هجرة المسلمين إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية
بقلم : أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي
حين خمد دخان الحرب العالمية الثانية، وهدأت المدافع التي كانت تقصف السماء كأنها تريد اقتلاع النجوم، خرجت بريطانيا من أهوالها مثل سفينة نجاها الموج لكنها فقدت شراعها. شوارع لندن كانت تمشي على أطراف الدخان، وجدران المصانع في برمنغهام ومانشستر تستند إلى بعضها كمرضى أعيتهم الحمى. كانت البلاد بحاجة إلى نبض جديد إلى أيد ترفع ما سقط، وقلوب تؤمن بأن تحت الرماد حياة.
وفي تلك اللحظة، كان الشرق يستيقظ من وقع الكارثة ذاتها: قرى أُفقرت، مدن ضاقت، أحلام تبحث عن سماء أخرى. فبدأت العيون تلتفت نحو الغرب، نحو تلك الجزيرة البعيدة التي قيل إن العمل فيها وفير، وإن الأمل فيها أكبر من الخبز. هكذا تحرك تيار بشري هادئ، لكنه كان عميقا كعزم الصحراء، يحمل معه جماعات من المسلمين، جاءوا لا ليغزوا أرضا، بل ليبنوا مستقبلا وليتركوا في بريطانيا نبرة لم تعهدها من قبل.
تدفقت السفن من موانئ كراتشي، ومرافئ شيتاغونغ، ومخارج عدن والمكلا، تحمل رجالا سمرت بشرتهم الشمس، وأرهقت أكتافهم سنوات العناء. كانوا ينزلون إلى أرصفة لندن وليفربول وبرادفورد، فينظر إليهم البريطاني لأول مرة بنظرة دهشة، من هؤلاء القادمون من وراء الرمل والريح؟
كانوا عمالا، لكنهم حملوا معهم ما هو أسمى من المهنة.
حملوا صبرا طويلا، وقلوبا عامرة بدفء لم تعرفه أوروبا منذ وقت طويل. وحين أمسكوا بالمطارق في مصانع الصلب، وبالمناشير في مناشر الأخشاب، وبالقوالب في معامل النسيج، شعر الحديد والقطن والخشب بأن بين أيدي هؤلاء الرجال بركة خفية.
هؤلاء هم الباكستانيون والبنغلاديشيون واليمنيون والصوماليون. رجال جاءوا على أمل أن يجدوا في بريطانيا لقمة كريمة، فوجدوا أنفسهم يكتبون فصلا جديدا في تاريخ البلاد. لم تكن شوارع بريطانيا قد تعودت بعد على سماع الكلمات الممطرة بنبرة الجنوب الآسيوي، ولا على رؤية العمامة واللحية والزيت العطري. كانت الأعراف صلبة، والبيوت مغلقة، لكن المهاجرين المسلمين نشروا حولهم شيئا من روح الضيافة الشرقية.
في برادفورد، تعلم البريطانيون لأول مرة معنى شاي الكرك الساخن، وفي لندن شموا رائحة الكاري القادم من بيوت سيلهت البنغلاديشية، وفي كارديف تمايلت الأحياء على وقع الأغاني اليمنية القديمة. وهكذا، قبل أن يبني المسلمون مساجدهم، بنوا شيئا أهم بناء الجسر الأول بين روحين مختلفتين. كانت بداية الهجرة رجالية بحتة، غرف مزدحمة ينام فيها العمال على أسرة حديدية، ومطابخ بسيطة يطبخون فيها العدس والأرز بعد يوم طويل. لكن في منتصف الخمسينيات بدأت السفن تحمل شيئا آخر النساء والأطفال.
حين وصلت المرأة المسلمة إلى بريطانيا، تغير وجه الهجرة كله، صار للمدينة رائحة خبز منازل الشرق، وصار للغرفة الضيقة قلب ينبض بالحنان، وصار للشارع أطفال يركضون بلغتين، ويتعلمون ثقافتين. وفي تلك اللحظة تحولت الهجرة إلى استقرار، وتحولت الغربة إلى بيت. لم تكن المساجد الرسمية قد انتشرت بعد، لكن الروح سبقت الحجر.
كان المسلمون يجتمعون في غرف ضيقة فوق محلات البقالة،
وأقبية ذات سقوف منخفضة، وبيوت متواضعة اشترتها الجالية بعدما جمعت القروش القليلة. وفي كل ليلة جمعة، كانت هذه البيوت تهتز بصوت القرآن، كأن لندن كلها تستمع سرا إلى هذا الهمس القادم من القرن الأول الهجري. ومع الأيام، نمت هذه المصليات الصغيرة، وتحولت إلى مؤسسات ضخمة مسجد ريجنت بارك ببنائه الأنيق، ومسجد شرق لندن بمئذنته الشامخة، وعشرات المساجد في برادفورد وليستر ومانشستر. كانت هذه المساجد أشبه بقلوب تنبض، يلتقي عندها المسلمون في صلواتهم، وفي أفراحهم، وفي أحزانهم، وفي أعيادهم التي بدأت تضفي على المدن البريطانية ألوانا لم تعرفها من قبل.
لم تكن الرحلة مزيجا من الورود، فقد واجه المسلمون نظرات الريبة من مجتمع لم يعتد لون البشرة الغامق ولا الحجاب الشرقي. عنصرية صريحة من جماعات متطرفة كانت ترى في المهاجرين خطرا على بريطانيا البيضاء، تعبا اقتصاديا في أعمال متعبة لا تخلو من المخاطر، صراعا داخليا بين الحفاظ على الجذور والتكيف مع الواقع. لكنهم واجهوا كل ذلك بابتسامة وصبر، وبإيمان أن الطريق الطويل يصنع في النهاية تاريخا جديدا.
مع بداية السبعينيات، ظهر جيل جديد، جيل لم يعرف شوارع لاهور وكراتشي ودكا وعدن، لكنه عرف مدارس بريطانيا، ولغتها، وثقافتها، ومساجد الحي التي تعلم فيها القرآن. هؤلاء الشباب حملوا عالمين في قلب واحد، شرقا يسكن الروح، وغربا يسكن الواقع. وأصبحوا أول من صاغ ملامح ما نسميه اليوم، الإسلام البريطاني. هوية لا تنكر جذورها، ولا تخاصم وطنها الجديد.
لقد جاءت الهجرة الإسلامية إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية كأنها نهر خافت، لا يسمع الناس جريانه، لكنه يشق الأرض ويغير ملامحها. ومع الزمن، كبر هذا النهر، وامتدت مجاريه في كل مدينة وشارع، حتى صار جزءا أصيلا من نسيج البلاد. لم تأت الهجرة الإسلامية لتضع يدها على الأرض، بل لتضع قلبا جديدا في جسد متعب، ولم تأت لتنافس بريطانيا، بل لتشاركها بناء المستقبل. وهكذا أصبحت قصة هؤلاء المهاجرين من أكثر القصص إنسانية وجمالا في تاريخ أوروبا المعاصر.
المراجع:
1. الوجود الإسلامي في أوروبا – د. محمد عمارة
2. المسلمون في أوروبا والغرب – د. فهمي هويدي

