نحن بشر.. نحن أبناء الخطيئة
بقلم: المستشار محمود السنكري
في أعماق النفس البشرية تختبئ حقيقة لا يمكن إنكارها، حقيقة قد تبدو قاسية حين نواجهها بصدق لكنها في جوهرها إنسانية خالصة: كلنا خطّاؤون ،
لسنا ملائكة تمشي على الأرض ولا كائنات كاملة خُلقت بلا عيوب فنحن بشر خُلقنا بضعفنا قبل قوتنا وبنقصنا قبل كمالنا وبقدرتنا على السقوط قبل قدرتنا على النهوض.
منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها الإنسان رحلته على هذه الأرض كان الخطأ رفيق دربه ليس لأنه فاسد بطبيعته بل لأنه كائن يتعلم ويجرب ويبحث ، فالخطأ ليس دائماً علامة سقوط أخلاقي بل كثيراً ما يكون علامة إنسانية ودليلا على أننا نحيا ونفكر ونجتهد.
إن الإنسان الذي لا يخطئ هو إنسان لا يفعل شيئاً ولا يحاول شيئاً ولا يخوض معركة الحياة.
لقد تعوّد بعض الناس أن يرفعوا أنفسهم فوق البشر يرتدون ثوب الكمال الزائف ويقفون في مقام القاضي على أخطاء الآخرين ،
لكن الحقيقة البسيطة التي يتغافل عنها هؤلاء هي أن الإنسان مرآة للإنسان وما نراه في غيرنا كثيراً ما يكون ظلا لما يسكن في داخلنا فمن ذا الذي لم يزلّ لسانه يوماً؟ ومن ذا الذي لم تخدعه نفسه مرة؟ ومن ذا الذي لم يقف نادماً أمام خطأ ارتكبه في لحظة ضعف؟
إن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة بل هو قمة الشجاعة الأخلاقية.. فالإنسان الحقيقي ليس ذلك الذي لا يخطئ وإنما الذي يدرك خطأه ويملك شجاعة مراجعته ويستطيع أن يبدأ من جديد ، إن النضج الإنساني لا يقاس بعدد المرات التي لم نسقط فيها بل بعدد المرات التي استطعنا فيها أن ننهض بعد السقوط.
ولعل أكثر ما يؤلم في عالمنا اليوم هو تلك القسوة التي يتعامل بها بعض الناس مع أخطاء غيرهم فالمجتمعات التي تنسى إنسانيتها تتحول سريعاً إلى محاكم دائمة لا تبحث عن الإصلاح بقدر ما تبحث عن الإدانة وكأن الخطأ جريمة لا تُغتفر لا تجربة يمكن التعلم منها ، بينما الحقيقة أن الإنسان يولد ناقصاً ليكتمل بالتجربة ويتعثر ليتعلم السير بثبات.
إن الخطأ في ذاته ليس الخطر الحقيقي بل الخطر كل الخطر أن يتحول الخطأ إلى منهج أو أن يفقد الإنسان قدرته على التوبة والمراجعة ، فالضمير الحي هو ذلك الصوت الداخلي الذي يوقظنا حين نضل الطريق ويعيدنا إلى إنسانيتنا حين تكاد تضيع.
ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان في هذه الحياة هو أن يتعامل مع الآخرين برحمة الفهم لا بقسوة الحكم وأن يدرك أن وراء كل خطأ قصة ووراء كل زلة ضعفاً إنسانياً ووراء كل إنسان معركة خفية لا يعرفها أحد.
نعم… كلنا خطّاؤون…
لكننا أيضاً قادرون على التوبة وعلى الإصلاح وعلى أن نصنع من أخطائنا جسوراً نحو الحكمة فليس العيب أن نخطئ وإنما العيب أن نظن أنفسنا معصومين.
وفي النهاية تبقى الحقيقة الكبرى:
نحن أبناء التجربة وأبناء التعلم وأبناء الرحلة الطويلة نحو الكمال الذي لن نبلغه أبداً… لأننا ببساطة بشر.

