الشهيد النقيب أحمد عادل مرق.. سيرة بطل من شهداء الواجب في شمال سيناء
الرئيسية » الشهيد البطل النقيب أحمد عادل مرق.. رجل صدق ما عاهد الله عليه
مقالات

الشهيد البطل النقيب أحمد عادل مرق.. رجل صدق ما عاهد الله عليه

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

الحلقة 48 من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»

الشهيد البطل النقيب أحمد عادل مرق.. رجل صدق ما عاهد الله عليه

 

توثيق: د. أحمد علي عطية الله

 

«﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾

صدق الله العظيم.»

 

في سجل شهداء الواجب، هناك رجال لا تُختصر سيرتهم في لحظة الاستشهاد، لأن ما سبقها من مواقف يكشف معدن أصحابها، وما تركوه خلفهم من أثر يبقى شاهدًا على حياة عاشوها بالمسؤولية والانتماء.

 

ومن هؤلاء الرجال الشهيد البطل النقيب أحمد عادل مرق، ابن محافظة المنوفية، مركز تلا، قرية صفط جدام، الذي اختار منذ شبابه أن تكون خدمته لمصر طريقًا لحياته، وظل متمسكًا بهذا الاختيار حتى اللحظة الأخيرة.

 

إصابة لم تمنعه من العودة إلى الميدان

 

في عام 2016، وأثناء إحدى المداهمات ضد العناصر التكفيرية في شمال سيناء، أُصيب أحمد بطلق ناري في كتفه، وخضع للعلاج والعمليات الجراحية لفترة طويلة.

 

وبعد أن منّ الله عليه بالشفاء، لم يكن أول ما يشغله الراحة أو الابتعاد عن الخطر، بل العودة إلى مكان خدمته.

 

كان يرى أن عودته واجب، وأن عليه أن يكمل ما بدأه، خاصة بعدما فقد عددًا من زملائه في العمليات التي شارك فيها.

 

وعلى الرغم من اعتراض والدته الشديد، عاد أحمد إلى الخدمة، واستمر في أداء واجبه حتى استشهاده.

 

طفل هادئ.. حمل مبكرًا صفات الرجل

 

وُلد أحمد عادل مرق في الأول من مارس عام 1995، ووافق مولده السابع والعشرين من رمضان.

 

منذ طفولته كان محبوبًا من الجميع، لكنه لم يكن مدللًا. كان هادئ الطباع، متزنًا، يحظى باحترام من حوله، حتى في لعبه مع أبناء عمومته وأبناء أخواله.

 

وكان والده، بحكم طبيعة عمله وسفره المتكرر إلى السعودية، يرى فيه رجل البيت أثناء غيابه.

 

وكان أحمد شديد العطف على شقيقه الأصغر محمد، الذي كان يصغره بنحو 11 عامًا. كان يصطحبه معه ويقضي معه أوقاتًا طويلة، حتى إنه اشترى له لعبة الشطرنج وكان يشاركه اللعب ويعلمه إياها.

 

طالب متفوق.. وصديق لكل زملائه

 

درس أحمد في المرحلة الابتدائية بمدرسة شبرا بتوش، حيث كانت والدته تعمل معلمة ثم وكيلة للمدرسة.

 

ولم تصل إلى أسرته شكوى واحدة بشأنه، بل كان من الطلاب المتفوقين، وحصل على المركز الثاني على مستوى المدرسة.

 

ثم انتقل إلى مدرسة صفط جدام الإعدادية، وهناك ارتبط بمجموعة من أصدقائه الذين ظلوا بعد استشهاده على صلة قوية بأسرته، يقدمون لها الدعم والمساندة.

 

وفي المرحلة الثانوية التحق بمدرسة عز الدين شلتوت الثانوية، وتخرج فيها بمجموع 95%.

 

ورغم تفوقه، ظل شديد التواضع، خدومًا لزملائه، الذين لم ينظروا إليه باعتباره مجرد صديق، وإنما اعتبروه أخًا لهم، وكان يبادلهم الشعور نفسه، ويشاركهم لعب كرة القدم وقضاء أوقاتهم معًا.

 

اختار الحربية رغم حلم والدته

 

كان أحمد يعرف الطريق الذي يريد أن يسلكه.

 

استأذن والده في سحب ملف التقديم إلى الكلية الحربية وكلية الشرطة، فوافق الأب، بينما اعترضت والدته.

 

كانت الأم تتمنى أن يلتحق بكلية الهندسة، وأن يبقى قريبًا منها، خاصة مع سفر والده لفترات طويلة للعمل في السعودية، وكانت تراه مسؤولًا عن البيت.

 

لكن أحمد كان مصممًا على أن يخدم وطنه، سواء في الشرطة أو القوات المسلحة.

 

وفي اليوم نفسه سحب ملفي التقديم للشرطة والحربية، وبدأ رحلة الاختبارات.

 

كان والده يصطحبه بسيارته قبل الفجر، وينتظره ساعات طويلة حتى ينتهي من الاختبارات، واستمر الأمر عدة أشهر، حتى اجتاز أحمد الاختبارات بنجاح.

 

وفي عام 2013 التحق بالكلية الحربية.

 

هناك ازدادت صفاته قوة وصقلًا، وتخرج عام 2015 ضمن سلاح المشاة.

 

شمال سيناء.. المكان الذي اختاره أحمد بنفسه

 

لم يكن أحمد ينظر إلى الخدمة العسكرية باعتبارها وظيفة فقط، بل كان يرى فيها مسؤولية وواجبًا تجاه الوطن.

 

وبعد تخرجه طلب أن تكون خدمته في شمال سيناء، حيث كان يريد مواجهة العناصر التكفيرية والدفاع عن مصر.

 

بدأ خدمته في المليز بوسط سيناء عام 2015، ثم تم ندبه إلى العريش.

 

ولم يخبر أسرته بمكان خدمته الحقيقي إلا عدد قليل من المقربين.

 

وعندما كانت والدته تسأله عن مكان خدمته، كان يجيبها ببساطة:

 

«على شاطئ القناة».

 

رصاصة في الكتف.. وإصرار على العودة

 

في 19 أبريل 2016، كان من المفترض أن ينزل أحمد في إجازة.

 

اتصلت به والدته وسألته:

 

«أنت نازل النهارده؟»

 

فأجابها بأنه سقط من فوق دبابة وأصيب بكسر في ذراعه، وطلب منها أن تقابله في مستشفى الحلمية وتحضر له بعض الملابس.

 

لكن الأم عندما وصلت إلى المستشفى اكتشفت أن الأمر أكبر من مجرد كسر.

 

كانت ملابس أحمد وملاءة سريره مغطاة بالدماء، وحوله عدد كبير من الأطباء.

 

سألته والدته:

 

«كل ده من الكسر؟»

 

ثم علمت أن رصاصة اخترقت كتفه أثناء مطاردة لعناصر تكفيرية في إحدى المناطق العشبية.

 

خضع أحمد لعدة عمليات جراحية، وقضى فترة في العلاج والمتابعة.

 

وخلال وجوده بالمستشفى، توافد أهالي قريته وأقاربه وجيرانه لزيارته والاطمئنان عليه، حتى إن بعض أقاربه كانوا يبيتون أسفل المستشفى انتظارًا لموعد الزيارة.

 

«يا أمي.. عايز أكمل خدمة بلدي»

 

بعد نحو ستة أشهر من العلاج واللجان الطبية، تماثل أحمد للشفاء.

 

كان بإمكانه أن يطلب الابتعاد عن مناطق الخطر، لكن رغبته كانت مختلفة.

 

أراد العودة إلى وحدته ومكان خدمته.

 

اعترضت والدته بشدة، بينما أيده والده، قائلًا:

 

«لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا».

 

وكان أحمد يقول لوالدته:

 

«يا أمي، أنا لم أخدم بلدي إلا فترة قصيرة، وسني صغير، وعاوز أكمل خدمة بلدي».

 

وبالفعل عاد إلى المليز بوسط سيناء في ديسمبر 2016.

 

عاد إلى العريش.. وكأنه ذاهب إلى موعد مع قدره

 

بعد نحو شهرين، علم أحمد باستشهاد أحد زملائه في العريش.

 

طلب العودة إلى هناك ليحل مكان زميله.

 

في البداية كان هناك رفض، لكنه أصر على طلبه، حتى تمت الموافقة على عودته.

 

وفي الوقت نفسه كانت أسرته تستعد لخطوبته وزواجه، وكانت والدته قد أتمت إجراءات الخطبة، وسط مباركة العائلة.

 

لكن أحمد عاد إلى العريش دون أن يخبر أسرته بكل تفاصيل تحركاته.

 

وكانت والدته قد رأته للمرة الأخيرة قبل استشهاده بنحو 17 يومًا.

 

كان من المقرر أن يعقد قرانه خلال إجازته، لكن فقدان بطاقته الشخصية وتأخر استخراج الأوراق حال دون إتمام عقد القران.

 

وفي تلك الإجازة جلس مع والدته قرابة أربع ساعات، يتحدث معها في أمور كثيرة؛ عن البلد، وعن تجهيز شقته، وعن الأسرة وأخيه ومستقبله.

 

وكان هذا الحديث الطويل مختلفًا عن عادته.

 

لحظات بدت وكأنها وداع

 

في يوم سفره صلى أحمد الفجر، ثم ساعدته والدته في تجهيز حقيبته.

 

وكان والده وشقيقه الأصغر محمد معه لتوصيله إلى شبين الكوم.

 

اعتاد أحمد قبل كل سفر أن يصافح والدته ويحتضنها ويوصيها على شقيقه محمد.

 

لكن هذه المرة خرجت والدته فلم تجده.

 

كان قد نزل إلى السيارة.

 

نادته من النافذة، وقالت له إنه لم يسلّم عليها.

 

فأجابها:

 

«خلاص يا ماما.. مع السلامة».

 

وشعرت الأم وقتها بانقباض شديد في قلبها.

 

وبعد وصوله إلى شبين، اكتشف أنه نسي حقيبته، وظل يوصي شقيقه الأصغر بنفسه وبوالدته.

 

كانت الأسرة، دون أن تعرف، تعيش بالفعل لحظات الوداع الأخيرة.

 

آخر مكالمة

 

كانت آخر مكالمة بين أحمد ووالدته مساء اليوم السابق لاستشهاده.

 

وبعد محاولات عديدة بسبب ضعف الشبكة، جاء صوته في كلمات قليلة:

 

«إزيكم؟ عاملين إيه؟ أنا كويس.. هكلمكم بعدين».

 

وانتهت المكالمة.

 

وفي اليوم التالي، 19 يوليو 2017، كانت خطيبته تتصل بوالدته بقلق وتسألها:

 

«هو أحمد اتصل بكم النهارده؟»

 

فأجابتها الأم بأنه لم يتصل وأن هاتفه مغلق.

 

ثم أخبرتها خطيبته أن أصدقاء أحمد نشروا صورته على موقع فيسبوك ويتحدثون عن استشهاده.

 

دخل القلق إلى قلب الأسرة، وحاولت والدته الاتصال بعدد من زملائه، لكن أحدًا لم يجبها.

 

وبعد نحو ساعتين، جاء الخبر.

 

استشهاد أحمد.

 

«كان ابن مصر قبل أن يكون ابني»

 

تروي والدته أنها كانت دائمًا تشعر بالقلق عليه، وكأن قلبها كان يخبرها بأن الفراق قريب.

 

وتقول إن أحمد لم يكن ابنها وحدها، بل كان ابن مصر، عاش من أجلها ومات دفاعًا عنها، حتى تنعم الأسر بالأمان في بيوتها.

 

كانت الأسرة تستعد لفرحه بعد أسابيع قليلة، لكنه رحل قبل أن تكتمل فرحته.

 

وتروي والدته أن أحمد كان قد ارتدى ملابسه المدنية استعدادًا للعودة، لكن تأخر زميل كان من المفترض أن يتولى مهمة تأمين دعم متجه إلى العريش جعله يعود إلى مهمته مرة أخرى.

 

وأثناء العودة وقع اشتباك، وانفجر لغم في المدرعة، وأصيب اثنان من الجنود، بينما أصابت رصاصة أحمد، ليرحل شهيدًا.

 

جنازة لم تشهد القرية مثلها

 

شُيع جثمان الشهيد يوم الخميس، ملفوفًا بعلم مصر، في جنازة كبيرة شارك فيها أهالي القرية والمحافظة وعدد من القيادات والشخصيات العامة.

 

وتروي والدته أنها لم تستطع حتى الاقتراب من جثمانه أو الصلاة عليه داخل المسجد من شدة الزحام.

 

وبعد استشهاده أُطلق اسمه على مدرسة في قريته، وأصبحت والدته تعمل بها مديرة.

 

كما دُعيت من القوات المسلحة لأداء فريضة الحج، فأدتها عن ابنها، بعدما كانت قد أدت الفريضة من قبل.

 

وتم تكريمها خلال احتفالية عيد الفطر بحضور رئيس الجمهورية، كما أُنشئ مسجد للشهداء يحمل اسم الشهيد في القرية.

 

عمة الشهيد: كان ابني الذي تمنيت أن أعتمد عليه

 

وتروي عمته، السيدة سامية عبد الفتاح إسماعيل مرق، أن أحمد نشأ في أسرة محبة للوطن والعطاء.

 

وتذكر أن جده، الحاج عمر، كان من حفظة القرآن ومن المهتمين بالتعليم، وأنه أسهم في بناء المدرسة التي حملت لاحقًا اسم الشهيد.

 

وتصف أحمد بأنه كان شابًا خلوقًا، محبًا للناس، عطوفًا على أسرته، وأنها كانت تعتبره ابنًا لها.

 

وتقول إن استشهاده ترك حزنًا عميقًا في الأسرة، حتى إن جدته التي كانت شديدة التعلق به رحلت بعده بثلاثة أشهر، وكانت قد أوصت بالتبرع باسم الشهيد لأعمال الخير.

 

«كنت أشعر أنه يودعني»

 

من أكثر المواقف تأثيرًا التي ترويها عمته، أنها في إحدى المرات جلست معه، فوجدته يوصيها كثيرًا بوالدته وشقيقه محمد.

 

وقال لها:

 

«آخر مرة أشوفك فيها يا عمتو».

 

وتقول إن كلماته ونظراته في ذلك اليوم تركت بداخلها إحساسًا غريبًا، وكأنه كان يودعها بالفعل.

 

وتؤكد أن أحمد كان شديد الحب لوطنه، وكان دائمًا يطلب منها أن تكتب عن شهداء الجيش الذين رحلوا دفاعًا عن الوطن.

 

وعندما زارته أثناء إصابته الأولى، قال لها إن أكثر هدية يمكن أن تسعده هي أن تكتب عن الشهداء.

 

فكتبت له قصيدة بعنوان:

 

«يا حماة الديار»

 

كلمات حملت فيها عمته مشاعرها تجاه الجيش والشهداء، وظلت تلك القصيدة بالنسبة إليها واحدة من أهم الكلمات التي أهدتها للشهيد.

 

وتقول إن أحمد كان يملك إحساسًا دائمًا بأنه سيصبح شهيدًا، وكان يتحدث عن زملائه الشهداء، ويطلب أن تظل سيرتهم حاضرة في الكتابة والذاكرة.

 

من «مناجاة» أم شهيد إلى كل أم فقدت ابنها

 

وفي ختام شهادتها، توجهت عمته بالدعاء للشهداء ولأسرهم، متمنية الصبر لكل أم فقدت ابنًا في سبيل حماية الوطن.

 

ومن بين كلماتها:

 

««دعوت الله رب العالمين

أن يملأ قلوبنا حبًا وحنينًا

ورجاءً لبشرى منك ربي للصابرين

وأن تكون لكل أم شهيد تشعر بالأنين

فكن لها ربي بالإحسان

واجعلها في درب الصالحين».»

 

أحمد عادل مرق.. سيرة لا تختصرها لحظة الاستشهاد

 

لم تكن قصة النقيب أحمد عادل مرق مجرد قصة ضابط استشهد في شمال سيناء.

 

إنها حكاية شاب اختار طريقه مبكرًا، وتعلم المسؤولية قبل أن يحمل رتبة عسكرية، ورفض أن تكون إصابته سببًا للابتعاد عن الميدان، وعاد إلى زملائه ومكان خدمته، بينما كانت أسرته تستعد لفرحه.

 

رحل أحمد قبل أن يكتمل زفافه، لكنه ترك خلفه أسرة، وأصدقاء، وطلابًا، وأهل قرية، وذكرى رجل رأى أن خدمة وطنه مسؤولية لا يتراجع عنها.

 

رحم الله الشهيد البطل النقيب أحمد عادل مرق، ورحم جميع شهداء مصر، وألهم أسرهم الصبر والسلوان.

 

الحلقة 48 من سلسلة «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»

توثيق: د. أحمد علي عطية الله

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *