محمود السنكري يكتب:الصَّمْتُ عَقِيدَةٌ لَا اخْتِيَار
ليس الصمت دائمًا عجزًا عن الكلام ولا فراغًا تتوارى فيه الحروف بل قد يكون موقفًا يعلو على الضجيج وحكمةً تتجاوز حدود العبارة فهناك من يكثرون الحديث فلا يضيفون معنى وهناك من يصمتون فتشهد لهم المواقف وتروي عنهم الأيام ما عجزت الكلمات عن قوله.
إن الصمت في أسمى معانيه ليس انسحابًا من الحياة بل أسلوبٌ أعمق لفهمها فهو المساحة الهادئة التي يراجع فيها الإنسان ذاته ويعيد ترتيب أفكاره ويتأمل ما حوله بعيدًا عن صخب الآراء وضجيج الادعاءات وحين يزدحم الواقع بالأصوات المتنافسة وتقل البصيرة يصبح الصمت ملاذًا للعقل وحفظًا للكرامة ونافذةً يرى منها المرء الحقيقة دون تشويه.
وتنبع هيبة الصمت من أنه لا يطلب اعترافًا من أحد ولا يسعى إلى تصفيق أو إعجاب، إنه قوة هادئة تشبه الجبل الراسخ لا يحتاج إلى إعلان صلابته لأن وجوده وحده يكفي شاهدًا على ثباته ولهذا كان الصمت في كثير من الأحيان أبلغ من الكلام وأقدر على التعبير من العبارات المطولة.
وقد يظن البعض أن الصمت مجرد خيار يتخذه الإنسان متى شاء غير أن التجارب العميقة تكشف حقيقةً أخرى، فبعد خيبات متكررة وسوء فهم للنوايا واستنزاف للكلمات في غير مواضعها يتحول الصمت من اختيارٍ مؤقت إلى قناعةٍ راسخة، عندها لا يصمت الإنسان لأنه لا يملك ما يقول بل لأنه أدرك أن ليس كل ما يُعرف يُقال وأن ليس كل ما يُقال يجد من يفهمه أو يقدّر قيمته.
إن الحكمة لا تُقاس بعدد الكلمات بل بما تحمله من قيمة ومعنى وكثيرًا ما تكون الكلمة التي لم تُقَل أبلغ من ألف كلمة قيلت فالصامت الحكيم لا يحجب الحقيقة وإنما يصونها من العبث ويحفظها من أن تقع في مواضع لا تليق بها أو بين أيدٍ لا تدرك معناها.
وفي زمنٍ أصبحت فيه السرعة معيارًا والضجيج وسيلةً للظهور يصير الصمت فعلًا من أفعال المقاومة الفكرية فهو إعلان غير مباشر بأن الإنسان لا يقبل أن يكون جزءًا من جوقة تردد ما لا تؤمن به ولا أن يستهلك عمره في جدالاتٍ عقيمة لا تنتج معرفةً ولا تنبت وعيًا.
والصمت كذلك لغة النضج.. فكلما اتسعت دائرة الإدراك أدرك الإنسان أن الحقيقة أوسع من أن تُختصر في رأي واحد وأن البشر يختلفون في زوايا النظر والتجربة والفهم ، ومن هنا يتعلم المرء أن يمنح نفسه حق الصمت كما يمنح الآخرين حق الاختلاف وأن يستبدل الجدل العقيم بالإنصات الواعي والتأمل العميق.
وحين يصبح الصمت عقيدةً لا اختيارًا فإنه لا يكون هروبًا من المواجهة بل ارتقاءً فوق ما لا يستحقها حيث أنه يقين العاقل بأن الزمن كفيل بكشف الحقائق وأن الأفعال أصدق من الأقوال وأبقى أثرًا في النفوس والوجدان.
وهكذا يبقى الصمت أحد أكثر المواقف بلاغةً وعمقًا؛ فمن أتقن الصمت أتقن الإصغاء ومن أتقن الإصغاء اقترب من الحكمة، وما الحكمة في نهاية المطاف إلا أن يعرف الإنسان متى يتكلم والأهم من ذلك متى يصمت


