لماذا نهدم بأيدينا ما يدعونا إليه ديننا؟ العرب بين العصبية والفتنة وموازين القوى العالمية - النايل نيوز
الرئيسية » لماذا نهدم بأيدينا ما يدعونا إليه ديننا؟ العرب بين العصبية والفتنة وموازين القوى العالمية
منوعات

لماذا نهدم بأيدينا ما يدعونا إليه ديننا؟ العرب بين العصبية والفتنة وموازين القوى العالمية

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

لماذا نهدم بأيدينا ما يدعونا إليه ديننا؟

العرب بين العصبية والفتنة وموازين القوى العالمية

بقلم: عبد المجيد عبوبي

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.

لماذا نعجز عن الاتفاق، حتى حين تكون مصلحتنا واحدة؟ ولماذا يتحول اختلافنا إلى خصام يضعفنا ويفتح الطريق أمام الآخرين؟

الدين يدعونا إلى العدل، والشورى، والإصلاح، ويحذرنا من التنازع: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فالاختلاف طبيعي، لكن الخطر أن يتحول إلى كراهية وفتنة.

ولطالما نبهنا مفكرو الأمة إلى هذا الخطر؛ فقد أوضح ابن خلدون أن العصبية العمياء هي الآفة التي تقوض عمران الأمم، بينما أكد المفكر مالك بن نبي أن أزمتنا الحقيقية تكمن في “قابلية التخلف والانقسام” التي نجعلها ثغرة ينفذ منها الآخرون.

حين ندعو إلى الحوار، لا ندعو إلى السكوت عن الظلم، ولا إلى التخلي عن الحقوق. بل ندعو إلى الدفاع عنها بالحكمة، وإلى حل الخلافات دون هدم ما يجمعنا. ومن هنا تأتي أهمية المبادرات الدينية الصادقة، وفي مقدمتها مبادرة الأزهر الشريف، هذه المؤسسة العريقة التي تسعى اليوم لجمع الكلمة ورأب الصدع، متجاوزة الخلافات المذهبية والسياسية لتقول للجميع: إن مصلحة الشعوب وحقن دماء المسلمين أهم من انتصار طرف على آخر.

إن العصبية ليست صفة في الدم، لكنها عادة تتكون من التربية والثقافة. فعندما يتعلم الإنسان أن جماعته لا تخطئ، وأن نقدها خيانة، يصبح الخصم عدوًا، والتسوية ضعفًا، والاعتراف بالخطأ هزيمة. المشكلة ليست في الاختلاف، بل في عجزنا عن إدارته.

وانظروا إلى ما شهدته المنطقة بين السعودية واليمن؛ سنوات من الصراع والنزيف الذي أهدر الطاقات والقدرات، وأثبت في النهاية أنه لا غالب ولا مغلوب في الفتنة، وأن السلام والصلح والتفاوض القائم على العدل واحترام المصالح المشتركة هو السبيل الوحيد للنجاة. إنها درس صريح بأنه لا يمكن بناء المستقبل بالسلاح والخطابات الحماسية، بل بالمؤسسات والتنمية.

العالم يتغير بسرعة. تتقدم الدول بالعلم والصناعة والتكنولوجيا، بينما نهدر نحن طاقاتنا في الخلافات. فالثروة وحدها لا تصنع القوة، والخطب وحدها لا تبني المستقبل. وكما يذكرنا المفكر علي عزت بيجوفيتش، فإن القوة الحقيقية تتطلب فهم موازين القوى والواقعية، فالأمم لا تحمى بالعواطف، بل بالعقل والمصالح والتفاوض الثاقب.

والفتنة قد تبدأ بكلمة، أو بخطاب يحرض، أو بإعلام ينشر الكراهية، ثم تكبر حتى تضيق مساحة الحوار. لكن التهدئة لا تعني إخفاء الظلم، والسلام لا يقوم على إنكار الحقوق، بل على الاعتراف بها ومعالجتها بالعدل والقانون.

إن الإسلام لا يفشل، لكننا قد نفشل في تطبيق قيمه. نحن بحاجة إلى علماء ومثقفين وسياسيين يفتحون أبواب الفهم، ويعلمون الناس احترام الاختلاف. إنها أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة شعارات.

العرب ليسوا محكومين بالانقسام، والتاريخ ليس قدرًا ثابتًا. لكن النهوض يحتاج إلى شجاعة في مراجعة الذات، وإلى سؤال صادق: ماذا سنخسر جميعًا إذا استمرت خلافاتنا؟

فالأمم لا تخسر لأنها تختلف، بل لأنها تعجز عن إدارة اختلافها.

ويبقى السؤال: هل نريد أن نبقى شهودًا على تحولات العالم، أم نشارك في صناعتها؟

وفي الختام، أتقدم بالشكر والتقدير للأزهر الشريف على مبادرتهم الطيبة وجهودهم المباركة في السعي للصلح ونشر الحوار والاعتدال وجمع كلمة الأمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *