حين حمل الفن صوت أكتوبر إلى كل بيت
✍️ بقلم : داليا حسام
لم يكن السادس من أكتوبر 1973 مجرد يومٍ عسكري فارق في تاريخ مصر، بل كان يومًا دخل إلى الذاكرة المصرية من أكثر من باب.
دخل من الجبهة، حيث عبر الجنود قناة السويس، ودخل من البيوت، حيث عاش المصريون تفاصيل اللحظة بقلوب مشدودة إلى الأخبار،
ودخل من الإذاعة والفن، اللذين لعبا دورًا مهمًا في نقل أجواء النصر وترسيخها في الوجدان.
وفي زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الفوري التي نعرفها اليوم موجودة، كان الراديو يحتل مكانة خاصة في حياة المصريين.
جهاز صغير، لكنه في لحظات الحرب أصبح نافذة الوطن على أبنائه.
كان الناس يتابعون من خلال الإذاعة البيانات العسكرية والأخبار الرسمية، ويتجمع أفراد الأسرة حول جهاز الراديو لمتابعة ما يجري على الجبهة.
كانت الكلمة تُسمع فتتحول في خيال المستمع إلى صورة.
وصوت المذيع، بنبرته وإيقاعه وطريقة تقديمه للخبر، كان جزءًا من المشهد الذي عاشه المصريون في تلك الأيام.
لم تكن الإذاعة تنقل الخبر فقط؛ كانت تنقله إلى مساحة إنسانية كاملة، إلى بيت ينتظر، وأسرة تتابع، وأم تبحث عن أي خبر يطمئنها على ابنها، وشعب يعيش لحظة استثنائية في تاريخه.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا ظل صوت الإذاعة مرتبطًا في ذاكرة أجيال كاملة بأيام أكتوبر.
من الخبر إلى الإحساس
إذا كانت الإذاعة قد نقلت الخبر، فإن الفن تولى مهمة أخرى: التعبير عن إحساس المصريين باللحظة.
فالأغنية الوطنية لم تكن مجرد كلمات عن الوطن والنصر، وإنما أصبحت وسيلة للتعبير عن مشاعر الفخر والانتماء والأمل.
وفي أعقاب حرب أكتوبر، ارتبط عدد كبير من الأغنيات الوطنية بذاكرة النصر، وأصبح بعضها جزءًا من المناسبات الوطنية التي تعود كل عام، فتستعيد معها الأجيال أجواء تلك الفترة.
وهنا تكمن واحدة من أهم قدرات الفن
أنه يستطيع أن يحفظ الشعور، لا الحدث فقط.
فالخبر يخبرنا بما حدث، لكن الأغنية تجعلنا نتذكر كيف كان وقع ما حدث على الناس.
ولهذا يمكن لأغنية قديمة أن تعيد إلى الذاكرة زمنًا كاملًا بمجرد أن تبدأ موسيقاها.
السينما.. حين أصبح التاريخ حكاية إنسان
ثم جاءت السينما والدراما لتقدما أكتوبر من زاوية أخرى.
فالحرب ليست فقط خططًا عسكرية وخرائط وتحركات للقوات، وإنما هي أيضًا حكايات بشرية.
حكاية جندي ترك أسرته وذهب إلى الجبهة.
و أم تنتظر.
و زوجة تعيش القلق.
وحكاية وطن عاش سنوات من الاستعداد ثم وجد نفسه أمام لحظة فاصلة.
وهنا استطاع الفن أن يجعل الأجيال التي لم تعش حرب أكتوبر تقترب من الجانب الإنساني في تلك التجربة.
فالفن لا ينافس كتب التاريخ في تسجيل الوقائع، لكنه يستطيع أن يقدم الإنسان الموجود خلف الواقعة.
وهذا هو سر بقاء بعض الأعمال الفنية في الذاكرة؛ لأنها لا تقدم حدثًا تاريخيًا فقط، وإنما تقدم مشاعر بشر عاشوا هذا الحدث.
الإذاعة.. ذاكرة صوتية لأكتوبر
وربما تظل الإذاعة من أكثر الوسائل التي ارتبطت بذاكرة المصريين عن أكتوبر.
فالراديو كان حاضرًا داخل البيوت، والصوت يصل إلى الجميع دون الحاجة إلى شاشة.
وفي لحظات الحرب، كان المستمع يتلقى الأخبار وهو لا يرى ما يحدث على الجبهة، ولذلك كان للصوت تأثير خاص.
نبرة المذيع.
اختيار الكلمات.
تتابع البيانات.
الأغنيات الوطنية.
كلها أصبحت جزءًا من ذاكرة تلك الأيام.
واليوم، عندما نستعيد أكتوبر، لا نستعيد الصور فقط، وإنما نستعيد أيضًا الأصوات.
وهذا ما يجعل الإذاعة مختلفة عن كثير من الوسائل الأخرى.
فالصوت يستطيع أن يعيش في الذاكرة بطريقة شديدة الخصوصية.
قد لا نتذكر أين كنا عندما سمعنا خبرًا معينًا، لكننا نتذكر أحيانًا نبرة الصوت الذي حمله إلينا.
الفن لا يصنع التاريخ.. لكنه يحفظه
ومن المهم هنا أن نفرق بين صناعة الحدث وتوثيق أثره.
النصر تحقق على الجبهة بتضحيات القوات المسلحة المصرية وتخطيطها واستعدادها وشجاعة رجالها.
أما الفن والإعلام، فقد كان لهما دور آخر؛ نقل أجواء المرحلة والتعبير عن مشاعر المجتمع، والمساهمة في حفظ صورة أكتوبر داخل الذاكرة الجماعية.
وهذه الوظيفة ليست بسيطة.
فالتاريخ الذي يبقى في الكتب يحتاج أيضًا إلى ذاكرة شعبية تحفظ تفاصيله الإنسانية.
وهنا يأتي دور الأغنية، والصورة، والسينما، والدراما، والإذاعة.
كلها تحفظ جانبًا من الحكاية.
وبعد أكثر من نصف قرن.. ما الذي بقي؟
بقيت أسماء الشهداء.
وبقيت صور الجنود وهم يعبرون.
وبقي العلم المصري مرفوعًا فوق الضفة الشرقية.
وبقيت الأغاني التي ارتبطت بالانتصار.
وبقيت أصوات الإذاعة في ذاكرة من عاشوا تلك الأيام.
وبقيت الحكاية تنتقل من الآباء إلى الأبناء، ومن جيل إلى جيل.
وربما لهذا السبب لا يأتي السادس من أكتوبر كذكرى تاريخية فقط.
إنه يأتي ومعه صوت مصر.
صوت الجبهة ، وصوت الإذاعة، وصوت الأغنية.
وصوت شعب عاش لحظة فارقة، ثم حملها معه طوال السنين.
في السادس من أكتوبر عبرت القوات المصرية قناة السويس، لكن الحكاية لم تتوقف عند ضفة القناة.
انتقلت إلى البيوت.
ومن البيوت إلى الميكروفونات.
ومن الميكروفونات إلى الأغنيات والشاشات.
ومن كل ذلك إلى ذاكرة وطن.
وهنا كانت قوة الفن.
لم يصنع المعركة، لكنه حفظ صوتها.
لم يحمل السلاح، لكنه حمل الحكاية.
ولذلك، كلما جاء أكتوبر، لا نعود فقط إلى يوم من أيام التاريخ…
نعود إلى صوتٍ ما زال قادرًا، بعد أكثر من خمسين عامًا، أن يجعلنا نشعر بأن الحكاية لم تنتهِ.

