أسرتك أحق بثمن السيجارة.. فاتورة التدخين لا يدفعها المدخن وحده
بقلم: علي الزهري
أربعمائة ريال فقط.
قد يبدو المبلغ بسيطًا عندما يمد المدخن يده لشراء علبة سجائر، وقد يرتفع، بحسب النوع، إلى ألف وخمسمائة ريال. في الحالتين تُشترى العلبة، تُدخن، وتنتهي الحكاية في يومها.
لكن الحقيقة أن فاتورة التدخين لا تنتهي بانتهاء السيجارة.
علبة سجائر يوميًا.. كم تصبح في السنة؟
إذا أنفق المدخن 400 ريال يوميًا على علبة سجائر، فإنه ينفق نحو 146 ألف ريال سنويًا.
أما إذا بلغ سعر العلبة 1500 ريال، فإن الإنفاق السنوي يتجاوز 547 ألف ريال.
وخلال عشر سنوات، يمكن أن يتراوح إجمالي الإنفاق بين مليون و460 ألف ريال وأكثر من 5 ملايين و475 ألف ريال.
هنا لم تعد المسألة مجرد أربعمائة ريال.
إنها أموال تتراكم يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام.
في اليمن.. كل ريال له حساب
في الواقع اليمني، تبدو هذه الأرقام أكثر أهمية، في ظل سنوات الحرب والحصار وما رافقها من تراجع اقتصادي، وتضرر قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي، وتراجع مصادر الدخل وفرص العمل، فضلًا عن الصعوبات التي واجهتها أسر كثيرة في توفير احتياجاتها الأساسية.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
كم حاجة في البيت كانت أحق بهذا المال؟
ربما كان يمكن أن يذهب إلى غذاء أفضل، أو دواء، أو تعليم طفل، أو ملابس، أو سداد التزام متراكم، أو حتى ادخار مبلغ لمواجهة ظرف طارئ.
ولا يتعلق الأمر بمحاسبة المدخن على أمواله أو تحديد كيفية إنفاقها، وإنما بالنظر إلى التكلفة الكاملة للتدخين، خاصة عندما تكون ميزانية الأسرة محدودة والاحتياجات كثيرة.
المال ليس الفاتورة الوحيدة
لكن تكلفة التدخين لا تتعلق بالمال وحده.
فالمدخن الذي يشعل سيجارته داخل منزله، وبجوار زوجته وأطفاله، لا يتخذ قرارًا يتعلق بصحته وحدها.
والشاب الذي يدخن داخل منزل يعيش فيه مع أمه وإخوته لا يستطيع أن يحتفظ بالدخان لنفسه.
هناك آخرون يدفعون الثمن، رغم أنهم لم يشتروا السيجارة، ولم يشعلوها، ولم يختاروا استنشاق دخانها.
إنهم أفراد الأسرة.
أطفال يدفعون ثمن دخان لم يختاروه
ووفق نتائج المسح العالمي للتبغ بين الشباب، الذي أُجري في اليمن عام 2014، أفاد 40.5% من الطلاب الذين تراوحت أعمارهم بين 13 و15 عامًا بتعرضهم لدخان التبغ داخل المنزل.
وهو رقم يستحق التوقف أمامه؛ لأن المنزل الذي يفترض أن يكون مساحة آمنة للأطفال قد يتحول إلى مكان يتعرضون فيه لدخان لم يختاروه.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التعرض لدخان التبغ غير المباشر لا يخلو من المخاطر الصحية، ويرتبط بأمراض خطيرة تؤثر في القلب والجهاز التنفسي، فضلًا عن سرطان الرئة.
«هذه صحتي.. وهذا مالي».. هل تكفي؟
قد يقول المدخن:
هذه صحتي، وهذا مالي، وهذا قراري.
لكن السؤال الأهم هو:
ماذا عن الطفل الجالس إلى جواره؟
ماذا عن زوجته؟
ماذا عن أمه وإخوته؟
هل اختار هؤلاء التدخين؟
هنا تتحول القضية من مجرد خيار فردي إلى مسؤولية تجاه الآخرين.
فالمسؤولية تجاه الأسرة لا تتوقف عند توفير الطعام والمسكن والدواء، وإنما تشمل أيضًا الحرص على ألا يدفع أفراد الأسرة ثمن خيارات لم يشاركوا في اتخاذها.
الأسرة قد تدفع فاتورة التدخين مرتين
قد تدفع الأسرة ثمن التدخين مرتين:
مرة من دخلها، ومرة من صحتها.
فالمال الذي يُنفق يوميًا على السجائر يتراكم مع مرور الوقت، بينما يمكن أن تنتقل آثار الدخان إلى أفراد الأسرة الموجودين في المكان نفسه.
ولهذا فإن التفكير في الإقلاع عن التدخين لا يمثل حماية للمدخن وحده، بل يمكن أن يكون حماية لمن يعيشون معه أيضًا.
الإقلاع قد يكون صعبًا.. لكن البداية ممكنة
لا شك أن الإقلاع عن التدخين قد لا يكون قرارًا سهلًا بالنسبة إلى شخص ارتبط بهذه العادة لسنوات طويلة.
لكن إدراك حجم الفاتورة قد يكون بداية مختلفة للتفكير.
وإذا لم يكن الإقلاع الفوري ممكنًا، فإن منع التدخين داخل المنزل وحماية أفراد الأسرة من التعرض للدخان خطوة مهمة، بالتوازي مع السعي الجاد للحصول على الدعم المناسب للإقلاع.
فالمسألة في النهاية ليست سيجارة تنتهي بعد دقائق.
إنها مال يتراكم إنفاقه، ودخان يصل إلى الآخرين، وآثار صحية قد تمتد لسنوات.
من سيدفع ثمن السيجارة معك؟
في المرة المقبلة التي تمد فيها يدك إلى 400 ريال لشراء علبة سجائر، ربما يستحق الأمر أن تتوقف للحظة وتسأل نفسك:
ليس كم ثمن هذه العلبة؟
بل:
من سيدفع ثمنها معي؟
أسرتك أحق بثمن السيجارة، ومن تحب أحق بهواء نقي لا يحمل دخانها.
«قرارك يحميك».. ويحمي من تحب.
بقلم: علي الزهري
#قرارك_يحميك
#الحملة_الوطنية_الثانية_عشرة_للتوعية_بمخاطر_التدخين

