الدوائر الاقتصادية (5)
الصادرات والاستيراد.. من أين تأتي العملة الأجنبية؟
الاقتصاد ليس أرقامًا… بل قرارات تصنع المستقبل
بقلم: د. محمد عوض سالم
خبير اقتصادي وكاتب
في المقالات السابقة من سلسلة «الدوائر الاقتصادية» بدأنا من السؤال الأكبر: ما هو الاقتصاد؟ وكيف تتفاعل عناصره معًا؟
ثم انتقلنا إلى التضخم، وفهمنا لماذا ترتفع الأسعار، ومن يدفع تكلفة ارتفاعها.
وبعد ذلك تحدثنا عن الفائدة، ولماذا ترتفع وتنخفض، وكيف تؤثر في الادخار والتمويل والاستثمار والاستهلاك.
ثم وصلنا إلى سعر الصرف،
وحاولنا أن نفهم كيف تتحدد قيمة العملة، ولماذا تتحرك أسعار العملات أمام بعضها البعض.
لكن عندما نفهم سعر الصرف، يظهر أمامنا سؤال أكثر عمقًا:
إذا كانت الدولة تحتاج إلى عملات أجنبية لشراء السلع والخدمات من الخارج، فمن أين تأتي هذه العملات أصلًا؟
ولماذا تستطيع بعض الدول جذب العملات الأجنبية أكثر من غيرها؟
هنا نصل إلى دائرة جديدة من دوائر الاقتصاد:
التجارة الخارجية… الصادرات والاستيراد
أولًا: ما المقصود بالصادرات؟
ببساطة، الصادرات هي السلع والخدمات التي تنتجها الدولة وتبيعها إلى الخارج.
عندما تنتج مصر منتجًا وتبيعه لدولة أخرى، فإن المشتري الأجنبي يدفع مقابل هذا المنتج بعملة أجنبية، مثل الدولار أو اليورو أو غيرهما.
وهنا لا تكون الصادرات مجرد عملية بيع وشراء.
بل تصبح أحد أهم مصادر تدفق العملة الأجنبية إلى الاقتصاد.
فكلما استطاعت الدولة أن تنتج سلعًا وخدمات يحتاج إليها العالم، وتبيعها في الأسواق الخارجية، زادت قدرتها على الحصول على العملات الأجنبية.
ومن هنا يمكن أن نفهم قاعدة اقتصادية مهمة:
الإنتاج الذي نستطيع بيعه للعالم… يمكن أن يتحول إلى عملة أجنبية.
ثانيًا: وماذا عن الاستيراد؟
على الجانب الآخر، لدينا الاستيراد.
والاستيراد هو شراء السلع والخدمات من الخارج لتلبية احتياجات الأفراد أو الشركات أو الدولة.
وقد نستورد سلعة جاهزة للاستهلاك، وقد نستورد مواد خامًا، أو آلات ومعدات، أو مكونات تدخل في الإنتاج المحلي.
وهنا يجب أن ننتبه إلى نقطة مهمة:
ليس كل استيراد سيئًا، كما أن ليس كل تصدير جيدًا بصورة تلقائية.
فالاقتصاد الحديث يقوم على التجارة بين الدول.
قد تستورد الدولة آلة تساعد مصنعًا محليًا على زيادة الإنتاج، أو مواد خامًا تتحول داخل الدولة إلى منتج يتم تصديره إلى الخارج.
في هذه الحالة، يصبح الاستيراد جزءًا من عملية إنتاجية يمكن أن تؤدي في النهاية إلى زيادة الصادرات.
إذن السؤال الحقيقي ليس:
هل نستورد أم لا؟
ولكن:
ماذا نستورد؟ ولماذا نستورد؟ وكيف نستخدم ما نستورد في زيادة الإنتاج والقيمة المضافة؟
ثالثًا: لماذا تحتاج الدولة إلى العملة الأجنبية؟
تخيل أنك تدير مصنعًا محليًا يحتاج إلى آلة يتم تصنيعها في الخارج.
المصنع يريد شراء الآلة، لكن الشركة الأجنبية لن تطلب منك أن تدفع لها بالجنيه المصري في العادة، بل ستطلب عملة تقبلها في معاملاتها الدولية.
وهنا تظهر الحاجة إلى العملات الأجنبية.
والأمر لا يتعلق بالآلات فقط.
الدولة قد تحتاج إلى عملات أجنبية لشراء:
الطاقة والوقود.
بعض السلع والمنتجات الغذائية.
المواد الخام ومستلزمات الإنتاج.
المعدات والآلات.
الأدوية والمستلزمات الطبية.
التكنولوجيا والخدمات المختلفة.
خدمات النقل والتأمين والشحن.
وغيرها من الاحتياجات المرتبطة بالتجارة الدولية.
إذن العملة الأجنبية ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما هي أداة تمكّن الاقتصاد من التعامل مع العالم الخارجي.
رابعًا: هل الصادرات هي المصدر الوحيد للعملة الأجنبية؟
هنا تبدأ الصورة في الاتساع.
الاقتصاد لا يحصل على العملات الأجنبية من الصادرات فقط.
فهناك مصادر أخرى مهمة، مثل:
السياحة
عندما يأتي السائح إلى الدولة وينفق على الإقامة والطعام والنقل والخدمات، فإنه يضخ عملة أجنبية في الاقتصاد.
تحويلات العاملين بالخارج.
عندما يعمل مواطن في دولة أخرى ويرسل جزءًا من دخله إلى أسرته في بلده، فإن هذه التحويلات تمثل تدفقًا للعملة الأجنبية.
الاستثمار الأجنبي
عندما يأتي مستثمر أجنبي ويضخ أموالًا في مشروع داخل الدولة، فإنه يضيف مصدرًا جديدًا للتمويل بالعملات الأجنبية.
إيرادات الخدمات
مثل بعض خدمات النقل والشحن واللوجستيات وغيرها من الخدمات التي تقدمها الدولة للاقتصاد العالمي.
وهكذا نجد أن العملة الأجنبية تدخل الاقتصاد من عدة دوائر متشابكة، وليس من باب واحد فقط.
خامسًا: وماذا يحدث عندما تكون احتياجاتنا من العملة الأجنبية أكبر من مواردنا؟
هنا نقترب من واحدة من أهم القضايا في الاقتصاد.
إذا كانت الدولة تنفق على الواردات والمدفوعات الخارجية أكثر مما تحصل عليه من مصادر العملة الأجنبية المختلفة،
فقد يظهر عجز في ميزان المدفوعات أو في بعض مكوناته، بحسب الفترة والبند الذي نقيسه.
وهنا تبدأ الضغوط على سوق الصرف.
لأن الطلب على العملة الأجنبية يصبح أكبر نسبيًا من المعروض منها.
وهذا يقودنا إلى ما تحدثنا عنه في الحلقة الرابعة:
عندما يزداد الطلب على العملة الأجنبية مقارنة بالمعروض منها، يمكن أن تتعرض العملة المحلية لضغوط تؤدي إلى انخفاض قيمتها أمام العملات الأجنبية.
وهنا نكتشف أن سعر الصرف لم يكن دائرة منفصلة عن الصادرات والاستيراد.
بل إنهما مرتبطان ببعضهما البعض.
سادسًا: كيف يؤثر الاستيراد في الأسعار؟
لنأخذ مثالًا بسيطًا.
مصنع محلي يستورد جزءًا من المواد التي يحتاج إليها للإنتاج.
إذا ارتفعت تكلفة الحصول على العملة الأجنبية، أو انخفضت قيمة العملة المحلية، فقد ترتفع تكلفة شراء هذه المدخلات.
وإذا ارتفعت تكلفة الإنتاج، فقد يضطر المنتج إلى رفع سعر المنتج النهائي.
وهكذا يمكن أن تنتقل حركة سعر الصرف إلى:
العملة → تكلفة الاستيراد → تكلفة الإنتاج → سعر المنتج → أسعار المستهلك.
وهذا ما يُعرف اقتصاديًا بانتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار، أو Exchange Rate Pass-Through.
لكن قوة هذا الأثر تختلف من سلعة إلى أخرى ومن اقتصاد إلى آخر.
سابعًا: هل زيادة الصادرات تعني دائمًا اقتصادًا قويًا؟
ليس بالضرورة.
وهذه نقطة مهمة جدًا.
قد ترتفع الصادرات، لكن إذا كانت الدولة تستورد نسبة كبيرة من مكونات المنتجات التي تصدرها، فإن جزءًا من حصيلة التصدير يذهب مرة أخرى إلى الخارج لشراء مستلزمات الإنتاج.
لذلك لا ننظر فقط إلى قيمة الصادرات، وإنما نهتم أيضًا بما يسمى القيمة المضافة المحلية.
فكلما زادت نسبة ما يتم إنتاجه محليًا داخل السلعة المصدرة، زادت استفادة الاقتصاد منها.
وهنا يظهر الفرق بين أن نكون مجرد مصدر لمنتج، وبين أن نكون قادرين على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والمدخلات والقيمة المضافة داخل الاقتصاد.
ولهذا فإن قوة الصادرات لا تقاس فقط بعدد الدول التي نبيع لها، وإنما أيضًا بقدرتنا على:
الإنتاج بكفاءة، والجودة، والمنافسة، وزيادة القيمة المضافة، وتنويع الأسواق والمنتجات.
ثامنًا: لماذا تستطيع دولة جذب عملات أجنبية أكثر من دولة أخرى؟
لأن العالم لا يشتري من الجميع بنفس القدر.
الدولة التي تمتلك منتجات تنافسية، وخدمات مطلوبة، وقطاعًا سياحيًا قويًا، وقدرة على جذب الاستثمارات،
أيضًا بنية أساسية جيدة، وبيئة أعمال مستقرة، يمكنها أن تجذب تدفقات أكبر من العملات الأجنبية.
ومن هنا نفهم أن العملة الأجنبية لا تُخلق بقرار إداري فقط.
بل تحتاج إلى اقتصاد ينتج ويصدر ويقدم خدمات ويجذب الاستثمار والسياحة ويستطيع المنافسة عالميًا.
بعبارة أخرى:
قوة العملة المحلية تبدأ من قوة الاقتصاد الذي يقف خلفها.
تاسعًا: ميزان المدفوعات…
دفتر حسابات الدولة مع العالم
عندما نتحدث عن التجارة الخارجية، سنجد أنفسنا أمام مفهوم مهم يسمى ميزان المدفوعات.
وهو بصورة مبسطة سجل للمعاملات الاقتصادية بين الدولة وبقية العالم خلال فترة زمنية محددة.
فهو لا ينظر فقط إلى الصادرات والواردات من السلع، وإنما يشمل أيضًا معاملات أخرى مثل الخدمات، والدخل، والتحويلات، والتدفقات المالية والاستثمارية، وفق مكونات الحسابات الخارجية.
ولهذا فإن فهم ميزان المدفوعات يساعدنا على الإجابة عن سؤال مهم:
كيف تدخل العملات الأجنبية إلى الاقتصاد؟ وكيف تخرج منه؟
وعندما نفهم حركة الدخول والخروج، نستطيع أن نفهم بصورة أفضل الضغوط التي قد يتعرض لها سعر الصرف.
الدائرة أصبحت أوضح الآن.
إذا جمعنا المقالات السابقة مع المقال الحالي، سنجد أن الاقتصاد يشبه شبكة مترابطة:
التجارة الخارجية تؤثر في تدفقات العملة الأجنبية.
تدفقات العملة الأجنبية تؤثر في العرض والطلب على العملات.
العرض والطلب يؤثران في سعر الصرف.
سعر الصرف يؤثر في تكلفة الواردات.
تكلفة الواردات قد تؤثر في تكلفة الإنتاج والأسعار.
الأسعار تؤثر في التضخم.
التضخم يدخل في قرارات السياسة النقدية.
الفائدة تؤثر في الادخار والتمويل والاستثمار والاستهلاك.
ثم تعود هذه القرارات كلها لتؤثر في النشاط الاقتصادي والإنتاج والتجارة.
وهنا تظهر فلسفة سلسلة «الدوائر الاقتصادية»:
لا يوجد رقم اقتصادي يعيش بمفرده.
كل رقم وراءه قرار، وكل قرار وراءه تأثير، وكل تأثير قد ينتقل إلى دائرة أخرى.
والسؤال الذي يقودنا إلى المقال السادس…
إذا كانت الصادرات مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية، وإذا كان الاقتصاد القوي يحتاج إلى إنتاج قادر على المنافسة في الأسواق العالمية…
فإن السؤال التالي يصبح أكثر أهمية:
ماذا نحتاج لكي ننتج أكثر؟
وهل يكفي أن نمتلك الموارد، أم نحتاج إلى استثمار وتمويل وإنتاجية وتكنولوجيا وقوة عمل ماهرة؟
وهنا نفتح في الحلقة القادمة دائرة جديدة من دوائر الاقتصاد:
الاستثمار… كيف تتحول الأموال إلى إنتاج وفرص عمل ونمو اقتصادي؟
لأن الاقتصاد في النهاية لا يقاس فقط بما نملك من أموال…
بل بما نستطيع أن نحول به هذه الأموال إلى إنتاج وقيمة وفرص ومستقبل.
الاقتصاد ليس أرقامًا… بل قرارات تصنع المستقبل.


