نحبهم بعد أن نفقدهم… فلماذا لا نسأل عنهم وهم أحياء؟
الرئيسية » نحبهم بعد أن نفقدهم… فلماذا لا نسأل عنهم وهم أحياء؟
مقالات

نحبهم بعد أن نفقدهم… فلماذا لا نسأل عنهم وهم أحياء؟

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

نحبهم بعد أن نفقدهم… فلماذا لا نسأل عنهم وهم أحياء؟

✍️ بقلم عبد المجيد عبوبي – المغرب

حين يرحل شخص، تمتلئ صفحته بالكلمات والصور والاعترافات المتأخرة: كان طيبًا، كان قريبًا، كان يستحق الحب.

لكن السؤال الأكثر إيلامًا يبقى:

أين كان هذا الحضور حين كان حيًا؟ هل انتبهنا إلى صمته، إلى انسحابه، إلى حاجته لمن يسأل عنه بلا مناسبة؟

هذه المفارقة ليست مجرد مسألة أخلاقية، بل تكشف تحولًا عميقًا في بنية العلاقات داخل الأسرة والحي والمدينة،

في المغرب كما في مصر. فنحن لا نفتقد الناس بعد موتهم فقط؛ بل نفتقد، قبل ذلك، القدرة على رؤيتهم وهم يتعبون بصمت.

الأسرة ليست بيتًا يجمع أفرادًا تربطهم القرابة، بل هي أول فضاء يتعلم فيه الإنسان الحب والثقة والتكافل والشعور بأنه مرئي ومسموع.

غير أن الأسرة في المغرب ومصر تعيش تحولات واسعة: تراجع السكن المشترك بين الأجيال، وصارت الأسرة الصغيرة أكثر حضورًا،

واتسعت المسافة بين الأبناء والأجداد والأقارب، حتى حين بقيت المودة والواجب العائلي قائمين.

في المغرب

تتجه الحياة الأسرية نحو تقلص عدد أفراد البيت وتزايد حضور الأسرة الصغيرة. ولا يعني ذلك انهيار العائلة أو انقطاع روابط القربى،

لكنه يعني أن العيش اليومي لم يعد يدور، كما كان في السابق، حول الأسرة الكبيرة.

فالأجداد والأعمام والأخوال قد يبقون حاضرين في المناسبات والأزمات، لكنهم لا يعيشون بالضرورة تفاصيل اليوم الواحد مع الأبناء والأحفاد.

أما في مصر

فما تزال القرابة تحتفظ بمكانة قوية، خصوصًا في الريف والصعيد والأحياء الشعبية.

فالأسرة الكبيرة تظل مصدر حماية ومساندة ووساطة في الحياة. غير أن الانتقال إلى القاهرة والإسكندرية والمدن الجديدة،

مع ضغط السكن والعمل وتكاليف المعيشة، جعل الأسرة أصغر وأقل احتكاكًا يوميًا بالأقارب، من دون أن تفقدهم كليًا.

كان الريف والمدينة القديمة، في المغرب ومصر، يقومان على معرفة متبادلة بين الناس.

يعرف الجار جاره، وتصل أخبار البيت إلى المحيط القريب، ويصبح الغياب أو المرض أو الحزن أمرًا يلاحظه الآخرون.

ولم تكن تلك الحياة مثالية؛ فقد حملت أحيانًا رقابة على الأفراد وضغطًا من الأعراف.

لكنها حفظت قيمة أساسية:

 

أن الإنسان لا يمر بسهولة خارج انتباه الجماعة

وقد نبه عالم الاجتماع المغربي محمد جسوس إلى أن تفكك البنى التقليدية لا يصنع تلقائيًا علاقات حديثة أكثر دفئًا أو تضامنًا.

ففي المدينة الجديدة، قد تضعف روابط العائلة الكبيرة والجيرة، من غير أن تنشأ بالسرعة نفسها روابط بديلة تحمي الفرد من الوحدة والعزلة.

وهذه الفكرة لا تخص المغرب وحده. ففي مصر أيضًا، أدت الهجرة الواسعة من الريف والصعيد إلى المدن إلى تغيير أنماط العيش.

ينتقل الناس حاملين معهم قيم التضامن العائلي، لكنهم يواجهون مدينة سريعة، وسكنًا ضيقًا، وعملًا مرهقًا، وعلاقات أقل استقرارًا.

لذلك يبقى القريب حاضرًا عند الزواج أو المرض أو الوفاة، لكنه قد يغيب عن تفاصيل الحياة الصغيرة التي يحتاج فيها الإنسان إلى من يصغي إليه.

 

وسائل التواصل الاجتماعي

وسائل التواصل جعلت التعزية أسرع وأوسع، لكنها لا تعوض الحضور الإنساني. يستطيع المرء أن يتلقى عشرات كلمات المواساة،

وأن يقرأ عبارات كثيرة من المحبة بعد الرحيل، لكن ذلك لا يعوض سؤالًا صادقًا في وقت الضيق، ولا زيارة في لحظة عزلة، ولا صديقًا ينتبه إلى تغير صوت صديقه.

المشكلة ليست في الكتابة عن الراحلين، ولا في مشاركة الحزن؛ فذلك شكل من أشكال الوفاء.

المشكلة أن يتحول الحزن إلى لحظة جماعية صاخبة، فيما يظل الألم في الحياة فرديًا وصامتًا. نكتب كثيرًا بعد الموت، لكننا قد نسأل قليلًا قبل الموت.

إن التحولات في المغرب ومصر لا تعني أن المجتمع فقد إنسانيته، بل تعني أن التضامن يحتاج اليوم إلى تجديد.

فالعائلة لم تعد وحدها قادرة على حمل كل أعباء الرعاية، والجيرة لم تعد تؤدي دائمًا وظيفتها القديمة، والمدينة الحديثة لا تمنح الناس وقتًا سهلًا للعلاقات العميقة.

لا نحتاج إلى العودة إلى الماضي بكل ما فيه، ولا إلى رفض المدينة أو وسائل التواصل.

نحتاج فقط إلى استعادة ما كان جوهريًا في الأسرة والحي: الانتباه إلى الإنسان وهو حي.

أن نسأل بلا مناسبة. أن نزور بلا مصلحة. أن نصغي من دون فضول.

أن نلاحظ الصمت الطويل، والغياب المفاجئ، والتعب الذي يخفيه صاحبه بابتسامة عابرة.

فالحب لا يقاس بعدد الكلمات التي تُكتب على صفحة الراحل، بل بقدرتنا على أن نكون قرب من نحبهم قبل أن يصبحوا ذكرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *