بنت عمي .. قصة قصيرة - النايل نيوز
الأربعاء, يوليو 22, 2026
الرئيسيةثقافةبنت عمي .. قصة قصيرة
ثقافة

بنت عمي .. قصة قصيرة

 

بقلم: إبراهيم الطير

 

في أوائل السبعينيات، حمل شاب بسيط مهنته بين يديه، وعقد قلبه على فتاة من إحدى القرى الريفية.

تزوجها وأخذها إلى مدينته لتعيش بين أهله في بيت العائلة الكبير، وكانت الأيام الأولى تمضي هادئة، يظللها الحب والأمل.

وحين بشرتها الأيام بحملها الأول، فرح الزوج وأهله فرحا كبيرا.

كانوا ينتظرون مولودا يحمل اسم العائلة ويكون أول الأحفاد الذكور.

لكن المولود جاء أنثى.

لم يقل أحد شيئا صريحا، غير أن الوجوه تبدلت، والعيون تبادلت نظرات لم تخف على الأم.  ابتسمت لطفلتها الصغيرة واحتضنتها، وابتلعت غصتها في صمت.

ثم جاءت المولودة الثانية، فاشتد الهمز واللمز، وصارت تسمع كلمات تؤلم القلب:

“لا تنجب إلا البنات.”

أما حين وضعت مولودتها الثالثة، فقد شعرت وكأن البيت كله أقيم فيه مأتم.  كانت نظرات اللوم تطاردها في كل ركن، حتى ضاقت بها الدنيا بما رحبت.

صبرت كثيرا، لا ضعفا، بل حبا في زوجها وخوفا على بيتها من الانهيار.

لكن للصبر حدودا.

وفي صباح هادئ، جمعت ملابسها، وحملت صغيراتها الثلاث، وعادت إلى بيت أبيها في قريتها.

عاد زوجها من عمله فلم يجدها، فعلم أن الكلمات التي قيلت لها كانت أقسى من أن تحتمل.  غضب من إخوته وزوجاتهم، ثم أسرع إلى قريتها ليعيدها.

قال لها:

عودي معي.

فقالت وهي تحبس دموعها:

إن كنت تريدني، فأهلا بك هنا. أما تلك الدار فلن أعود إليها أبدا.

صمت طويلا، ثم اختار زوجته وبناته.

استأجر بيتا صغيرا في القرية، وبدأ حياة جديدة.

وطالب إخوته بميراثه، فوقع بينهم خلاف كبير، وانقطعت صلته ببعضهم، ولم يبق في قلبه إلا حب قديم لأخيه الأصغر.

ومرت الأيام.

ورزقه الله بعد ذلك بولد سماه أحمد.

كبر أحمد في القرية، لا يعرف من أعمامه إلا القليل، ولا يدرك أن خلف تلك القطيعة حكاية طويلة من الألم والعناد.

وحين بلغ سن الدراسة الثانوية، لم تكن في قريته مدرسة ثانوية، فاضطر إلى الذهاب كل يوم إلى مدينة والده.

وفي أحد الأيام، وبينما كان يلعب مع زملائه أثناء الفسحة، دفعه أحدهم مازحا، فسقط على فتاة كانت تقف خلفه.

وقفت الفتاة غاضبة، وصفعته صفعة قوية.

تراجع أحمد مذهولا وقال:

والله ما قصدت.

لكنها لم تجب.

رفع كل منهما عينيه إلى الآخر.

كانت نظرة قصيرة، لكنها غريبة.

شعور خفي لا يعرفان مصدره، وحنين مبهم كأن الأرواح تعرفت قبل الأسماء.

أصرت الفتاة على الذهاب إلى ناظر المدرسة، وذهب معها أحمد.

استمع الناظر إلى الطرفين، ثم طلب من أحمد أن يذكر اسمه كاملا.

قال اسمه.

فارتجفت الفتاة.

ثم طلب منها أن تذكر اسمها.

قالت اسمها.

رفع الناظر رأسه في دهشة وقال:

معقول… أنتما أولاد عم!

ساد الصمت.

ثم اغرورقت العيون بالدموع.

حكى كل منهما ما يعرفه عن خلافات العائلة، وكيف فرقت الخصومات بين الأقارب حتى صار أبناء العمومة غرباء عن بعضهم.

عاد أحمد إلى منزله، وروى لأمه ما حدث.

وما إن انتهى حتى امتلأت عيناها بالدموع.

نظرت إلى زوجها وقالت:

ما ذنب هؤلاء الأطفال في خصوماتنا؟ هيا بنا إلى أهلك.

وفي اليوم التالي، حملت بعض الهدايا، وذهبت مع زوجها إلى بيت العائلة.

كانت سنوات القطيعة أطول من أن تختصرها الكلمات، لكن الدموع كانت أبلغ من الحديث.

تعانق الإخوة، وتصافت القلوب، وسقطت جدران الخصام التي شيدها الغضب والكبرياء.

وعادت صلة الرحم بعد سنوات طويلة.

أما أحمد والفتاة، فقد بقيا يرويان الحكاية كلما اجتمعت العائلة، ويضحكان كلما تذكرا تلك الصفعة.

          تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *