كسر الخواطر على الشاشات مرفوض.. عندما تتحول المسؤولية إلى مقصلة علنية
محمد عبدالله القاضي يكتب
في زمن أصبحت فيه الكاميرا حكمًا وجلادًا، وباتت اللقطة المصورة تُقاس بعدد المشاهدات، لا بميزان العدالة والمروءة، يتكرر أمامنا مشهد مؤلم في بعض المؤسسات والمواقع الخدمية والإعلامية:
مسؤول يقف أمام الكاميرات ليوجه سيلًا من التوبيخ والإهانة إلى مسؤول أدنى منه أو موظف أخطأ أو قصّر في أداء عمله.
قد يكون الموظف مهملاً بالفعل، وقد يكون مقصرًا ويستحق المحاسبة والجزاء، وربما تكون لديه في المقابل ظروف قهرية لم تظهر أمام الكاميرات ولم تجد طريقها إلى المشهد.
وقد يكون المسؤول محقًا في جوهر موقفه، وقد لا يكون.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في المحاسبة، وإنما في الطريقة التي تتم بها، وفي تحويل الخطأ الإداري إلى مشهد علني، وتحويل المحاسبة إلى ما يشبه “المقصلة الإعلامية”.
المحاسبة حق.. والإهانة ليست حقًا
لا أحد يرفض الحزم، ولا يمكن لمؤسسة ناجحة أن تقوم على التساهل مع الإهمال أو التقصير.
لكن هناك فارقًا كبيرًا بين أن تحاسب إنسانًا على خطئه، وبين أن تهدم كرامته أمام عدسات الكاميرات.
فالعقوبة لها أطرها، والمساءلة لها أدواتها، والقانون وضع آليات واضحة للتحقيق والمحاسبة، بينما لا يمكن أن تكون الكاميرا محكمة، ولا أن يتحول الجمهور إلى هيئة ادعاء، ولا أن تصبح المشاهدة العالية مبررًا لإهدار كرامة إنسان.
إن الخطأ الإداري يمكن علاجه بالتحقيق، والجزاء، والتقييم، والتدريب، والإصلاح، لكن الإهانة العلنية تترك أثرًا نفسيًا قد يصعب علاجه.
ماذا يحدث خلف الشاشة؟
من السهل أن يشاهد البعض موظفًا يتلقى توبيخًا أمام الكاميرات ثم يغلق هاتفه أو ينتقل إلى مقطع آخر.
لكن خلف ذلك المشهد إنسان له بيت وأسرة وأبناء وزملاء وأصدقاء.
تخيل طفلًا يجلس أمام الشاشة، فيرى والده الذي طالما اعتبره رمزًا للأمان والقدوة، يتعرض للإهانة والتجريح أمام الملايين.
وتخيل زوجة ترى شريك عمرها يفقد جزءًا من احترامه أمام الناس، أو أمًا تشاهد ابنها وهو يُهان على الملأ.
وتخيل زملاء وجيرانًا وأقارب يتابعون المشهد نفسه، بينما لا يملكون سوى الصمت.
هنا تتحول واقعة إدارية، مهما كان حجم الخطأ فيها، إلى أزمة إنسانية تمتد آثارها إلى أسرة كاملة.
وهذا هو الجانب الذي قد لا تراه الكاميرا.
الإهانة لا تصنع مؤسسة ناجحة
ومن الناحية الإدارية والتنموية، فإن إدارة المؤسسات بمنطق التخويف واستعراض القوة أمام الكاميرات لا تبني بيئة عمل صحية، ولا تخلق موظفًا أكثر إبداعًا وإتقانًا.
المؤسسات القوية لا تحتاج إلى إذلال العاملين فيها كي تثبت هيبتها.
هيبة المؤسسة تأتي من سيادة القانون، ووضوح المسؤوليات، والرقابة الفعالة، والمحاسبة العادلة، وتطبيق اللوائح على الجميع.
أما تكرار مشاهد “الذبح الإعلامي”، فيمكن أن يزرع الخوف داخل بيئة العمل،
ويدفع الموظف إلى البحث عن النجاة الشخصية بدلًا من البحث عن الحلول،
وإلى تجنب المسؤولية بدلًا من تحملها، وإلى الصمت بدلًا من المبادرة.
الخوف قد يصنع موظفًا مطيعًا لبعض الوقت، لكنه لا يصنع مؤسسة ناجحة على المدى الطويل.
بين الإصلاح والفضيحة
وفي الميزان الديني والأخلاقي، يبقى هناك فارق واضح بين الإصلاح والتشهير.
فالنصيحة حين تتحول إلى إهانة أمام الناس تفقد كثيرًا من معناها الإصلاحي، والستر ليس ضعفًا، كما أن الرحمة لا تعني التساهل مع الخطأ.
يمكن أن تكون حازمًا دون أن تكون مهينًا، ويمكن أن تطبق القانون دون أن تنتقم، ويمكن أن تحاسب المقصر دون أن تحول عقابه إلى مادة للفرجة.
لقد كان جوهر التربية والإصلاح قائمًا على تقويم السلوك وتصحيح الخطأ، لا على تحطيم الإنسان.
فالغاية من المحاسبة أن يعود المخطئ إلى الطريق الصحيح، لا أن يخرج من التجربة محطمًا فاقدًا لكرامته.
جبر الخواطر ليس ضد الحزم
الحزم ضرورة في إدارة الشأن العام، لكن الحزم لا يعني القسوة.
والرحمة لا تعني ترك الأخطاء بلا حساب.
بين الاثنين مساحة واسعة اسمها العدل.
أن تقول للمخطئ: أخطأت، فهذا حق.
أن تحقق معه وتحاسبه وفق القانون، فهذا واجب.
أما أن تهينه أمام الناس وتجعله مشهدًا تتداوله المنصات، فهنا يتحول الإصلاح إلى كسر خاطر، ويتحول الخطأ إلى وصمة قد تظل تطارد الإنسان وأسرته سنوات طويلة.
إننا بحاجة إلى مسؤول يعرف أن قوته ليست في رفع صوته، ولا في إحراج من أمامه، ولا في صناعة مشهد يحقق ملايين المشاهدات.
القوة الحقيقية أن تمتلك القدرة على المحاسبة دون ظلم، والحزم دون قسوة، والقرار دون إهانة.
الكراسي زائلة.. والأثر باقٍ
في النهاية، كل المناصب مؤقتة، وكل الكراسي زائلة، وكل مشهد مهما حصد من مشاهدات سيأتي عليه وقت وينتهي.
لكن الكلمة تبقى.
والأثر الإنساني يبقى.
والإنسان الذي جبرت خاطره لن ينسى ذلك، كما أن الإنسان الذي كسرت خاطره أمام الناس قد يحمل أثر تلك اللحظة في داخله سنوات طويلة.
لذلك، حاسبوا من أخطأ، ولكن لا تهينوه.
طبّقوا القانون، ولكن لا تجعلوا الكرامة الإنسانية ثمنًا للمشهد.
كونوا حازمين، لكن اتركوا للرحمة مكانًا.
فالمؤسسات لا تُبنى بكسر الناس، والشعوب لا تحترم السلطة التي تستمد هيبتها من إذلال الضعفاء.
ارحموا من في الأرض، واجبروا الخواطر، وصونوا كرامات الناس؛ فالمناصب زائلة، والكراسي لا تدوم،
وما يبقى في سِفر التاريخ ليس صدى الصراخ أمام الكاميرات، وإنما الكلمة الطيبة والأثر الإنساني النبيل.

