لَيْلَةُ زِفَافِ السُّطُورِ
بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
كتبتُ هذا الكتاب بشيءٍ من عمري ووحدتي، وأخفيتُ أوراقًا في أدراج مكتبي، كأنني خشيت أن تقع أحلامي في أيدي الذين لا يرون في الأحلام إلا ترفًا لا يليق بأصحاب المسؤوليات.
كنت أكتب حين ينام الآخرون، وأقتطع من نومي لأمنح الفكرة وقتًا إضافيًّا، وأعود إلى الجملة الواحدة مراتٍ لا تحصى. لم تكن الكتابة عندي هوايةً أقتل بها الفراغ؛ فقد كان عليَّ أن أعمل، وأن أواجه آخر الشهر بما لا تعترف به الكلمات الجميلة من فواتير والتزامات.
ولم تكن الحرب مع ضيق الوقت وحده؛ كانت هناك حرب أشد خفاءً، تدور داخل البيت نفسه.
كم مرة حاولت أن أشرح أن الكتابة ليست نزوة عابرة، وأن الإنسان قد يحتاج إلى رسالة يعيش لها، كما يحتاج إلى خبز يعيش به؟
وكم مرة سمعت السؤال نفسه، بأصوات مختلفة:
ــ وماذا ستجني من كل هذا؟
لم أكن أطلب من زوجتي وأبنائي أن يحملوا قلمي عني، ولا أن يؤمنوا بكل ما أكتب؛ كنت أتمنى فقط ألا أضطر إلى الاعتذار لهم عن الشيء الذي يمنح حياتي معنًى.
لم أكن أرى نفسي نبيًّا للكلمات، ولا أظن أن كل ما أكتبه جدير بالخلود. لكنني كنت أؤمن بأن الأدب الصادق يستطيع أن يوقظ في الإنسان شيئًا نام طويلًا، أو يردَّ إليه سؤالًا دفنه تحت ركام الأيام.
كنت أريد أن أكتب عن الإنسان ووحدته وسط الزحام، وقلت لنفسي إن الناس أوسع من دائرة البيت، وإن العقول التي لم تجد أفكاري مكانًا بينها قد تكون لها امتدادات في عقول أخرى.
لعل قارئًا لا أعرفه يكون أقرب إلى روحي من شخص يجلس إلى جواري كل يوم.
لم أكن أنتظر أن أصبح نجمًا في سماء الأدب بين ليلة وضحاها؛ كنت أريد عقلًا يلتقط الفكرة، وقلبًا يتأثر بها، وإنسانًا يقول لي، ولو مرة واحدة:
ــ لقد عبّرتَ عمّا عجزتُ عن قوله.
وحين اكتمل الكتاب، شعرت أن شيئًا من روحي صار له غلاف واسم وصفحات.
تأملت اسمي فوق الغلاف طويلًا. لم يكن مجرد اسم مطبوع؛ كان شهادة صامتة على معارك لم يشهدها أحد، وعلى ليالٍ اقتطعتها من راحتي، وعلى حلم ظللت أحرسه كلما حاولت الحياة أن تطفئه.
وبدأت أتخيل ليلة الاحتفال.
لم أتخيل قاعة تضج باسمي، ولا طوابير من المعجبين، ولا أضواء تطاردني أينما ذهبت. تمنيت قارئًا يناقشني في فكرة، وشابًّا يختلف معي في الرأي، وامرأة تمسك نسخة من الكتاب وتقول إن إحدى صفحاته أعادتها إلى ذكرى قديمة.
أردت فقط أن أشعر بأن السنوات التي قضيتها وحيدًا أمام الورق لم تكن حديثًا مع نفسي فحسب.
وكانت لي أمنية لم أبح بها لأحد:
أن أعود إلى بيتي بعد الاحتفال، فأجد في عيون أقرب الناس إليَّ شيئًا من الاعتراف الذي انتظرته طويلًا؛ أن أرى، ولو للحظة، أن ذلك الحلم الذي طالما بدا لهم عبئًا قد صار سببًا لفرحهم.
في تلك الليلة، ارتدى الكتاب ثوب عرسه.
تعطّر بالحبر، واصطفّت نسخه فوق الطاولة، وانتظرت الورود أن تلتفت إليها العيون.
أما أنا، فكنت العريس الذي رتّب المقاعد، واختبر الميكروفون، وراجع الكلمات التي سيقولها. كان كل شيء جاهزًا، حتى قلبي الذي خاض حروبًا طويلة كي يصل إلى تلك اللحظة، حاولت أن أبدو به هادئًا.
وقفت عند الباب أرقب القادمين.
كلما سمعت وقع خطوات في الخارج، التفتُّ. وكلما انفتح الباب على شخص لا يقصد القاعة، عدت إلى مكاني، وأقنعت نفسي بأن الوقت ما زال مبكرًا.
مرّت الدقائق الأولى.
لم أقلق؛ فالناس تتأخر، والطرقات مزدحمة، والظروف لا تسير دائمًا كما نشتهي.
ثم مرّت نصف ساعة.
تفقدت هاتفي، وراجعت الرسائل، وقلّبت أسماء الذين دعوتهم، كأنني أبحث بين حروفها عن وعد أستطيع أن أتكئ عليه.
ومرّت ساعة.
لم تعد الكراسي كما كانت. بقيت في أماكنها، لكن شيئًا في داخلي بدأ يراها بعين أخرى؛ كأن كل مقعد ينتظر صاحبه، بينما كنت أنا الذي ينتظر اعترافًا بأن كل ما تحمّلته لم يذهب سدى.
لم أكن أريد أن أنتصر على العالم في تلك الليلة؛ كنت أريد فقط ألا أعود منها مهزومًا أمام نفسي.
لكن الباب ظل يفتح على الفراغ.
لا زوجة تشاركني فرحة اللحظة التي طالما حلمت بها، ولا ابن يقترب ليقول إن أباه يستحق أن يفرح، ولا قريب يتكلف الحضور ليمنح سنوات المحاولة شيئًا من التقدير.
ولا أولئك الذين ظننت أنهم سيجدون في أفكاري ما يستحق الإصغاء، أو حتى الاختلاف.
كان الغياب أوسع من القاعة.
وللمرة الأولى، شعرت أن الحلم الذي دافعت عنه طويلًا يقف في مواجهتي، ويسألني بصمت:
أكلُّ هذا الطريق، ثم لا أحد؟
نظرت إلى المقاعد الخالية. كانت مصطفّة في انتظام بارد، كأنها شواهد قبور صغيرة نُقشت عليها أسماء لم تأتِ.
وعلى الطاولة، ظلت الكتب متراصة، لا تعرف أن عرسها قد أوشك أن يتحول إلى مأتم.
مددت يدي إلى أقرب نسخة، وفتحتها بلا وعي.
قرأت سطرًا، ثم آخر.
وفجأة، تحركت الكلمة الأولى.
لم تتحرك على الصفحة؛ بل نهضت منها، كما ينهض عازف من مقعده حين يسمع لحنًا يعرفه. تبعتها فاصلة تتهادى كراقصة، وقفزت علامة استفهام من سطرها، وانحنت أمامي كأنها تسألني عن سبب هذا الحزن كله.
رمشت بعيني.
كانت القاعة لا تزال فارغة.
لكن شيئًا ما بدأ يحدث.
انسلّت الاستعارات من بين الصفحات، وراحت تتخذ لها مقاعد. جلست استعارة القلب قرب النافذة، وأسندت المجاز كتفه إلى الجدار، فيما راحت الصور البلاغية تتبادل التحية كضيوف يعرف بعضهم بعضًا منذ قرون.
جاءت الكناية في ثوب أنيق، وتقدّم التشبيه يحمل باقة من المعاني، ثم دخلت السريالية من باب لم أكن قد رأيته من قبل؛ تجر خلفها أحلامًا فقدت عناوينها، وحقائب صغيرة حُشرت فيها أشياء لا يجمعها منطق سوى منطق الروح.
لم تستأذنني الحروف.
كانت تعرف الطريق إلى مقاعدها.
جلست الألف في الصف الأول، ومدّت الباء يدها إلى التاء، وتجاورت الكلمات التي فرّقتها الجمل، كأن الكتاب لم يكن أوراقًا متباعدة، بل عائلة تأخرت طويلًا عن موعد اللقاء.
أما الفلسفة، فقد دخلت متأخرة كعادتها، تحمل مصباحًا لا يضيء الطريق بقدر ما يكشف الأسئلة المختبئة فيه.
جلست إلى جواري، ثم نظرت إلى المقاعد الخالية وقالت:
ــ أكنت تنتظر هؤلاء ليمنحوا كلماتك الحياة؟
لم أجب.
أشارت إلى الكتاب المفتوح بين يدي:
ــ انظر جيدًا.
نظرت.
كانت الكلمات التي كتبتها في ليالٍ من الوحدة تتحدث الآن، وتختلف، وتتصالح، وتضحك من استعاراتها الغريبة. فكرة تعترض على فكرة، وجملة تدافع عن أختها، وسؤال يطارد إجابة حتى يختبئا معًا في زاوية من المعنى.
تسلل النور إلى القاعة.
لم يكن نور المصابيح؛ فقد بقيت المصابيح على حالها. كان نورًا يتصاعد من الصفحات، ينساب بين المقاعد، ويلمس الجدران التي طالما ردّدت صدى خطواتي وحدي.
ثم بدأت الموسيقى.
لم تكن هناك فرقة، ولم يحمل أحد آلة.
كانت الجمل تتناغم، والسجعات تتعانق، والقوافي تتراقص على إيقاع خفي. حتى الصمت الذي ملأ القاعة منذ قليل، نهض من مكانه وخلع ثوبه الأسود، ثم جلس بين الكلمات منصتًا.
ضحكت علامة التعجب بصوت عالٍ، فارتجفت الستائر.
واعترضت علامة الاستفهام على ضحكتها، ودارت بينهما مناقشة فلسفية انتهت بأن اعترفت كل منهما بحاجة الأخرى إليها؛ فالعالم الذي لا يتعجب يموت من البلادة، والعالم الذي لا يسأل يشيخ قبل أوانه.
وتحت ضوء المعاني، راحت الصور البلاغية تروي حكاياتها.
استعارة عن أبٍ أخفى دموعه خلف مسؤولياته، وأخرى عن حلم ظل يطرق الأبواب حتى نسي أصحابها ملامحه، وثالثة عن إنسان كان يوزع الطمأنينة على الآخرين، ثم يعود إلى غرفته يبحث عمّن يمنحه قطرة منها.
كنت أستمع.
كل ما كتبتُه في عزلتي عاد إليَّ في تلك اللحظة، لا حبرًا على ورق، بل أصواتًا ووجوهًا وظلالًا تتحرك أمامي.
رأيت حزني وقد ارتدى قناعًا ساخرًا، ورأيت أملي القديم يركض بين الصفوف، ورأيت الأسئلة التي أخفيتها عن الناس تجلس في الصف الأخير، تتبادل النظرات كأنها تخشى أن أتعرف إليها.
كانت القاعة تمتلئ، لا بالأجساد، بل بما هو أبقى من الأجساد.
ولأول مرة في تلك الليلة، لم أعد أسمع صدى وحدتي.
سمعت حوارًا.
رأيت اختلافًا.
شعرت بأن الكلمات لا تجلس أمامي لتصفق لي، بل لتناقشني وتعارضني وتكشف لي ما عجزت عن رؤيته في نفسي. لم تمنحني مجاملة رخيصة، ولم تقل إنني أعظم الكتّاب؛ منحتني ما كنت أرجوه منذ البداية: عقلًا يصغي، وسؤالًا يوقظ، ومعنى لا يخاف الاختلاف.
وعندها فهمت شيئًا لم أستطع فهمه وأنا أحدّق في الباب.
قد يغيب الذين دعوتهم، وقد لا يجد حلمي في قلوب أقرب الناس إليَّ مكانًا، لكن الكلمات التي أخلصت لها لم تكن غائبة عني يومًا.
لقد رافقتني حين خذلتني الوجوه، وحملت عني ما لم أستطع قوله، واحتفظت بأصوات الذين مروا في حياتي ثم مضوا، وبآلام الذين لم ألتقِ بهم قط، وبأسئلة أجيال لم تولد بعد.
كانت وحدتي تكتبها، وكانت هي تؤنس وحدتي.
يا للمفارقة!
كنت أبحث عن أصدقاء يملؤون المقاعد، فإذا بأصدقائي يخرجون من السطور.
وكنت أنتظر من يقرأني، فإذا بالحروف التي كتبتها تقرأني أنا.
امتدت الأمسية.
لم تعد الساعة تعنيني، ولم أعد أراقب الباب. صارت القاعة فضاءً من المعاني؛ كلما اختلفت فكرتان انفتح بينهما شباك، وكلما تصالحت صورتان أضاءت زاوية جديدة.
أما الكتاب، فقد خلع ثوب الانتظار وارتدى ثوب الفرح.
لم يكن عرسًا حضره الناس كما تمنيت، بل عرسًا اكتشفت فيه أن للكلمات حياة أخرى لا تخضع لمواعيد البشر، وأن بعض الضيوف لا يحتاجون إلى دعوة؛ لأنهم يسكنون العروس منذ أن وُلدت.
وحين بدأ الفجر يطل من خلف النوافذ، أخذت الحروف تعود إلى صفحاتها.
عادت الألف إلى سطرها، وتهادت الاستعارات نحو مواضعها، وأغلقت الفلسفة مصباحها، فيما بقيت علامة استفهام واحدة معلقة فوق المقعد الذي كنت أجلس أمامه.
نظرت إليها طويلًا.
لم تسألني هذه المرة: لماذا لم يأتِ أحد؟
بل سألتني:
ــ لو عاد بك الزمن، أكنت ستكتب؟
ابتسمت.
لم أجبها بالكلمات.
أغلقت الكتاب، وضممته إلى صدري كما يضم العريس عروسه بعد انتهاء الموسيقى، ثم بدأت أجمع النسخ وأرتب المقاعد.
كانت القاعة تعود إلى سكونها، لكن السكون لم يعد كما كان.
فثمة فرق بين صمت لا يسكنه أحد، وصمت تعود إليه الأصوات بعد أن تمنحك ما يكفي من الحياة.
خرجت وأنا أحمل كتبي، وخلفي مقاعد فارغة، وفوق الطاولة بقايا عطر الورود.
لم يحضر الذين انتظرتهم، ولم تتحقق الصورة التي رسمتها في خيالي، ولم أعد إلى بيتي محاطًا بالتهاني التي حلمت بها.
لكنني لم أخرج خالي الوفاض.
خرجت ومعي يقين صغير، لا يبدد الخيبة ولا ينكرها، لكنه يمنعها من أن تكون الكلمة الأخيرة.
فأنا لا أستطيع أن أطلب من العالم أن يحب كل ما أكتب، ولا أن أفرض على أحد قراءة كتابي؛ غير أنني أستطيع أن أظل وفيًّا لذلك الجزء من روحي الذي لم يجد وسيلة للكلام سوى الكتابة.
تعلمت أن الكاتب قد يحتاج إلى الناس، لكنه لا ينبغي أن يجعل غيابهم حكمًا نهائيًّا على صوته؛ وأن المقاعد الخالية لا تثبت وحدها فشل الفكرة، كما أن القاعات الممتلئة لا تمنحها شهادة الخلود.
وتعلمت أيضًا أن الإيمان بالرسالة لا يعني أن نكذب على أنفسنا، أو نتظاهر بأن الخيبة لا تؤلم؛ فحتى الأشجار التي تمد جذورها عميقًا في الأرض تحتاج إلى المطر.
عدت إلى مكتبي، ووضعت الكتاب أمامي.
فتحت الصفحة الأخيرة، وأمسكت القلم.
لم أكتب عتابًا لأحد، ولم أكتب اعتذارًا عن حلمي.
كتبت سطرًا واحدًا:
«شكرًا لكم… يا أصدقائي الذين لم يخذلوني؛ يا حروفًا حملت وجهي حين غابت الوجوه، ويا صورًا بلاغية منحت وحدتي مقاعد، ويا فلسفة علمتني أن السؤال قد يكون أصدق من الإجابة، ويا سريالية جعلت المستحيل بابًا أخرج منه إلى نفسي».
ثم أضفت:
«ربما لم يحضر الناس إلى عرسي، لكنكم حضرتم جميعًا؛ أنتم الذين كنتم معي قبل أن يولد الكتاب، وستبقون معي بعد أن ينسى العالم موعد تلك الليلة».
وقّعت اسمي.
هذه المرة لم ترتجف يدي.
لم أعد أحتاج إلى أن أقنع أحدًا بأن ما أكتبه يستحق الحياة؛ فقد أدركت أن الكلمات التي تخرج من تجربة صادقة لا تنتهي بالضرورة عند الصفحة الأخيرة، وأنها قد تجد قارئها في وقت لا يتوقعه الكاتب، أو في قلب لم يعرفه، أو في زمن لم يأتِ بعد.
وربما كانت مهمتي أن أكتب، لا أن أضمن من سيحضر.
أن أضيء نافذتي، لا أن أطرق أبواب العابرين.
أن أترك على الورق شيئًا من روحي، ثم أواصل الطريق، حتى لو لم يسمع وقع خطواتي أحد.
ومع ذلك، لن أكذب على نفسي؛ فما زال في القلب مقعد صغير يتمنى أن يجلس عليه إنسان، يفتح الكتاب ويقول:
ــ أنا هنا… قرأتك، واختلفت معك، لكنني سمعتك.
فالكلمات، مهما بلغت من الوفاء، لا تلغي حاجة الإنسان إلى الإنسان.
لكنها، حين يغيب الإنسان، لا تتركه وحيدًا تمامًا.
فإذا كان الأدب رسالة، فهل يكفي أن تجد الكلمات طريقها إلى بعضها بعضًا، أم أن اكتمال العرس لا يكون إلا حين يمد قارئٌ يده إلى الكتاب؟
وإذا كانت السطور أصدقاء الكاتب الأوفياء، فهل نكتب لأن العالم ينتظرنا، أم لأن في داخلنا شيئًا يستحق أن يُقال، حتى لو تأخر العالم طويلًا في الإصغاء؟
أما أنا، فقد عرفت أخيرًا أن بعض الأعراس لا تحتاج إلى ضيوف كي تُقام، وأن بعض العرائس لا يخذلن عرسانهن…
وأن الحروف، حين تحب صاحبها، لا تترك مقعده فارغًا.

