بيوت لها حكاية..منزل الست وسيلة.. امرأة حفظ البيت اسمها
الرئيسية » بيوت لها حكاية..منزل الست وسيلة.. امرأة حفظ البيت اسمها حين صمت التاريخ عن حكايتها
مقالات

بيوت لها حكاية..منزل الست وسيلة.. امرأة حفظ البيت اسمها حين صمت التاريخ عن حكايتها

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

بيوت لها حكاية
حكايات النساء خلف أبواب القاهرة القديمة
منزل الست وسيلة.. امرأة حفظ البيت اسمها حين صمت التاريخ عن حكايتها

✍️ بقلم: داليا حسام

ليست كل امرأة عاشت في التاريخ تركت وراءها سيرةً مكتملة، وليست كل حكاية تستحق أن تُروى تحتاج إلى أميرة تجلس على عرش، أو امرأة تقود جيشًا، أو صاحبة نفوذ تتصدر كتب المؤرخين.

أحيانًا يكفي أن يبقى اسم امرأة على باب بيت، بينما تختفي تفاصيل حياتها خلف ستار الزمن، لنجد أنفسنا أمام سؤال أكبر من الحكاية نفسها:

كيف استطاعت امرأة أن تترك اسمها في ذاكرة مكان، بينما لم يحتفظ التاريخ إلا بالقليل عنها؟

في قلب القاهرة القديمة، بالقرب من الجامع الأزهر، يقف منزل الست وسيلة؛ بيتٌ يعود إلى القرن السابع عشر،

يحمل اسم امرأة لم تصلنا عنها سيرة مفصلة،

لكنه لا يزال شاهدًا على عالم من العمارة والحياة الاجتماعية التي عاشتها نساء القاهرة في عصور سابقة.

وهنا، لا تبدأ الحكاية من زخارف الجدران، بل من الاسم الذي بقي.


بيت بناه رجلان.. وحفظ اسم امرأة

تعود قصة المنزل إلى سنة 1074هـ/1664م، حين أنشأه الشقيقان عبد الحق ولطفي، ابنا محمد الكناني، في العصر العثماني.

ثم انتقلت ملكية المنزل عبر الزمن، حتى وصلت إلى السيدة وسيلة خاتون بنت عبد الله البيضا، التي كانت آخر من سكنه، فنُسب إليها وأصبح معروفًا باسم منزل الست وسيلة.


هذه المعلومات ليست تفصيلًا عابرًا في تاريخ المبنى؛ إنها المفتاح الذي ندخل منه إلى حكايته.

فالبيت الذي أنشأه رجلان قبل أكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن،

لم يحتفظ باسميهما في اسمه المتداول بين الناس، بل ارتبط باسم امرأة عاشت فيه في مرحلة لاحقة من تاريخه.

ولا يعني ذلك أن التاريخ تجاهل صاحبي البناء، فاسماهما محفوظان في النص التأسيسي للمنزل، لكن الاسم الذي استقر في الذاكرة العامة كان اسم الست وسيلة.

وهنا مفارقة تستحق التأمل: قد يشيد الإنسان بناءً، لكن المكان قد يحمل في ذاكرته اسم شخص آخر عاش بين جدرانه.

ماذا نعرف عن الست وسيلة؟

تذكر المصادر التاريخية الرسمية أن الست وسيلة خاتون بنت عبد الله البيضا كانت معتوقة الست عديلة هانم،

وأنها أصبحت آخر من سكن المنزل الذي حمل اسمها.
لكن المعلومات المتاحة عنها لا تقدم سيرة شخصية متكاملة؛

فلا نملك تفاصيل موثقة كافية عن طفولتها، أو يومياتها داخل البيت، أو ملابسها، أو طبيعة علاقاتها الاجتماعية، حتى نرويها باعتبارها حقائق تاريخية.

ومن هنا تأتي أهمية الأمانة في الكتابة عن النساء اللاتي لم تصلنا أخبارهن كاملة.

فليس من حقنا أن نملأ الفراغ بحكايات متخيلة، أو أن ننسب إلى الست وسيلة مواقف لم تثبتها الوثائق.

لكن من حقنا أن نتوقف أمام وجودها في تاريخ المنزل، وأن نسأل عن العالم الذي عاشت داخله، وعن المكانة التي يمكن أن يكشف عنها البيت بوصفه أثرًا تاريخيًا.

إن قلة المعلومات عن امرأة لا تعني أن حياتها كانت بلا قيمة؛ بل تعني أن ما وصل إلينا من ماضيها محدود،

وأن علينا احترام هذه الحدود بدلًا من اختراع سيرة لا نملك دليلًا عليها.

 


خلف الأبواب.. عالم النساء

إذا كان اسم الست وسيلة هو المدخل الإنساني للحكاية، فإن عمارة المنزل تساعدنا على فهم جانب من الحياة المنزلية في القاهرة خلال العصر العثماني.

يتكون المنزل من فناء مكشوف تحيط به عناصر معمارية مختلفة، ويضم دورًا أرضيًا وطابقين علويين.

وكان الطابق الأرضي يحتوي على غرف لتخزين الغلال والحبوب، وبئر للمياه، وإسطبل للخيل، وطاحونة، وحوض لسقاية الحيوانات،

إلى جانب قاعة السلاملك المخصصة لاستقبال الرجال والضيوف وإقامة الاحتفالات.

أما الأدوار العليا فتضم عناصر أخرى من العمارة السكنية، منها المقعد، وهو مساحة للجلوس، وقاعات وغرف تعكس تنوع وظائف البيت.


ولم تكن هذه التفاصيل مجرد مظاهر للزينة؛ فقد ارتبطت بتنظيم الحياة اليومية، وتوفير احتياجات الأسرة، واستقبال الضيوف، وإدارة شؤون المنزل.

وفي البيوت التقليدية من هذه الفترة، كان الفصل بين فضاءات استقبال الرجال ومساحات الحياة الخاصة للأسرة جزءًا من التنظيم الاجتماعي للبيت.

ومن خلال هذه العمارة نستطيع فهم الإطار الذي عاشت فيه النساء، وإن لم نستطع الجزم بتفاصيل الحياة اليومية للست وسيلة نفسها.

فالمنزل التاريخي لا يكشف لنا كل ما حدث داخله، لكنه يمنحنا أدلة مادية تساعدنا على فهم المجتمع الذي أنشأه واستخدمه.

البيت الذي كان أكثر من جدران

تخيّلوا منزلًا تتوزع فيه الوظائف بين تخزين الطعام، وتوفير المياه، ورعاية الحيوانات، واستقبال الضيوف،

والجلوس في المقعد، والحياة الخاصة داخل الغرف.

إنه ليس مجرد مكان للنوم، بل وحدة معيشية تتداخل فيها احتياجات الأسرة مع طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه.

ومن هذه الزاوية، تصبح دراسة البيوت التاريخية وسيلة لفهم جوانب لا تظهر دائمًا في الحكايات السياسية؛

فالتاريخ لا يتكون من أسماء الحكام والمعارك وحدها، بل من تفاصيل الحياة اليومية أيضًا.


كيف كانت تُدار البيوت؟ كيف نُظمت مساحات الاستقبال والخصوصية؟ ما الذي تخبرنا به أدوات المنزل ومرافقه عن احتياجات سكانه؟

هذه الأسئلة تفتح أمامنا بابًا مختلفًا لقراءة تاريخ المرأة؛ لا بوصفها شخصية تظهر فقط في مناسبات استثنائية،

وإنما باعتبارها جزءًا من الحياة الاجتماعية التي تشكلت داخل البيوت وخارجها.

ومع ذلك، يجب أن نفرّق بين ما تثبته العمارة عن طبيعة المنزل، وما لا نستطيع إثباته عن تجربة امرأة بعينها.

فالحرص على إبقاء الحكاية مشوقة لا ينبغي أن يأتي على حساب الحقيقة.

من بيت سكني إلى بيت يحتفي بالكلمة

ولم تتوقف رحلة منزل الست وسيلة عند انتهاء دوره بوصفه بيتًا للسكن.

فقد أصبح المنزل مقرًا لـبيت الشعر العربي، التابع لصندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، ليحتضن الفعاليات الشعرية والأدبية.


وهنا يكتسب المكان حياة جديدة؛ فبعد أن كان بيتًا تدور داخله تفاصيل المعيشة الخاصة،

أصبح فضاءً يلتقي فيه الشعراء والمبدعون، وتُستعاد من خلاله قيمة الكلمة في الثقافة المصرية.

إن انتقال المكان من وظيفة إلى أخرى لا يمحو تاريخه السابق، بل يضيف إلى طبقاته الزمنية فصلًا جديدًا.

وتلك واحدة من ميزات القاهرة التاريخية:

أن مبانيها لا تحتفظ بآثار العصور التي شُيدت فيها فقط، بل تواصل أحيانًا أداء أدوار ثقافية تجعلها حاضرة في حياة المدينة.

امرأة بقي اسمها.. وبقيت الأسئلة

ربما لا نعرف عن الست وسيلة ما يكفي لنكتب سيرة حياتها كاملة، لكننا نعرف أنها كانت آخر من سكن هذا المنزل، وأن اسمها ظل مرتبطًا به حتى اليوم.

ولا ينبغي أن نحمّل هذه الحقيقة أكثر مما تحتمل؛ فبقاء اسمها لا يخبرنا وحده بطبيعة شخصيتها أو حجم نفوذها أو تفاصيل حياتها.

لكنه يمنحنا سببًا مشروعًا للبحث، ويذكرنا بأن وراء كل أثر تاريخي أناسًا عاشوا في زمنه،

وكانت لهم احتياجاتهم وعلاقاتهم وتجاربهم، حتى عندما لا تحفظ لنا الوثائق أسماءهم جميعًا.


ومن هنا تأتي قيمة هذه السلسلة: أن نقرأ البيوت لا باعتبارها أحجارًا صامتة، بل شواهد على حياة المجتمع،

وأن نعيد النظر في حضور النساء داخل التاريخ من دون أن ننسب إليهن ما لا نعرفه.

فالست وسيلة لا تحتاج إلى حكاية مخترعة كي تستحق أن نكتب عنها؛ يكفي أن نبدأ بما نعرفه، وأن نحترم ما لم يصل إلينا.

في القاهرة القديمة، ما زالت البيوت تحتفظ بأسماء أصحابها وسكانها، وتمنحنا فرصة للبحث عن وجوه غابت،

وأدوار لم تُروَ كاملة، وتفاصيل تساعدنا على فهم مجتمع كان مختلفًا عن مجتمعنا، لكنه ترك لنا شواهد حية تستحق القراءة.

وهكذا نغلق باب منزل الست وسيلة، لا لأن الحكاية اكتملت، بل لأن البحث التاريخي الحقيقي يعرف أن بعض الأسئلة تظل مفتوحة،

وأن احترام الحقيقة أهم من امتلاك إجابة لا دليل عليها.

بيوت لها حكاية.. لأن وراء كل بيت تاريخًا، ووراء كل اسم سؤالًا يستحق أن نبحث عن إجابته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *