المغرب: مصطفى الغليمي
في الآونة الأخيرة، أصبحنا نتحدث كثيراً عن “الرياضة للجميع”، وأصبح مصطلح Sport pour tous حاضراً بقوة في المنابر الإعلامية ،
والملتقيات والبرامج الرياضية.
وهو شعار جميل، بل هو في جوهره مبدأ إنساني نبيل.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
هل نمارس فعلاً الرياضة للجميع؟ أم أن مفهومنا للرياضة ما زال مرتبطاً، بشكل كبير، بالشباب؟
الحقيقة أن فكرة “الشباب والرياضة” لا تزال هي الطاغية.
فمعظم الرياضات، وعلى رأسها كرة القدم بصيغتها المعروفة، تقوم على السرعة، والركض، والاحتكاك، والتنافس القوي،
وهي أمور تجعل من الصعب على فئة الكبار مواصلة الممارسة بالشروط نفسها التي يمارس بها الشباب.
ومع مرور السنوات، يصبح عامل السن واقعاً لا يمكن تجاهله.
فتتراجع السرعة، وتتغير القدرات البدنية، ويصبح الحفاظ على سلامة اللاعب أولوية.
وهنا، بدل أن ينسحب الإنسان من الرياضة، اختار الكثير من الكبار أن يغيروا طريقة ممارستها.
ظهرت رياضات وقوانين تراعي خصوصيات هذه الفئة، وتحافظ على صحتها وسلامتها، دون أن تحرمها من متعة اللعب وروح المنافسة.
قوانين تمنع الركض بالكرة أو بدونها، وتمنع الانزلاق، والضربات الرأسية، والتلاحم والاحتكاك الزائد…
وهذا ليس تراجعاً عن الرياضة.
بل هو، في الحقيقة، تطور في مفهوم الرياضة نفسها.
رياضة تتكيف مع الإنسان، وتحترم عمره وقدراته، وتمنحه فرصة للاستمرار بدل أن تدفعه إلى الاعتزال.
لماذا لا نحمي هذه الفئة ونُدمجها؟
إذا كنا نتحدث بجدية عن Sport pour tous، فلماذا لا تحظى فئة الكبار بالاهتمام نفسه الذي نحاول أن نوفره للأطفال والشباب؟
لماذا لا تكون هناك برامج رياضية وطنية واضحة لهذه الفئة؟
لماذا لا نوفر لها التأطير، والملاعب، والتجهيزات، والتغطية الطبية، والمسابقات المنتظمة، والدعم اللوجستي والإعلامي؟
ولماذا لا ننظر إلى الرياضة باعتبارها إحدى الوسائل المهمة لتحقيق شيخوخة نشيطة وصحية وفاعلة؟
فالرياضة بالنسبة إلى الإنسان الكبير ليست مجرد مباراة.
إنها وسيلة للحفاظ على الصحة.
وسيلة لمحاربة العزلة.
نعم انها وسيلة لبناء علاقات اجتماعية جديدة.
وسيلة لاستعادة الثقة بالنفس.
كما أنها أيضا وسيلة للبقاء فاعلاً داخل المجتمع.
بل إنها أحياناً تصبح جزءاً أساسياً من معنى الحياة نفسها.
الكبار لا يريدون الشفقة
هذه الفئة لا تطلب امتيازات ولا تريد أن تعامل باعتبارها فئة ضعيفة.
إنها تريد فقط الاعتراف بها كجزء من الحركة الرياضية.
فالكثير من هؤلاء اللاعبين لهم تاريخ رياضي طويل، وذكريات، وتجارب، وانتصارات، وأصدقاء صنعوا معهم جزءاً من تاريخ الرياضة.
واليوم، رغم تقدمهم في السن، ما زالوا يحملون القميص الوطني، ويرفعون الراية الوطنية، ويقفون احتراما أثناء عزف النشيد الوطني.
أي قيمة يمكن أن تكون أكبر من هذا الشعور بالانتماء؟
مشاركات دولية تؤكد أن الحلم لم ينتهِ
المشاركات الدولية الأخيرة لهذه الفئة تعطينا درساً واضحاً.
ففي كأس العالم للكبار بإسبانيا في أكتوبر 2025، كان الحضور مشرفاً، واستطاعت هذه الفئة أن تمثل الكرة العربية والإفريقية في محفل دولي كبير.
كما أن مشاركتها في دوريات دولية، من بينها دوري مايوركا ودوري نانت، أثبتت أن اللاعب الكبير قادر على المنافسة،
وقادر على تشريف بلده، وقادر على الوقوف أمام منتخبات ومدارس كروية قوية.
ووصول الفدرالية المغربية لكرة القدم بالمشي إلى المركز الثالث في إحدى هذه المنافسات ليس إنجازاً عادياً.
إنه دليل على أن هناك طاقات، وإرادة، وشغفاً، وكفاءات تستحق أن تحظى بالمزيد من الاهتمام.
فهؤلاء اللاعبون لم يأتوا إلى الملاعب ليقولوا:
“نحن كبار، ارحمونا.”
بل جاؤوا ليقولوا:
“نحن كبار… ولكننا ما زلنا قادرين.”
الحلم بالقميص الوطني لا يعرف العمر
ما أجمل أن ترى لاعباً كبيراً ما زال يحلم بحمل القميص الوطني.
و ما أجمل أن ترى رجلاً تجاوز مرحلة الشباب، لكنه ما زال يشعر بالفخر عندما يرتدي ألوان بلده.
ما أجمل أن ترى الراية الوطنية مرفوعة، والنشيد الوطني يُعزف، واللاعبون الكبار يقفون بخشوع، ثم يدخلون إلى الملعب للدفاع عن اسم المغرب.
في تلك اللحظة، يصبح العمر مجرد رقم.
وتصبح الرياضة أكثر من مجرد لعبة.
تصبح ذاكرة، وانتماء، وكرامة، وحباً للوطن.
نحن بحاجة إلى تغيير النظرة
آن الأوان لكي نفهم أن الرياضة لا تنتهي عند سن معينة.
الذي يتغير هو شكل الرياضة، وليس علاقتنا بها.
قد تقل السرعة، لكن الشغف يبقى.
و قد تقل قوة الاحتكاك، لكن روح المنافسة تبقى.
قد تتغير القوانين، لكن حب اللعبة يبقى.
وقد يتقدم العمر، لكن حب الوطن لا يتقاعد.
لذلك، فإن الحديث عن “الرياضة للجميع” يجب ألا يبقى شعاراً جميلاً نردده في المناسبات.
بل يجب أن يتحول إلى سياسة رياضية واجتماعية حقيقية، تعطي لكل فئة عمرية حقها في ممارسة الرياضة، وتمنح الكبار مكانتهم داخل المنظومة الرياضية.
نحن بحاجة إلى بطولات منتظمة.
نحتاج إلى منتخبات وطنية للكبار.
كما أننا نحتاج إلى تأطير طبي وتقني.
نحتاج إلى دعم المشاركات الدولية.
ونحتاج قبل كل شيء إلى إعلام يؤمن بأن إنجازات الكبار تستحق أن تُروى أيضاً.
لأن لاعب الأمس ليس عبئاً على رياضة اليوم.
إنه جزء من ذاكرتها.
وهو شاهد على تاريخها.
وسفير لها.
الرياضة لا تعرف التقاعد
ربما تتقاعد الوظيفة…
ثم ، ربما تتغير المسؤوليات…
وربما تتباطأ الخطوات…
لكن هناك أشياء لا تتقاعد أبداً:
الشغف لا يتقاعد.
الانتماء لا يتقاعد.
حب الوطن لا يتقاعد.
والحلم بالقميص الوطني لا يتقاعد.
ولهذا، عندما نقول:
Sport pour tous
يجب أن نعنيها فعلاً.
للطفل حقه في الرياضة.
للشاب حقه في الرياضة.
للمرأة حقها في الرياضة.
وللكبير أيضاً حقه في الرياضة.
بل إننا مدعوون أكثر من أي وقت مضى إلى جعل الرياضة وسيلة نحو شيخوخة نشيطة، صحية، كريمة ومندمجة في المجتمع.
فهذه الفئة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
ما زالت تكتب التاريخ في أرشيفها الرياضي… وما زالت تحلم بالمزيد.
فدعونا نمنحها المكان الذي تستحقه.
ودعونا نفتح أمامها أبواب الملاعب والمحافل الوطنية والدولية.



