الرئيسيةثقافةالتربية الإيجابية.. البيت مدرسة الحياة
ثقافةمقالات

التربية الإيجابية.. البيت مدرسة الحياة

التربية الإيجابية.. البيت مدرسة الحياة

 

كتبت / آية علاء

 

في رحلة الحياة، لا توجد محطة تُعيد تشكيل ملامح الإنسان كما تفعل محطة الأبوة والأمومة، مُنذ اللحظة الأولى التي يعلم فيها الزوجان أن روحًا جديدة في الطريق، تبدأ إعادة ترتيب عميقة للحياة، تتبدل الأولويات، تُعاد صياغة الأفكار، ويصبح السؤال الأهم «كيف نكون أهلًا لهذه الأمانة؟».

 

تكوين الأسرة ليس حدثًا اجتماعيًا عابرًا، بل مشروع وعيٍ ممتد. البيت ليس جدرانًا وسقفًا، بل بيئة نفسية وتربوية تُشكِّل وجدان الطفل، وتنعكس على شخصيته لسنوات طويلة. طريقة الحوار بين الزوجين، أسلوب النقاش، مفردات الخلاف والاتفاق، كلها رسائل صامتة يتشربها الطفل كما يتشرب الهواء. فهو يتأثر بالمحيطين به كما نتأثر نحن تمامًا، بل وأكثر.

 

السنوات السبع الأولى… البذرة التي تصنع الغابة

 

يتفق علماء التربية على أن أول7 سنوات من عمر الطفل هي المرحلة الذهبية في بناء شخصيته، في هذه السنوات تتشكل القيم، وتُرسى قواعد الأمان، ويُبنى مفهوم الذات، حين يمنحك الله طفلًا، فهو يمنحك فرصة لإعادة اكتشاف نفسك أيضًا، أن تتعلم، أن تصحح، أن تنضج، أن تتزكى، وأن تدرك أن الطفل يحاكي من يحب، ويتشبه بمن يشعر معه بالأمان.

 

التربية الواعية تبدأ بحوار صريح بين الزوجين، ما القيم التي نريد غرسها؟، ما حدود المسموح والممنوع؟، ما مفهومنا للحلال والحرام؟، ما الفرق بين دور الأب كأب ودوره كزوج؟، وبين دور الأم كأم ودورها كزوجة؟ وضوح هذه الأدوار يحمي الطفل من التناقض، ويمنحه بيئة مستقرة لا صراعات خفية فيها.

 

القدوة… المنهج الصامت

 

المربي هو المنهج الأول في حياة الطفل. أنت الجسر الذي يعبر عليه لاكتشاف العالم. أسلوبك، نبرة صوتك، هدوؤك أو عصبيتك، طريقة تعاملك مع الضغوط… كلها تُنسخ في داخله دون أن تشعر. الطفل لا يتعلم مما نقول بقدر ما يتعلم مما نفعل.

ومن أخطر الأخطاء التربوية استخدام لغة الأمر الدائم: “افعل”، “لا تفعل”، “اسكت”، “لا تناقش”. فبين أسلوبٍ يبني شخصية، وآخر يهدمها، يكمن الفارق في طريقة التوجيه. التربية ليست أوامر عسكرية، بل حوار يزرع الفهم، وتوجيه يوقظ الضمير.

 

لا للعنف… نعم للروتين الواعي

 

“كل ممنوع مرغوب”، لذلك فإن القمع والعنف والضرب لا يصنعان إنسانًا سويًا، بل يزرعان الخوف أو التمرد. البديل هو الروتين اليومي الذكي: تعليم الطفل النظافة الشخصية، ترتيب ألعابه، تحمّل مسؤوليات بسيطة تناسب عمره، واكتشاف مهاراته وتنميتها. الروتين يمنحه إحساسًا بالإنجاز، ويعزز ثقته بنفسه.

 

عِش مع طفلك التجربة، لا تكتفِ بإصدار التعليمات. كن النظارة التي يرى بها العالم، وشاركه دهشة الاكتشاف. اجعل من يراك يدعو لمن رباك، لأن التربية انعكاس أخلاقي عابر للأجيال.

 

التربية مشروع عمر… لا ساحة صراع

 

التربية ليست منافسة بين الأب والأم، ولا معركة لإثبات من يفرض رأيه. إنها شراكة عميقة بين شخصين قررا أن يكونا فريقًا واحدًا من أجل إخراج جيل سويّ، متوازن، واثق، وسعيد. كل خلاف بينهما أمام الطفل يُربكه، وكل انسجام يُطمئنه.

 

الطفل بطبيعته يتوق إلى من يعلمه الحياة بالتوجيه لا بالتسلط، بالمشاركة لا بالتحكم. وحين ينشأ في بيئة يشعر فيها بالأمان، يصبح مسؤولًا، واعيًا، مستقلًا نفسيًا، قادرًا على اتخاذ القرار دون خوف.

 

في النهاية، التربية الإيجابية ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة أخلاقية ومجتمعية. إنها استثمار طويل الأمد في إنسانٍ سيكون يومًا ما أبًا أو أمًا، ويعيد إنتاج ما عاشه. فإما أن نورّث أبناءنا وعيًا ينهض بهم، أو جراحًا يحتاجون سنوات لشفائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *