الرئيسيةمقالاتزلزال القيم لماذا يسقط الضمير ولا ينهض حتى تحت سياط العقاب؟
مقالات

زلزال القيم لماذا يسقط الضمير ولا ينهض حتى تحت سياط العقاب؟

زلزال القيم لماذا يسقط الضمير ولا ينهض حتى تحت سياط العقاب؟

بقلم / ياسر عبدالله

نعيش اليوم في عصر السيولة الأخلاقية حيث باتت المبادئ التي كانت يوما ثوابت لا تتزعزع مجرد وجهات نظر قابلة للتفاوض إن ما نشهده اليوم من فساد الأخلاق ليس مجرد هفوات فردية بل هو تآكل صامت في جدار الإنسانية حيث طغت المادة على المعنى وأصبح الوصول للقمة يبرر دهس كل القيم في الطريق ولكن السؤال الأكثر إثارة للحيرة هو لماذا يصر الفاسد على فساده ولماذا لا يرتدع البعض حتى بعد أن يذوقوا مرارة العقاب؟

 

إن أول ملامح فساد الأخلاق المعاصر هو تزييف المصطلحات فلم يعد الغش غشا بل صار فهلوة ولم يعد النفاق نفاقا بل أصبح ذكاء إجتماعيا وهذا التلاعب باللغة خلق بيئة حاضنة للفساد حيث يرى المرء نفسه بطلا في روايته الخاصة متجاوزا القوانين والشرائع لقد تحولت الأخلاق من بوصلة داخلية إلى قناع خارجي يُرتدى في المحافل ويُخلع عند المصالح.

 

قد يظن البعض أن العقاب سواء كان قانونيا أو اجتماعيا كفيل بتقويم المعوج لكن الواقع يصدمنا بتكرار الجرائم الأخلاقية والمالية وغيرها من نفس الأشخاص والسبب يكمن في عدة نقاط نفسية وهيكلية:

أولا :تبلد الحواس الأخلاقية فمع التكرار يموت وخز الضمير وأصبح العقاب بالنسبة للفاسد المحترف ليس درسا تربويا بل هو تكلفة ممارسة العمل فهو يرى العقاب مجرد عقبة تقنية في طريقه وليس خطأ يتطلب التوبة.

ثانيا : الإنكار وبطولة الضحية فنادرا ما يعترف الفاسد بخطئه أمام نفسه ويري نفسه دائما ضحية مؤامرة أو كبش فداء أو مجرد شخص سيئ الحظ تم الإمساك به بينما يفعل الجميع نفس الشيء وهذا التبرير الذاتي يمنع العقاب من ملامسة جوهر التغيير لديه.

ثالثا : غياب الرادع الداخلي أمام سطوة المادة فعندما يصبح المال هو الإله الجديد للمجتمع تتقزم قيمة الكرامة أو السمعة ويري الفاسد أنه بالعقاب قد خسر جولة لكنه بالمال الذي جمعه أو سيجمعه سيشتري الإحترام مرة أخرى.

رابعا : البيئة المحيطة فإذا خرج الفاسد من عقابه ليجد مجتمعا لا يزال يصفق لأصحاب النفوذ بغض النظر عن مصدر نفوذهم فإنه لن يجد سببا للتعلم فالمجتمع الذي يغفر للفاسد من أجل ماله أو سلطته هو شريك في تحصينه ضد الإتعاظ.

 

الخلاصة : إن العقاب الجسدي أو المالي يطال القشرة الخارجية فقط لكنه لا يصل إلى الجذور ففساد الأخلاق هو مرض في التصور فالفاسد يرى الحياة صراعا للبقاء للأشرس لا للأصلح لذا فإن السجون لا تصنع دائما بشرا أفضل بل قد تصنع أحيانا فاسدين أكثر حذرا وخبرة في الإلتفاف على القانون.

إننا بحاجة إلى ثورة أخلاقية تبدأ من الأسرة والمدرسة لتعيد الإعتبار للقدوة وتنزع الهالة عن الناجح بلا مبدأ فالعقاب ضرورة قانونية لكن الوعي هو الضمانة الأخلاقية وبدون ضمير حي يظل العقاب مجرد إستراحة محارب يعود بعدها الفاسد ليفسد بشكل أكثر احترافية.

وكما قال ابن خلدون الظلم مؤذن بخراب العمران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *