المكان الذي يسكننا
الرئيسية » المكان الذي يسكننا
منوعات

المكان الذي يسكننا

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

المكان الذي يسكننا

بقلم: عبد المجيد عبوبي

لا نعود إلى الأمكنة لأننا نحب الحجارة، بل لأن في كل حجر شيئًا منّا. البيت القديم لا يكون بيتًا فقط،

والشارع الذي عبرناه في الطفولة لا يكون مجرد طريق. إنهما رمزان، يحملان ما عجزنا أحيانًا عن قوله:

خوفنا الأول، وفرحنا الأول، وشعورنا بالأمان، ووجوه الذين غابوا، وأحلامًا لم نعرف يومًا كيف نصفها.

حين نقول: “أشتاق إلى الحي”، فنحن لا نشتاق إلى الأزقة وحدها. نشتاق إلى أنفسنا كما كنا هناك.

إلى ذلك الطفل الذي كان يركض بلا خوف، وإلى أمٍّ تنادي من الشرفة، وإلى بابٍ كان يكفي أن يُغلق كي يمنحنا إحساسًا غامضًا بالحماية.

هكذا يصبح المكان صلة بين الداخل والخارج: بين ما تراه العين، وما تخزنه النفس في أعماقها.

رموز لا تتكلم

لكل مكان لغته الخاصة. للبيت لغة، وللباب لغة، وللنوافذ لغة، وللمقهى الذي اعتدناه لغة أخرى. قد يدخل شخص إلى بيت قديم فيرى جدرانًا متآكلة،

بينما يراه صاحبه عالمًا كاملًا: غرفة ولادة، وسرير مرض، وفرح زفاف، وصمت فراق، وذكريات لم تغادر الجدران

 

حتى بعد أن غادرها أهلها

الرمز لا يشرح نفسه دائمًا. قد يبدو بسيطًا في الظاهر، لكنه يفتح داخلنا أبوابًا كثيرة.

نافذة تطل على زقاق قد تعيد إلى الذاكرة سنوات من الانتظار. رائحة رطوبة في بيت مهجور قد توقظ شعورًا قديمًا بالفقد.

ومقعد في حديقة قد يبدو عاديًا للناس، لكنه عند شخص آخر يحمل آخر حديث دار بينه وبين صديق رحل.

لهذا لا تكون ذاكرة المكان مجرد أرشيف للصور والأسماء والتواريخ. إنها ذاكرة مشاعر أيضًا.

إنها ما يبقى في النفس من المكان، وما يبقى في المكان من أثر الذين عاشوا فيه.

المدن التي تخفي وجوهها

المدينة الكبيرة تخفي طبقات كثيرة من الذاكرة. في الدار البيضاء، وفي القاهرة، وفي كل مدينة عربية، توجد شوارع لا تروي حكايتها الواجهات الحديثة.

خلف العمارات الجديدة قد يكون هناك بيت قديم هُدم، أو سينما أغلقت، أو مقهى كان يجمع المثقفين والعمال والطلبة،

أو ساحة شهدت لقاءات واحتجاجات وأفراحًا شعبية.

قد تبدو المدينة في الخرائط مجموعة طرق وأحياء، لكنها في وجدان سكانها شبكة من الرموز.

حيّ شعبي قد يمثل الكرامة والصبر والتضامن. محطة قطار قد ترمز إلى الفراق والهجرة.

البحر قد يحمل وعدًا بالرحيل أو ذاكرة انتظار طويلة. والسوق قد يكون أكثر من مكان للبيع والشراء؛ إنه صوت المدينة ورائحتها ونبضها اليومي.

حين تضيع هذه الأماكن أو تتغير بلا ذاكرة، لا نفقد معالم عمرانية فقط. نفقد جزءًا من اللغة التي كنا نفهم بها حياتنا.

ما تكشفه الأمكنة

أحيانًا لا نكتشف معنى المكان إلا بعد أن نغادره. حينها نعرف أن غرفة ضيقة كانت تعني لنا أكثر من مساحة للسكن،

وأن طريق المدرسة كان يرسم أول علاقة لنا بالعالم، وأن الحي الذي ضقنا به في المراهقة كان يمنحنا، رغم كل شيء، اسمًا ومكانًا وانتماءً.

المكان قد يعيد إلينا جرحًا قديمًا، لكنه قد يساعدنا كذلك على فهمه. ولهذا فإن العودة إلى الأماكن، بالزيارة أو بالكتابة أو بالصور أو بالحكي،

ليست عودة إلى الوراء بالضرورة. قد تكون طريقة هادئة لمصالحة النفس مع ما مضى، ولمنح التجربة معنى جديدًا.

في النهاية، لا تترك الأمكنة أثرها فينا وحدها؛ نحن أيضًا نترك فيها أثرًا، ولو لم يظهر للعين.

نترك خطواتنا، وأصواتنا، وانتظاراتنا، وما لم نقله. وعندما نكتب عن المكان، فنحن لا نصف مدينة أو بيتًا أو شارعًا فقط؛ نحن نقرأ جانبًا من حياتنا بلغة الرموز.

ذلك هو سرّ ذاكرة المكان: أنها لا تحفظ الماضي كما كان، بل تحفظ المعنى الذي تركه الماضي فينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *