هل تغيرت مهنة الطب أم تغيرت ظروف الحياة من رسالة إنسانية إلى حسابات التكلفة
رامي السيد – النايل الإخبارية
لم يكن الطبيب يوما مجرد شخص يحمل شهادة علمية أو يتخصص في علاج مرض بعينه بل كان الطبيب قبل كل شيء إنسانا يحمل رسالة سامية
ويقف في لحظات الضعف والألم بجوار المريض يمنحه الأمل قبل الدواء ويخفف عنه الخوف قبل أن يكتب له الروشتة العلاجية
فمهنة الطب من أسمى المهن الإنسانية لانها تتعامل مع أغلى ما يملكه الانسان صحته وحياته ولهذا ارتبطت صورة الطبيب في أذهان الناس عبر سنوات طويلة بالرحمة والطمأنينة والثقة
وكان المريض يذهب إليه وهو يشعر بأنه أمام شخص يحمل مسؤوليته الإنسانية قبل مسؤوليته المهنية
طبيب الامس وطبيب اليوم أين يكمن الاختلاف
عندما نتحدث عن طبيب الماضي وطبيب الحاضر لا ينبغي أن نظلم أحدا أو نعمم الأحكام على الجميع
فهناك أطباء اليوم يعملون باخلاص وتفان ويضحون بوقتهم وجهدهم من أجل مرضاهم كما أن لكل مرحلة ظروفها وتحدياتها
لكن كثيرا من الناس يشعرون بأن العلاقة بين الطبيب والمريض لم تعد كما كانت في السابق فقد كان المريض يجد في طبيبه شخصا يستمع إليه يتفهم ظروفه
ويحاول مساعدته بما يتناسب مع حالته وإمكاناته أما اليوم فقد يجد بعض المرضى أنفسهم أمام رحلة علاجية تبدأ بتكلفة الكشف ثم التحاليل والأشعة ثم أسعار الأدوية
لتتحول رحلة البحث عن الشفاء إلى عبء مادي ونفسي على الأسرة
وهنا يبرز السؤال هل تغيرت طبيعة المهنة أم أن الظروف الاقتصادية وضغوط الحياة وتكاليف تشغيل العيادات والمنشآت الطبية أصبحت أكثر صعوبة فأثرت في شكل العلاقة بين الطبيب والمريض
الحقيقة أن الاجابة تحتاج إلى نظرة عادلة فالطبيب أيضا يواجه أعباء مهنية واقتصادية ويتحمل تكاليف الدراسة والتدريب والتجهيزات الطبية
بينما يواجه المريض ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قدرته على تحمل نفقات العلاج وبين الطرفين تظل الحاجة إلى التوازن والرحمة والتفاهم ضرورة لا يمكن تجاهلها
المريض حائر بين سعر الكشف وثمن الدواء
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح المريض مضطرا إلى حساب تكلفة الكشف قبل دخول العيادة ثم يفاجئ بأسعار الأدوية والتحاليل والفحوصات
فيجد نفسه أمام اختيارات صعبة قد تؤثر في استكمال علاجه
فهل يستطيع كل مريض تحمل تكلفة زيارة الطبيب وهل أصبحت القدرة المادية عاملا مؤثرا في الحصول على الرعاية الصحية التي يحتاج إليها الانسان
إن المريض الذي يؤجل زيارة الطبيب بسبب التكلفة أو يعجز عن شراء الدواء كاملا لا يحتاج إلى اللوم
بل يحتاج إلى منظومة صحية تراعي ظروفه وتوفر له سبل العلاج المناسب وتحفظ كرامته وحقه في الرعاية
كما أن الصيدلي شريك أساسي في المنظومة الصحية وله مسؤولياته وتحدياته ولا يجوز تحميله وحده مسؤولية ارتفاع أسعار الدواء
فهناك عوامل متعددة تتعلق بالانتاج والاستيراد والتوزيع وتكاليف التشغيل والتسعير وتحتاج إلى معالجة جادة وشفافة
الانسانية لا تتعارض مع الحقوق المادية
من حق الطبيب أن يحصل على مقابل عادل لعلمه وخبرته وجهده ومن حق الصيدلي أن يحقق عائدا مناسبا لعمله
لكن من حق المريض أيضا أن يجد علاجا يستطيع الوصول إليه دون أن يضطر إلى التضحية باحتياجات أسرته الأساسية
وهنا تظهر أهمية الضمير المهني ليس باعتباره بديلا عن الحقوق المادية وإنما باعتباره قيمة تحكم كيفية ممارسة المهنة
فكلمة طيبة من الطبيب وشرح واضح للحالة ومراعاة ظروف المريض وتوجيهه إلى بدائل علاجية مناسبة وآمنة عند توافرها كلها أمور تصنع فارقا كبيرا في رحلة العلاج
كما أن المسؤولية لا تقع على الأطباء والصيادلة وحدهم بل تمتد إلى الجهات المعنية بالصحة ومؤسسات التأمين الصحي وشركات الدواء ومختلف أطراف المنظومة
من أجل تخفيف الأعباء عن المواطنين وتوسيع فرص الحصول على العلاج
هل نحتاج إلى استعادة روح الرسالة الطبية
نحن لا نطالب الطبيب بأن يعمل بلا مقابل ولا نطلب من الصيدلي أن يتحمل وحده أعباء السوق ولكننا نطالب بأن تظل الانسانية حاضرة في قلب المنظومة الصحية
وألا يتحول المرض إلى معاناة مزدوجة تجمع بين الالم الجسدي والعجز المادي
فالطبيب الناجح ليس فقط من يمتلك العلم والخبرة بل من يعرف كيف يوظف علمه في خدمة الإنسان
وكيف يمنح مريضه الثقة والطمأنينة ويحترم ظروفه دون أن ينتقص ذلك من قيمة تخصصه أو جهده
إننا بحاجة إلى تعزيز الوعي بحقوق المريض وواجباته ودعم الأطباء والصيادلة في أداء رسالتهم والعمل على توفير خدمات صحية أكثر عدالة
مع رقابة فعالة على جودة الخدمة والالتزام بالقواعد المنظمة لأسعار الأدوية والخدمات الطبية
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يستحق أن نناقشه بصدق
هل يستطيع الطب أن يحافظ على مكانته الانسانية في ظل ارتفاع تكاليف العلاج وكيف نحقق التوازن بين حق الطبيب في تقدير جهده وحق المريض في العلاج بكرامة
إن صحة الإنسان ليست رفاهية والرحمة ليست ضعفا والضمير المهني ليس شعارا يرفع بل مسؤولية يجب أن تظهر في كل موقف
فالطبيب قبل أن يكون متخصصا هو إنسان والمريض قبل أن يكون حالة مرضية هو إنسان له مشاعر وظروف وحقوق
وبين الاثنين يجب أن تبقى الانسانية هي اللغة المشتركة التي لا ينبغي أن تغيب

