تشديد سياسات الهجرة في أوروبا.. كيف تطرح الصين مقاربة بديلة للأمن والتنمية وتعاون الجنوب العالمي؟
تحليل الدكتورة/ نادية حلمي
الخبيرة المصرية في الشؤون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعي الحاكم في الصين والشؤون الآسيوية، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة بني سويف
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وتصاعد الجدل داخل المجتمعات الأوروبية حول الهجرة واللجوء والاندماج والأمن، لم تعد قضية المهاجرين مجرد ملف إداري يتعلق بضبط الحدود أو تنظيم الإقامة، بل أصبحت قضية استراتيجية تتداخل فيها الحسابات السياسية والاقتصادية والديموغرافية والإنسانية، وتكشف عن تباين واضح في الرؤى بشأن كيفية التعامل مع الأزمات العابرة للحدود.
ويأتي تصويت البرلمان الأوروبي، في 17 يونيو 2026، لصالح موقفه من نظام مشترك لإعادة مواطني الدول الثالثة الذين لا يملكون حق الإقامة في الاتحاد الأوروبي، بموافقة 418 عضوًا مقابل 218 صوتًا معارضًا و30 امتناعًا، ليعكس اتجاهًا أوروبيًا نحو تعزيز إجراءات العودة وتسريعها، مع إتاحة إمكانية إنشاء مراكز للعودة خارج أراضي الاتحاد بموجب ترتيبات مع دول ثالثة. وقد شدد البرلمان، في الوقت نفسه، على ضرورة احترام الحقوق الأساسية والقانون الدولي ومبدأ عدم الإعادة القسرية وحظر الطرد الجماعي.
وهنا يجب التمييز بين إعادة الأشخاص الذين لا يملكون حقًا قانونيًا في الإقامة، وبين التعامل مع اللاجئين وطالبي الحماية وفقًا للقواعد القانونية الدولية؛ فالتعميم في هذه القضية لا يخدم التحليل السياسي الرصين، ولا يساعد على فهم طبيعة السياسات الأوروبية الجديدة.
المصدر: “البرلمان الأوروبي – نظام إعادة مواطني الدول الثالثة” (https://www.europarl.europa.eu/news/en/press-room/20260611IPR45214/approvato-il-nuovo-regolamento-ue-sui-rimpatri).
أولًا: أوروبا بين ضغوط الداخل ومتطلبات الأمن
لا يمكن قراءة التحولات في سياسات الهجرة الأوروبية بمعزل عن الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها دول الاتحاد. فقد أصبحت الهجرة موضوعًا حاضرًا بقوة في المنافسة الانتخابية، وفي النقاشات المتعلقة بالهوية الوطنية والاندماج وسوق العمل والخدمات العامة، كما تتباين مواقف الدول الأوروبية بشأن آليات إعادة المهاجرين والتعاون مع الدول الواقعة خارج الاتحاد.
ومن المهم عدم اختزال هذه التحولات في سبب واحد، أو الجزم بأن الاحتجاجات التي شهدتها بعض الدول الأوروبية كانت السبب المباشر وراء التصويت على النظام الجديد، ما لم تتوافر أدلة موثقة تثبت هذه العلاقة. فالتشريعات الأوروبية تمر بمراحل تفاوضية ومؤسسية، وتتأثر باعتبارات متعددة، من بينها إدارة الحدود، ومعدلات العودة، والتعاون مع دول المنشأ والعبور، وتوازنات القوى داخل المؤسسات الأوروبية.
إن التحدي الحقيقي أمام أوروبا لا يقتصر على رفع كفاءة إجراءات العودة، بل يمتد إلى بناء سياسة متوازنة تستطيع حماية الأمن العام، وتطبيق القوانين، ومنع استغلال ملف الهجرة سياسيًا، من دون الإخلال بالالتزامات الإنسانية والقانونية.
فالأمن لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاهل الظروف التي تدفع البشر إلى مغادرة بلدانهم، كما أن الاعتبارات الإنسانية لا تعني إلغاء حق الدول في إدارة حدودها وفقًا للقانون. والمطلوب هو صياغة سياسات تجمع بين الأمرين، بدلًا من التعامل معهما باعتبارهما مسارين متعارضين بالضرورة.
ثانيًا: المقاربة الصينية.. الأمن والتنمية وجهان لقضية واحدة
في مقابل الاتجاه الذي يركز بصورة أساسية على إدارة الحدود وإجراءات العودة، تقدم الصين في خطابها الرسمي تصورًا أوسع للعلاقة بين الأمن والتنمية، يقوم على أن الاستقرار طويل الأمد لا يتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما يتطلب أيضًا معالجة جذور الأزمات، وتعزيز التنمية، وتوسيع مجالات التعاون الدولي.
وتتجسد هذه الرؤية في مبادرة الأمن العالمي التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ، والتي تؤكد مفاهيم الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، وتدعو إلى تسوية الخلافات بالحوار والتفاوض، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراعات، والربط بين الأمن والتنمية.
وتؤكد الوثيقة الرسمية للمبادرة أن الأمن المستدام يرتبط بمعالجة البيئات التي تغذي انعدام الاستقرار، وأن التعاون والحوار يمثلان جزءًا أساسيًا من مواجهة التحديات الدولية.
المصدر: “وزارة الخارجية الصينية – الوثيقة المفاهيمية لمبادرة الأمن العالمي” (https://www.mfa.gov.cn/eng/zy/gb/202405/t20240531_11367484.html).
ومن هذا المنطلق، يمكن توظيف المقاربة الصينية في تحليل أزمة الهجرة من زاوية تتجاوز النتائج المباشرة، لتشمل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تدفع الأفراد إلى البحث عن فرص للحياة والعمل والأمان خارج بلدانهم.
لكن من الضروري التمييز بين المبادئ العامة المعلنة في السياسة الصينية وبين وجود خطة صينية محددة ومتكاملة لحل أزمة الهجرة الأوروبية؛ فالمبادئ توفر إطارًا يمكن الاستفادة منه في النقاش، أما تحويلها إلى برنامج عملي فيحتاج إلى سياسات واتفاقات وآليات تنفيذ واضحة.
ثالثًا: مبادرة التنمية العالمية ومعالجة جذور الهجرة
لا يمكن فصل ملف الهجرة عن التفاوت في مستويات التنمية، وضعف فرص العمل، والنزاعات المسلحة، وتراجع الخدمات الأساسية، وآثار التغير المناخي في بعض المناطق. وهذه العوامل لا تفسر كل حالات الهجرة، لكنها تمثل عناصر مهمة عند دراسة دوافع الانتقال من دولة إلى أخرى.
ومن هنا تبرز أهمية مبادرة التنمية العالمية التي تطرحها الصين، بما تتضمنه من دعوة إلى تعزيز التعاون التنموي، ودعم أهداف التنمية المستدامة، وتوسيع فرص الشراكة بين الدول.
إن تحويل التنمية إلى عنصر فاعل في إدارة الهجرة يتطلب الاستثمار في الاقتصادات المحلية، وخلق فرص عمل مستدامة، وتطوير التعليم والتدريب المهني، وتحسين البنية الأساسية، ودعم المشروعات الصغيرة، ورفع قدرة الدول على تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها.
كما يتطلب الأمر ألا تقتصر الشراكات الدولية على المساعدات قصيرة الأجل، بل أن تمتد إلى بناء قدرات اقتصادية ومؤسسية تستطيع تقليل عوامل الهشاشة، وتمنح الشباب فرصًا واقعية للبقاء والعمل داخل مجتمعاتهم.
ومع ذلك، لا ينبغي تقديم التنمية باعتبارها حلًا فوريًا أو مضمونًا للهجرة؛ فقد تؤدي زيادة الدخل وتحسن التعليم والقدرة على الحركة، في بعض المراحل، إلى زيادة قدرة الأفراد على الهجرة أيضًا. ولذلك فإن العلاقة بين التنمية والهجرة معقدة، وتتوقف نتائجها على طبيعة السياسات وفرص العمل والاستقرار ومدى توافر مسارات قانونية وآمنة للتنقل.
رابعًا: التعاون بين دول الجنوب.. من الشعارات إلى الشراكات العملية
يمثل التعاون بين دول الجنوب أحد المسارات التي يمكن أن تسهم في معالجة بعض الأسباب البنيوية للأزمات، خاصة عندما يتعلق الأمر بتبادل الخبرات، ونقل التكنولوجيا، والاستثمار في البنية الأساسية، وتطوير التعليم والتدريب، وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والمناخية.
ويمكن للأطر متعددة الأطراف، ومنها مجموعة بريكس ومنتديات التعاون بين الصين والدول الأفريقية، أن توفر مساحات للحوار والتنسيق بشأن قضايا التنمية والاستقرار، شريطة أن تتحول هذه الأطر إلى مشروعات قابلة للقياس، تحقق فوائد ملموسة للدول والمجتمعات المشاركة فيها.
وفي هذا السياق، لا بد من التركيز على احتياجات الدول التي تمثل بلدان منشأ أو عبور للمهاجرين، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مجرد أطراف مطالبة باستقبال العائدين أو منع حركة الأشخاص عبر أراضيها.
إن الشراكة المتوازنة تقتضي دعم القدرات الاقتصادية، وتوفير التمويل التنموي، وتعزيز الإدارة المؤسسية، وتبادل المعلومات، وتطوير آليات التعاون القانوني، مع احترام سيادة الدول وحقوق الأفراد.
كما أن نجاح أي مقاربة دولية يتطلب إشراك الدول المعنية بالهجرة في صياغة الحلول، وعدم تحميل الدول الأقل قدرة اقتصادية أعباءً إضافية من دون توفير الموارد والدعم اللازمين.
خامسًا: هل تستطيع المقاربة الصينية تقديم بديل للسياسة الأوروبية؟
السؤال ليس ما إذا كان يتعين على أوروبا أن تستبدل سياستها بالصورة الصينية، بل ما إذا كان من الممكن الاستفادة من بعض مبادئ المقاربة الصينية لتطوير سياسات أكثر شمولًا واستدامة.
فأوروبا تمتلك منظومة قانونية ومؤسساتية خاصة بها، وتواجه تحديات أمنية وسياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها. وفي المقابل، تقدم الصين تصورًا يربط الأمن بالتنمية والحوار ومعالجة جذور الأزمات. وبين المقاربتين توجد مساحة يمكن أن تستفيد منها السياسات الدولية، من خلال الجمع بين الإدارة القانونية للهجرة والعمل طويل الأمد على تقليل دوافع النزوح والاضطرار إلى الانتقال.
ويمكن بلورة هذا المسار في عدد من الأولويات العملية:
1. معالجة أسباب الهجرة: دعم التنمية وخلق فرص العمل في الدول التي تعاني من ضعف اقتصادي أو نزاعات أو تراجع في الخدمات الأساسية.
2. احترام القانون الدولي: ضمان عدم إعادة الأشخاص إلى أماكن قد يتعرضون فيها للاضطهاد أو التعذيب أو الخطر، مع توفير إجراءات عادلة لفحص الحالات.
3. توسيع مسارات الهجرة القانونية: تطوير برامج العمل والدراسة والتدريب ولمّ الشمل وفقًا للقوانين المعمول بها.
4. تعزيز التعاون مع دول المنشأ والعبور: بناء شراكات تتضمن التمويل والتدريب وتبادل المعلومات، بدلًا من حصر التعاون في ترتيبات إعادة الأشخاص.
5. تقييم النتائج بصورة موضوعية: قياس أثر السياسات على الأمن والاقتصاد وحقوق الإنسان، وعدم الاكتفاء بالمؤشرات المرتبطة بأعداد عمليات العودة.
6. مواجهة الاتجار بالبشر وشبكات التهريب: تعزيز التعاون الأمني والقانوني لحماية المهاجرين وملاحقة الشبكات الإجرامية، مع التمييز بين الضحايا والمتورطين في الجرائم.
سادسًا: نحو رؤية دولية أكثر توازنًا
إن أزمة الهجرة تكشف عن تحدٍ أوسع يواجه النظام الدولي: كيف يمكن للدول حماية أمنها وتنظيم حدودها، وفي الوقت نفسه التعامل مع التفاوتات الاقتصادية والنزاعات والأزمات الإنسانية التي تتجاوز حدودها الوطنية؟
لا توجد مقاربة واحدة قادرة بمفردها على معالجة جميع جوانب هذه القضية. فالإجراءات القانونية والأمنية ضرورية لإدارة الهجرة، لكنها لا تكفي لمعالجة أسبابها العميقة. كما أن التنمية والتعاون الدولي عنصران أساسيان للاستقرار، لكنهما يحتاجان إلى مؤسسات فعالة، وتمويل مستدام، وسياسات قابلة للتنفيذ والتقييم.
ومن هنا تأتي أهمية وضع مبادئ الأمن والتنمية والتعاون الدولي موضع الاختبار العملي، بدلًا من الاكتفاء بطرحها في الخطابات السياسية. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي مبادرة ليس عنوانها أو الجهة التي أطلقتها، وإنما قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، وتقليل أسباب الأزمات، واحترام القانون، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار.
وفي تقديري، فإن مستقبل التعامل مع الهجرة لن يتحدد فقط بمدى قدرة الدول على تشديد إجراءات الحدود أو تسريع العودة، وإنما بمدى نجاحها في بناء منظومة دولية أكثر تعاونًا وعدالة، توازن بين حق الدول في إدارة شؤونها، وحقوق الإنسان، ومسؤولية المجتمع الدولي عن مواجهة الأسباب التي تجعل الهجرة خيارًا اضطراريًا أمام قطاعات من البشر.
فالأمن المستدام لا يتحقق بإدارة النتائج وحدها، بل يتطلب أيضًا فهم الأسباب والعمل على معالجتها؛ والتنمية ليست بديلًا عن القانون، كما أن القانون لا يغني عن التنمية.

