بقلم عبدالمجيد عبوبي
لم يعد العالم يمنحنا وقتاً لنفهم ما يحدث حولنا. نستيقظ على حرب، وننام على غلاء، ونقضي النهار بين شاشةٍ لا تهدأ وقلقٍ لا ينام. صرنا نعرف كل شيء عن البشر، إلا أنفسنا.
يقول المفكر إريك فروم في كتابه «أن أتملك أم أن أكون؟»: إن الإنسان إما أن يعيش باحثاً عن المعنى، أو أسيراً لما يملك. واليوم أضفنا خياراً ثالثاً أخطر: أن نعيش أسيرين لما نراه.
الأخبار السائلة
الأخبار السائلة ليست معلومة؛ إنها موجة.
تأتي سريعة، تضرب الخوف، تذهب قبل أن نفهم، ثم تأتي أخرى. لا نقرأ العالم، بل نبتلعه. والعقل، الذي خُلق لينتبه للخطر، يتحول إلى جرس إنذار لا يتوقف: كل عنوان صادم، وكل مقطع عنيف، وكل تنبيه، يهمس له: «احترس… العالم ينهار».
لكن العالم لا ينهار في كل دقيقة؛ ما ينهار هو قدرتنا على الصبر.
الحداثة السائلة
قال عالم الاجتماع زيجمونت باومان إننا نعيش في «حداثة سائلة»: علاقاتٌ تتغير، وهوياتٌ تتبدل، وقيمٌ تفقد ثقلها.
والأخبار السائلة هي الوجه الإعلامي لهذه السيولة: لا جذور، ولا سياق، ولا نهاية. نعيش في تدفقٍ دائم، ثم نسميه «الوعي».
الحقيقة أن الوعي ليس معرفة كل شيء، بل القدرة على أن نقول: «هذا يخصني، وهذا لا يخصني… الآن».
الذاكرة… خط الدفاع
ما يحمينا من الضجيج ليس الهروب، بل الذاكرة.
الذاكرة الذاتية تقول لنا: لقد عبرنا أزماتٍ من قبل.
والذاكرة الجماعية تقول: نحن لسنا جزيرة.
والذاكرة النقدية تقول: تحقق قبل أن تصدق، وقارن قبل أن تخف، واسأل قبل أن تنشر.
في زمن التزييف والنسيان، تصبح الذاكرة عملاً بطولياً: أن تتذكر، أن توثق، أن تسأل، أن ترفض أن تُسرق حقيقتك.
أين الأمان؟
الأمان ليس في إغلاق الهاتف، ولا في إنكار الأزمة.
الأمان أن نجد:
مجتمعاً عضوياً يحمينا بالتضامن، لا بالتعليقات.
ديناً حياً يمنحنا معنى وصبراً وكرماً، لا خوفاً وعداءً.
بيئة إنسانية فيها شارع آمن، وحديقة قريبة، ومدرسة لائقة، وبيت هادئ.
فالإنسان لا ينهار لأن الأخبار قاسية فقط؛ بل ينهار حين يفقد من يسمعه، ومعنى يحمله، ومكاناً يطمئن فيه.
كيف يهدأ الإنسان؟
لا يهدأ الإنسان بمعرفة كل الأخبار، ولا بالهروب منها. بل يهدأ حين يستعيد ثلاثة أشياء:
وعياً: أن يميز بين ما يعلمه وما يخيفه.
ارتباطاً: أن يجد أسرة أو صديقاً أو جماعة تسمعه.
فعلاً: أن يفعل شيئاً صغيراً داخل دائرة نفوذه، بدل أن يغرق في ما لا يملك تغييره.
ربما يكون أول خطوة نحو الهدوء أن نتوقف عن سؤال: «متى سينتهي اضطراب العالم؟»، ونبدأ بسؤال أكثر جدية: «ماذا يمكنني أن أفعل اليوم، قبل أن يسرقني الخوف؟»
الخلاصة
العالم سيظل يركض. الحروب، والغلاء، والاحتجاجات، والشاشات، لن تنتظر أحداً.
لكن الإنسان يملك سلاحاً لا يعرفه التدفق السريع: أن يتوقف قليلاً، أن يتذكر، أن يتحقق، أن يرتبط، ثم أن يفعل شيئاً صغيراً من أجل نفسه ومن حوله.
ربما يكون الإنقاذ الحقيقي ليس أن ننقذ العالم، بل أن نمنع العالم من أن يسرقنا.

