الريلز :
هدم أم بناء للعقول
بقلم / علي الغنام

أصبحت الفيديوهات القصيرة، المعروفة باسم “الريلز” و”الشورتس”، جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية لملايين الطلاب، حيث يقضي كثير منهم ساعات طويلة في تصفح مقاطع لا تتجاوز دقيقة واحدة. وبينما تبدو هذه المقاطع وسيلة للترفيه أو اكتساب معلومات سريعة، يحذر باحثون وخبراء تربويون من أن الإفراط في استخدامها قد ينعكس سلبًا على التحصيل الدراسي، ويؤثر في قدرة الدماغ على التركيز والانتباه.
تراجع التركيز وزيادة التشتت
يعتمد المحتوى القصير على الانتقال السريع بين المشاهد والمؤثرات البصرية والصوتية، وهو ما يجعل الدماغ يعتاد على استقبال معلومات متجددة خلال ثوانٍ معدودة. ومع مرور الوقت، يصبح التركيز في الدروس أو الكتب لفترات طويلة أكثر صعوبة، لأن العقل يعتاد على الإثارة السريعة بدلًا من التفكير المتأني.
وتشير دراسات حديثة إلى أن الاستخدام المفرط للفيديوهات القصيرة يرتبط بزيادة التعلم السطحي وانخفاض القدرة على التفكير التحليلي، كما ينعكس على مستوى اكتساب المعرفة مقارنة بوسائل التعلم التقليدية.
التأثير على التحصيل الدراسي
يرى متخصصون في التربية أن الطالب الذي يقطع مذاكرته باستمرار لمشاهدة الريلز يفقد تركيزه، ويحتاج إلى وقت أطول لاستعادة انتباهه. ويؤدي ذلك إلى انخفاض جودة الاستيعاب، وضعف الاحتفاظ بالمعلومات، وارتفاع معدلات التسويف وتأجيل الدراسة.
كما توصلت مراجعات بحثية تناولت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بين طلاب الجامعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المفرط لهذه المنصات وتراجع الأداء الأكاديمي لدى عدد من الطلاب، نتيجة زيادة التشتت وقلة ساعات الدراسة الفعلية.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
يؤكد باحثون أن الفيديوهات القصيرة تحفز نظام المكافأة في الدماغ عبر تقديم محتوى متجدد باستمرار، مما يدفع المستخدم إلى مواصلة التمرير بحثًا عن متعة فورية. ويؤدي هذا النمط إلى تقليل الصبر على الأنشطة التي تحتاج إلى تركيز طويل، مثل قراءة الكتب أو حل المسائل أو متابعة المحاضرات.
وفي دراسة أجريت على طلاب مدارس دولية في المملكة العربية السعودية، وُجدت علاقة سلبية بين كثرة مشاهدة الفيديوهات القصيرة وبعض القدرات المعرفية، مثل الانتباه والذاكرة العاملة، وهو ما يدق ناقوس الخطر بشأن آثار هذا النوع من المحتوى على الطلاب.
ليست كل الفيديوهات القصيرة ضارة
في المقابل، يوضح خبراء التعليم أن المشكلة لا تكمن في الفيديو القصير ذاته، وإنما في نوعية المحتوى ومدة الاستخدام. فقد أثبتت دراسات عربية أن الفيديوهات التعليمية المصممة بصورة جيدة يمكن أن تسهم في تحسين الفهم والتذكر عندما تستخدم داخل العملية التعليمية وبإشراف تربوي.
ويؤكد مختصون أن توظيف التكنولوجيا في التعليم يظل أمرًا إيجابيًا، شريطة أن يكون موجهًا لخدمة العملية التعليمية، لا أن يتحول إلى وسيلة تستهلك وقت الطلاب وتشتت انتباههم.
كيف نحمي الطلاب؟
ينصح خبراء التربية بعدد من الإجراءات للحد من التأثيرات السلبية للفيديوهات القصيرة، من أهمها:
– تحديد وقت يومي لاستخدام تطبيقات الريلز والشورتس.
– إغلاق الهاتف أثناء المذاكرة.
– تخصيص فترات للقراءة دون أي مقاطعات رقمية.
– استخدام الفيديوهات التعليمية بدلًا من المحتوى الترفيهي أثناء الدراسة.
– تدريب الطلاب تدريجيًا على زيادة مدة التركيز من خلال القراءة وحل التمارين.
خلاصة
لا يمكن إنكار أن الفيديوهات القصيرة أصبحت جزءًا من الحياة الرقمية الحديثة، لكنها قد تتحول إلى عائق أمام النجاح الدراسي إذا استُخدمت بصورة مفرطة. ويرى الخبراء أن تحقيق التوازن بين الترفيه والتعلم هو السبيل الأمثل للحفاظ على صحة الدماغ، وتنمية مهارات التركيز، وتحسين التحصيل العلمي لدى الطلاب، في ظل عالم رقمي يزداد سرعة وتأثيرًا يومًا بعد يوم.
المصادر
– المجلة الدولية للبحوث التربوية – جامعة الإمارات العربية المتحدة: أثر استخدام الفيديو التفاعلي في التدريس على التحصيل العلمي.
– المجلة العربية لبحوث الإعلام والاتصال (مصر): أثر مقاطع الفيديو التعليمية المتحركة على الفهم والتذكر لدى طلاب الجامعة، 2024.
– The Impact of Short-Form Videos on Some Cognitive Abilities among Saudi International School Students، International Journal of Academic Research in Progressive Education and Development، 2025.
– Should Educators Be Concerned? The Impact of Short Videos on Rational Thinking and Learning، Computers & Education، 2025.
– مراجعة علمية حول العلاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والأداء الأكاديمي لدى طلاب الجامعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، 2026.

