الحلقة 50 من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»
الشهيد البطل النقيب محمد أيمن عبد المنعم بيومي «الجوكر».. حكاية بطل استقبلت قريته جثمانه بالزغاريد
توثيق: د. أحمد علي عطية الله
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، صدق الله العظيم.
ما أعظم منزلة الشهيد، وما أسمى قدره؛ فهو الذي قدّم روحه دفاعًا عن وطنه، وصونًا لأرضه وكرامته، مؤمنًا بأن هناك ما هو أغلى من الحياة وزينتها،
وأن التضحية في سبيل الوطن تظل عنوانًا للشرف والوفاء.
وفي الحلقة الخمسين من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»، نستعيد سيرة أحد أبطال مصر الذين قدّموا أرواحهم فداءً للوطن،
إنه الشهيد البطل النقيب محمد أيمن عبد المنعم بيومي، الشهير بـ«الجوكر»، الذي ترك وراءه سيرة عطرة وذكرى لا تغيب عن قلوب أسرته وأصدقائه وكل من عرفه.
النشأة والتفوق.. بداية حكاية البطل
وُلد الشهيد محمد أيمن عبد المنعم بيومي في 9 يونيو 1992، بقرية الجعافرة التابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية.
تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي بمدارس قريته، وكان من المتفوقين دراسيًا، ثم انتقل إلى المرحلة الثانوية بمدينة فاقوس،
حيث التحق بالمدرسة الثانوية الصناعية، قسم التبريد والتكييف.
وعُرف الشهيد بهدوئه وحُسن أخلاقه وطيب معاملته، فكان محبوبًا بين أفراد أسرته وإخوته عبد المنعم وأماني ومنة،
كما كان بارًّا بوالديه، قريبًا من أسرته، يحظى بمحبة أصدقائه ومدرسيه وأبناء قريته والقرى المجاورة، وكل من جمعته به الأيام.
من حلم الكلية الحربية إلى ميادين الشرف
كان الالتحاق بالكلية الحربية حلمًا يراود الشهيد، فاجتاز اختبارات القبول بنجاح، والتحق بها في 2 أكتوبر 2010، قبل انتقاله إلى المعهد الفني للقوات المسلحة في 13 يناير 2011.
وخلال مسيرته العسكرية، اجتاز فرقة الصاعقة في العام نفسه، ثم تخرج في 22 يوليو 2013 برتبة ملازم فني، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته في خدمة القوات المسلحة.
وظل على قوة المعهد الفني للقوات المسلحة حتى 5 مارس 2014، وهو تاريخ إخلاء طرفه تمهيدًا لنقله إلى المنطقة الجنوبية العسكرية،
حيث خدم بإحدى كتائب المشاة في حلايب وشلاتين.
وخلال تلك الفترة، اكتسب محبة زملائه وتقدير قادته، بفضل أخلاقه والتزامه، قبل أن يصدر قرار توزيعه على الجيش الثاني الميداني بالإسماعيلية في 6 يناير 2015.
وفي الأول من يوليو 2015، رُقّي إلى رتبة ملازم أول، ولم يتوقف طموحه عند مسيرته العسكرية؛
إذ واصل تعليمه الجامعي، فالتحق بكلية الهندسة، قسم الميكانيكا، بجامعة بنها، فرع شبرا، سعيًا إلى الجمع بين واجبه الوطني وطموحه العلمي.
زفاف لم يكتمل.. وحلم أسري اختلط بواجب الوطن
بدأ الشهيد الاستعداد لتكوين أسرته، فصاحبته أسرته في أكتوبر 2015 لقراءة الفاتحة على خطيبته، ثم عُقد قرانه في يوليو 2016.
وفي الشهر نفسه، جاءه طلب النقل إلى إحدى كتائب المشاة في الشيخ زويد بشمال سيناء.
ولم يكن أفراد أسرته جميعًا على علم بمكان نقله؛ إذ اقتصر علم والده وعمه على وجه الخصوص بتفاصيل انتقاله.
وبحسب رواية أسرته، كان الشهيد سعيدًا بنقله إلى شمال سيناء، ولم يكن يرغب في أن يسعى والده إلى تغيير قرار نقله،
وكأنه كان قد اختار طريقه عن قناعة كاملة، مدركًا حجم المسؤولية التي يحملها على عاتقه.
مكالمة أخيرة.. كلمات الأب التي سبقت الخبر
في 29 أغسطس 2016، تلقى والد الشهيد مكالمة هاتفية من ابنه. وخلال الحديث، انتابه شعور غريب بأنه قد لا يرى ابنه مرة أخرى، أو يسمع صوته من جديد.
أنهى الأب مكالمته بكلمات تختصر المحبة والدعاء والتسليم بقضاء الله:
«أستودعك الله الذي لا تضيع عنده الأمانات، وإلى لقاء في الفردوس الأعلى إن شاء الله».
وفي اليوم التالي، تجدد إحساس الأب بالفقد، فكتب على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي هذه الآية الكريمة:
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.
وبعد نحو ست ساعات من كتابة هذه الكلمات، جاء الخبر الذي لم تكن الأسرة تتمنى سماعه: استشهاد الابن البطل محمد أيمن عبد المنعم بيومي.
كانت لحظة قاسية، اختلط فيها الإيمان بقضاء الله بحرقة الفراق، وتحولت الكلمات التي كتبها الأب إلى ذكرى لا تُنسى من أيام الوجع والوفاء.
زغاريد الوداع.. العريس الذي عاد إلى قريته شهيدًا
كان استقبال جثمان الشهيد في قريته مشهدًا مهيبًا، احتشد فيه الأهالي في وداع يليق ببطل قدّم روحه دفاعًا عن وطنه.
وتعالت الزغاريد في مشهد تختلط فيه مشاعر الفخر بالحزن؛ فكان الشهيد عريسًا لم يكتمل فرحه، وعاد إلى قريته محمولًا على الأكتاف،
تاركًا خلفه أحلامًا لم تكتمل، وأسرةً تواجه قسوة الفراق، ووطنًا لا ينسى أبناءه الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لأمنه واستقراره.
وشاهد الأب والأم ذلك المشهد المهيب بقلوب يعتصرها الألم. لم يكن وجعهما دليلًا على رفض قضاء الله، وإنما كان وجع الفراق الطبيعي لوالدين فقدا ابنهما، مهما أحاطت بهما مشاعر الفخر والاعتزاز بتضحيته.
لقد رحل النقيب محمد أيمن عبد المنعم بيومي، لكن سيرته بقيت شاهدًا على شاب جمع بين التفوق والطموح، وحُسن الخلق والانتماء، وبين حلم تأسيس أسرة وواجب عسكري أدّاه حتى النهاية.
رحم الله الشهيد البطل النقيب محمد أيمن عبد المنعم بيومي «الجوكر»، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وأحباءه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
الحلقة 50 من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب» — توثيق د. أحمد علي عطية الله.

