة الأولى، لأنها تساعد الجسم على مقاومة العدوى وتسريع التئام الجروح.
2- تنظيف الجرح (Debridement)
يقوم الطبيب بإزالة الأنسجة الميتة أو المصابة لتحفيز التئام الجرح وتقليل خطر انتشار العدوى. ولا يجب أبدًا محاولة القيام بذلك في المنزل.
3- المضادات الحيوية
إذا كانت هناك عدوى بكتيرية، فقد يصف الطبيب مضادًا حيويًا مناسبًا، وقد يكون عن طريق الفم أو الوريد حسب شدة الحالة.
4- تقليل الضغط على القدم
قد يحتاج المريض إلى حذاء طبي أو جبيرة أو وسائل خاصة لتقليل الضغط على مكان القرحة، مما يساعد على سرعة الالتئام.
5- تحسين الدورة الدموية
إذا أظهرت الفحوصات وجود ضعف في تدفق الدم، فقد يحتاج المريض إلى تدخل من طبيب جراحة الأوعية الدموية لتحسين وصول الدم إلى القدم.
هل كل قرحة قدم سكري تؤدي إلى البتر؟
الإجابة: لا.
معظم قرح القدم السكري يمكن علاجها بنجاح إذا تم اكتشافها مبكرًا والالتزام بخطة العلاج.
ويصبح خطر البتر أكبر عندما:
- يتم إهمال الجرح لفترة طويلة.
- تنتشر العدوى إلى العظام.
- يحدث نقص شديد في تدفق الدم.
- تتطور غرغرينا (موت الأنسجة).
متى يكون البتر ضروريًا؟
يلجأ الأطباء إلى البتر كخيار أخير فقط عندما تكون حياة المريض مهددة أو يصبح إنقاذ الطرف غير ممكن، مثل:
- انتشار العدوى بشكل شديد لا يستجيب للعلاج.
- الغرغرينا الواسعة.
- تلف دائم لا يمكن إصلاحه.
وفي كثير من الحالات يكون البتر محدودًا في إصبع واحد أو جزء من القدم، وليس بالضرورة بتر الساق كاملة.
أكثر 10 أخطاء يرتكبها مرضى السكري
إهمال الجروح الصغيرة.
المشي حافي القدمين.
استخدام الماء شديد السخونة دون اختبار حرارته.
ارتداء أحذية ضيقة أو غير مناسبة.
استخدام وصفات شعبية أو أعشاب على الجروح.
إزالة مسامير القدم أو الجلد السميك بأدوات حادة.
قص الأظافر بشكل خاطئ.
التدخين.
عدم الالتزام بعلاج السكري.
تأخير زيارة الطبيب.
حقائق وخرافات
❌ خرافة: كل مريض سكري سيصاب بالقدم السكري.
✅ الحقيقة: ليست كل الحالات تُصاب، لكن الوقاية ضرورية للجميع.
❌ خرافة: إذا لم أشعر بالألم فلا توجد مشكلة.
✅ الحقيقة: تلف الأعصاب قد يمنع الإحساس بالألم رغم وجود إصابة خطيرة.
❌ خرافة: أي قرحة تعني أن البتر أصبح حتميًا.
✅ الحقيقة: العلاج المبكر ينقذ معظم الحالات ويقلل بشكل كبير من الحاجة إلى البتر.
أسئلة شائعة
هل يمكن الشفاء من القدم السكري؟
نعم، في كثير من الحالات إذا بدأ العلاج مبكرًا مع السيطرة على مستوى السكر والعناية الصحيحة بالجرح.
كم مرة يجب فحص القدم؟
يفضل فحصها يوميًا في المنزل، مع فحص دوري لدى الطبيب حسب درجة الخطورة.
هل الحذاء الطبي ضروري؟
ليس لكل المرضى، لكنه ضروري لمن لديهم تشوهات في القدم أو فقدان للإحساس أو تاريخ سابق لقرح القدم.
هل التدخين يزيد خطر القدم السكري؟
نعم، لأنه يضعف الدورة الدموية ويؤخر التئام الجروح.
نصائح ذهبية للحفاظ على صحة القدم
حافظ على مستوى السكر ضمن الحدود التي يحددها طبيبك.
افحص قدميك يوميًا.
اغسل وجفف القدمين جيدًا.
استخدم مرطبًا مناسبًا بعيدًا عن المسافات بين الأصابع.
لا تمشِ حافي القدمين.
ارتدِ حذاءً مريحًا وجوارب قطنية نظيفة.
لا تؤخر علاج أي جرح أو تشقق.
امتنع عن التدخين.
راجع طبيبك بانتظام، خاصة إذا كنت تعاني من فقدان الإحساس أو سبق أن أصبت بقرحة.
الخلاصة
القدم السكري ليست قدرًا محتومًا، بل هي مضاعفة يمكن الوقاية منها في كثير من الحالات. ويبدأ ذلك بالتحكم الجيد في مرض السكري، والفحص اليومي للقدم، والعناية السليمة بها، وطلب المشورة الطبية عند ظهور أي علامة غير طبيعية.
وتذكر أن جرحًا صغيرًا يتم علاجه في الوقت المناسب قد يمنع مضاعفات كبيرة، بينما قد يؤدي الإهمال إلى نتائج يصعب تداركها. لذلك، اجعل العناية بقدميك جزءًا من روتينك اليومي، فهي خطوة بسيطة قد تحافظ على صحتك وجودة حياتك لسنوات طويلة.
المصادر الطبية
الجمعية الأمريكية للسكري (American Diabetes Association – ADA).
الاتحاد الدولي للسكري (International Diabetes Federation – IDF).
المعهد الوطني للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى (NIDDK).
خدمة الصحة الوطنية البريطانية (NHS).



