الإتاحة الغائبة.. عندما تتحول الأرصفة والمباني إلى حواجز أمام الأشخاص ذوي الإعاقة" - النايل نيوز
الأربعاء, يوليو 22, 2026
الرئيسيةمقالاتالإتاحة الغائبة.. عندما تتحول الأرصفة والمباني إلى حواجز أمام الأشخاص ذوي الإعاقة”
مقالات

الإتاحة الغائبة.. عندما تتحول الأرصفة والمباني إلى حواجز أمام الأشخاص ذوي الإعاقة”

 

 

بقلم: إيمان الأمير

 

قد يخرج أحدنا من منزله متجهًا إلى عمله أو جامعته أو لقضاء احتياجاته اليومية، دون أن يفكر للحظة في الرصيف الذي يسير عليه أو في مدخل المبنى الذي سيدخله.

لكن بالنسبة لشخص من ذوي الإعاقة، فإن كل خطوة خارج المنزل قد تتحول إلى رحلة مليئة بالعقبات.

فلسفة قائمة على احترام حق الإنسان

الإتاحة ليست مجرد مصطلح هندسي، وليست منحدرا خرسانيا أمام باب مؤسسة، بل هي فلسفة قائمة على احترام حق الإنسان في التنقل والوصول إلى الخدمات والمشاركة الكاملة في المجتمع دون تمييز.

 

ورغم ما شهدته مصر خلال السنوات الأخيرة من اهتمام بملف الأشخاص ذوي الإعاقة، وإطلاق العديد من المبادرات الداعمة،

فإن الواقع لا يزال يكشف عن تحديات يومية يواجهها كثيرون عند استخدام الطرق، أو دخول المؤسسات، أو التسوق، أو حتى ممارسة أبسط الأنشطة الحياتية.

 

١.الشارع… بداية رحلة المعاناة

 

يبدأ التحدي منذ لحظة الخروج من المنزل. ففي كثير من المناطق، تتحول الأرصفة إلى عائق بدلاً من أن تكون وسيلة آمنة للحركة.

أرصفة مرتفعة، وأخرى متهالكة، وأعمدة إنارة أو لافتات تعيق المرور، وسيارات تحتل الأرصفة، ومنحدرات غير مطابقة للمواصفات أو غير موجودة من الأساس.

 

أما الأشخاص ذوو الإعاقة البصرية، فيواجهون تحديات إضافية بسبب غياب المسارات اللمسية في كثير من الأماكن،

أو وجود عوائق مفاجئة قد تعرضهم للخطر، إضافة إلى ندرة إشارات المرور الصوتية التي تساعدهم على عبور الطريق بأمان.

 

ولا تتوقف المشكلة عند الأشخاص ذوي الإعاقة فقط، فالأرصفة غير المهيأة تؤثر أيضًا على كبار السن، والنساء الحوامل،

والأسر التي تدفع عربات الأطفال، ما يؤكد أن الإتاحة تخدم المجتمع بأكمله.

 

٢.المباني والمصالح الحكومية… حق الوصول قبل تقديم الخدمة

 

قد يصل الشخص إلى المؤسسة التي يقصدها، ليكتشف أن المدخل لا يحتوي على منحدر، أو أن المصعد لا يعمل، أو أن الممرات ضيقة،

أو أن دورة المياه غير مهيأة، فيصبح الحصول على الخدمة مرتبطًا بطلب المساعدة من الآخرين، بينما الأصل أن يحصل عليها باستقلالية وكرامة.

 

إن الوصول إلى الخدمة جزء لا يتجزأ من الحق في الخدمة نفسها، فلا قيمة لخدمة لا يستطيع المواطن الوصول إليها.

 

٣.المولات… تجربة تسوق للجميع أم للبعض فقط؟

 

شهدت السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في إنشاء المراكز التجارية الحديثة، وبعضها يقدم نماذج جيدة في الإتاحة،

إلا أن هناك جوانب ما زالت تحتاج إلى تطوير في بعض الأماكن.

 

فالإتاحة الحقيقية داخل المولات لا تقتصر على وجود مصعد، وإنما تشمل مداخل مناسبة، ومنحدرات آمنة، ومواقف سيارات مخصصة،

ودورات مياه مجهزة، ولافتات واضحة، وممرات واسعة، وموظفين مدربين على تقديم المساعدة باحترام عند الحاجة،

دون التقليل من استقلالية الشخص أو التعامل معه بشفقة.

كما يجب أن تراعي المطاعم، ودور السينما، ومناطق الألعاب، والخدمات المختلفة احتياجات جميع الزائرين، حتى يشعر الجميع بأنهم جزء من المكان.

 

٤.الإتاحة الرقمية… جانب لا يقل أهمية

 

مع التحول الرقمي، أصبحت كثير من الخدمات تقدم إلكترونيًا، لكن بعض المواقع والتطبيقات ما زالت غير مهيأة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية أو السمعية، وهو ما قد يحرمهم من الاستفادة الكاملة من الخدمات.

الإتاحة اليوم لا تعني المباني فقط، بل تشمل أيضًا التكنولوجيا والمعلومات ووسائل الاتصال.

 

القانون المصري واضح… والتطبيق هو التحدي

 

أكد قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 حق الأشخاص ذوي الإعاقة في الوصول إلى المرافق والخدمات،

وألزم الجهات المختلفة بمراعاة كود الإتاحة في المباني والمنشآت ووسائل النقل، باعتبار ذلك حقًا يكفله القانون وليس تفضلاً من أحد.

لكن تطبيق القانون بصورة كاملة ومستدامة يظل هو التحدي الحقيقي، وهو ما يتطلب تعاون الجهات التنفيذية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، مع نشر ثقافة الإتاحة بين المواطنين.

 

٥.الإتاحة مسؤولية مشتركة

 

قد يظن البعض أن توفير الإتاحة مسؤولية الحكومة وحدها، لكن الحقيقة أن لكل فرد دورًا. عندما يحتل شخص رصيفًا بسيارته،

أو يضع بضاعته في مسار الحركة، أو يستخدم موقفًا مخصصًا للأشخاص ذوي الإعاقة دون وجه حق، فإنه يحرم غيره من حق أساسي.

كما أن أصحاب المنشآت الخاصة يمكنهم أن يكونوا جزءًا من الحل من خلال الالتزام بمعايير الإتاحة منذ مرحلة التصميم، بدلاً من معالجة المشكلة بعد الإنشاء.

 

٦.نحو مجتمع أكثر شمولًا

 

الإتاحة ليست تكلفة إضافية، بل استثمار في الإنسان. وهي تعكس مدى احترام المجتمع لحقوق جميع أفراده،

وتؤكد أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إذا استُبعد منها أي مواطن بسبب عائق كان من الممكن إزالته.

إن بناء مدينة صديقة للأشخاص ذوي الإعاقة لا يخدم فئة بعينها، بل يجعل الحياة أكثر سهولة وأمانًا للجميع.

 

*وفي النهاية

 يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مسؤول، وكل صاحب منشأة، وكل مواطن: هل المكان الذي أوجد فيه اليوم متاح للجميع؟ فإذا كانت الإجابة لا، فما الذي يمكن أن نفعله ليصبح كذلك؟

فالإتاحة ليست رفاهية… إنها حق، والحق لا ينتظر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *