الحرب تكشف المستور من يدير الصراع ومن يدفع الثمن
بقلم رامي السيد
نائب رئيس شبكة النايل الإخبارية
في خضم الصراعات المتسارعة التي يشهدها العالم لم تعد الحروب مجرد مواجهات عسكرية تقليدية بل أصبحت أدوات معقدة لإعادة تشكيل النفوذ ورسم خرائط جديدة للمصالح ومع كل تصعيد تتكشف طبقات خفية من المشهد تطرح سؤالا جوهريا من يدير هذا الصراع حقا ومن يدفع الثمن
ما نشهده اليوم في المنطقة خاصة في ظل التوترات المرتبطة بالصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي لا يمكن قراءته بسطحية أو اختزاله في عناوين عريضة فالحرب في جوهرها ليست فقط ما يرى على الأرض بل ما يدار خلف الكواليس حيث تحاك الاستراتيجيات وتنسج التحالفات وتحدد الأدوار بدقة
هناك قوى كبرى تدير المشهد من بعيد تحرك الخيوط وفق حسابات معقدة لا تتعلق فقط بالصراع المباشر بل تمتد إلى مصالح اقتصادية ومواقع جيوسياسية ونفوذ طويل الأمد هذه القوى لا تدفع الثمن الحقيقي للحرب بل غالبا ما تجني مكاسبها على حساب استنزاف الآخرين
أما الثمن الحقيقي فيدفعه دائما الشعوب يدفعه المواطن البسيط الذي يجد نفسه فجأة في قلب معادلة لا ناقة له فيها ولا جمل يدفعه بالأمن الذي يفقد وبالاقتصاد الذي ينهار وبالمستقبل الذي يصبح رهينة لقرارات لا يشارك في صنعها
لقد كشفت هذه الحروب أيضا عن حقيقة مؤلمة وهي أن بعض الأطراف الإقليمية قد تتحول عن قصد أو دون قصد إلى أدوات في صراعات أكبر منها فتستنزف قدراتها وتستغل مواردها بينما تظل مراكز القرار الحقيقية بعيدة عن دائرة الخطر
وفي خضم هذا المشهد المعقد تبرز أهمية الوعي السياسي ليس فقط على مستوى القيادات بل أيضا على مستوى الشعوب التي يجب أن تدرك أن ما يعرض عليها من روايات قد لا يكون سوى جزء من الحقيقة وأن الصورة الكاملة غالبا ما تكون أكثر تعقيدا
وهنا تبرز أهمية دور الدول التي تمتلك رؤية متوازنة وتسعى إلى تجنب الانجرار وراء صراعات مفتوحة وتحاول الحفاظ على استقرارها الداخلي وحماية أمنها القومي في مواجهة عالم يموج بالتحديات وفي هذا السياق تظل مصر نموذجا للدولة التي تدرك أبعاد المشهد وتتعامل معه بعقلانية واضعة مصلحة شعبها وأمنها القومي فوق كل اعتبار
إن الحرب مهما تغيرت أشكالها تظل كاشفة تكشف من يسعى للسلام ومن يقتات على الصراع تكشف من يملك القرار ومن يُستخدم كأداة تكشف الحقائق التي قد تخفى في أوقات السلم لكنها تظهر بوضوح في أوقات الأزمات
ويبقى السؤال مفتوحا هل تتعلم المنطقة من دروس الماضي أم تستمر في دفع الفاتورة ذاتها مرة تلو الأخرى
الإجابة ليست سهلة لكنها تبدأ من إدراك الحقيقة
أن من يدير الصراع قد لا يكون من يظهر في الواجهة
وأن من يدفع الثمن هو دائما من لا يملك القرار

