
حين يصبح المضمون منهجًا للقراءة
قراءة في كتاب “قراءات المضمون في الرواية العربية” للدكتورة دينا عبد الرحمن
بقلم: عمرو مرسى
يأتي كتاب «قراءات المضمون في الرواية العربية» للدكتورة دينا عبد الرحمن بوصفه محاولة جادة لاستعادة سؤال ظل حاضرًا في تاريخ النقد الأدبي، وهو سؤال المضمون: كيف نقرأه؟ وما حدوده؟
وهل يمكن عزله عن الشكل، أم أنه يولد معه وفيه؟
منذ الصفحات الأولى يعلن الكتاب موقفه الفكري
بوضوح؛ فالمؤلفة لا تنظر إلى المضمون بوصفه مجموعة من الأفكار أو الرسائل المباشرة التي يحملها النص، وإنما باعتباره بنية دلالية تتولد من تفاعل السرد واللغة والشخصيات والزمن والرؤية الفكرية، حيث يسهم كل عنصر فني في إنتاج المعنى.
هذه الرؤية تمنح الكتاب قيمة معرفية تتجاوز مجرد استعراض المناهج. فهو يستثمر منجزات النقد الاجتماعي، والبنيوي، والثقافي، والسيميائي، والسردي، دون أن يتحول إلى كتاب في تاريخ النقد، أو إلى عرض أكاديمي جاف. فالمراجع الكثيرة التي يستند إليها لا تُستحضر للتوثيق وحده، بل تتحول إلى أدوات إجرائية في قراءة الرواية العربية، وهو ما يمنح العمل حيوية وفاعلية.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه أن المؤلفة لم تكتف بالتأصيل النظري، بل انتقلت إلى التطبيق، وهو ما يمثل أحد أهم عناصر قوة الكتاب. فالنقد الحقيقي لا يقاس بقدرته على استدعاء المصطلحات، وإنما بقدرته على اختبارها داخل النصوص، وتحويلها إلى ممارسة تحليلية تكشف طبقات المعنى، وتعيد اكتشاف العمل الأدبي من الداخل.
وفي هذا السياق، تبدو قراءات الروايات المختارة محاولة للكشف عن العلاقة المركبة بين الأدب والواقع، وبين الجمالي والثقافي، وبين الفردي والجمعي. فالرواية هنا ليست وثيقة تاريخية، ولا خطابًا أيديولوجيًا مباشرًا، وإنما فضاء تتشابك داخله الأسئلة الكبرى: الهوية، والسلطة، والحرية، والذاكرة، والمقاومة، والتحولات الاجتماعية. وهذه المقاربة تجعل الكتاب يقرأ الرواية بوصفها خطابًا ثقافيًا يعكس حركة المجتمع.
ولعل أهم إضافة يقدمها هذا العمل للمكتبة العربية تتمثل في الجمع بين ثلاثة مستويات قلما تجتمع في مؤلف واحد: التأصيل النظري الرصين، والتطبيق النقدي الواعي، واللغة الواضحة التي لا تغرق في التعقيد الاصطلاحي. ولذلك يستطيع الباحث الأكاديمي أن يجد فيه مرجعًا، كما يستطيع القارئ العام أن يجد فيه مدخلًا لفهم آليات القراءة النقدية الحديثة.
إن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن في أنه يقدم قراءات لروايات عربية فحسب، وإنما في أنه يدعو إلى إعادة التفكير في فعل القراءة ذاته. فهو يذكرنا بأن النص الأدبي ليس سطحًا لغويًا، ولا حكاية تروى، بل شبكة من الدلالات والرؤى والأنساق الثقافية التي لا تكشف أسرارها إلا قراءة واعية، تمتلك أدواتها، وتحترم النص، وتمنحه حقه في التأويل.
من هنا يمكن القول إن «قراءات المضمون في الرواية العربية» يمثل إضافة نوعية إلى المكتبة النقدية العربية؛ لأنه يعيد إحياء سؤال المضمون بمنهج معاصر، ويقدم نموذجًا تطبيقيًا يمكن الإفادة منه في الدراسات الأكاديمية، كما يفتح بابًا لحوار نقدي متجدد حول العلاقة بين الرواية العربية وتحولات المجتمع والثقافة. وهو، في تقديري، ليس كتابًا يكتفي بتفسير النصوص، بل كتاب يدعو إلى إعادة اكتشافها.
المشروع الذي قدمته الدكتورة دينا عبد الرحمن
في كتابها قابل للتطوير، وهي سمة لا تتوافر إلا في الأعمال التي تمتلك فكرة حقيقية حيث نطمح الي إضافة أشمل للرواية العربية في تنوعها الجغرافي والزمني.
نبارك لأنفسنا وللدكتورة دينا عبد الرحمن هذا الإنتاج المشرق والمثمر في فضاء الثقافة العربية.

