الحلقة 45 من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»
الشهيد نقيب احتياط حسام جمال أبو طبل.. «بطل صان وطن»
توثيق: د. أحمد علي عطية الله
هناك رجال يمرون في الحياة تاركين وراءهم سيرة طيبة،
وهناك من يختارون أن يجعلوا من حياتهم عهدًا ومسؤولية، فيدفعون ثمن الوفاء للوطن من أعمارهم.
ومن هؤلاء يأتي الشهيد النقيب احتياط حسام جمال أبو طبل، الذي أحب الحياة العسكرية،
وارتبط بعمله في القوات المسلحة، ورأى في حماية حدود الوطن مسؤولية تستحق التضحية.
النشأة وبدايات التميز
وُلد الشهيد حسام جمال أبو طبل في سيدي بشر بالإسكندرية يوم 25 يوليو 1989،
ونشأ في أسرة كان لها دور واضح في تكوين شخصيته وغرس قيم المسؤولية والاعتماد على النفس.
وخلال سنوات دراسته، عُرف بالتفوق والجدية، إلى جانب حبه للرياضة، وكان يمارس رياضة الجودو منذ المرحلة الثانوية.
ولتميزه وثقة مدربه في قدراته، أُسندت إليه مهمة تدريب اللاعبين الجدد، وهو ما يعكس جانبًا من شخصيته القيادية منذ سنوات شبابه الأولى.
وبعد إتمام دراسته الجامعية، حصل حسام على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية،
ثم التحق بكلية الضباط الاحتياط، ليتخرج بعدها ضابطًا بالقوات المسلحة.
حرس الحدود.. المكان الذي أحبه
خدم الشهيد حسام جمال أبو طبل في سلاح حرس الحدود بمنطقتي سيدي براني والسلوم بالمنطقة الغربية.
وكان يشعر بالفخر لانتمائه إلى هذا السلاح، الذي كان يصف مهمته بأنها تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة عمليات التهريب والتسلل عبر الحدود.
ولم يكن حسام يتعامل مع مهمته باعتبارها مجرد وظيفة، بل كان يؤديها بحماس وشعور عميق بالمسؤولية.
وكان كثير النزول لمتابعة وتأمين أفراد الخدمة والإشراف عليهم، حرصًا على أداء كل فرد لمهمته بالشكل المطلوب.
في مواجهة قسوة الصحراء
لم تكن طبيعة عمله سهلة.
فقد كان يؤدي مهامه في ظروف جوية صعبة، بين البرودة القاسية والرياح والأمطار خلال فصل الشتاء،
ودرجات الحرارة المرتفعة والظروف الصحراوية الشاقة خلال الصيف.
وبحسب رواية أسرته وزملائه، كان يحرص على تنفيذ جولاته التفقدية حتى في الظروف الجوية الصعبة،
إدراكًا منه أن مثل هذه الظروف قد تستغلها عصابات التهريب لتنفيذ عملياتها.
كان يرى أن اليقظة لا ترتبط بالطقس، وأن حماية الحدود مسؤولية لا تعرف الراحة.
الإنسان قبل الضابط
وراء شخصية الضابط الحازم، كان هناك إنسان يتمتع بروح مرحة وعلاقات طيبة مع أسرته وزملائه.
وتروي والدته أن حسام كان بارًا بها وبوالده وإخوته، وأن حضوره كان يملأ البيت بالبهجة، وكان سندًا لأسرته في تفاصيل الحياة اليومية.
وتقول والدته في شهادتها عن شخصيته:
«كان له طلة جميلة وروح جميلة ووجوده يضفي على المكان بهجة وسعادة، وكان سندًا لنا في أعمالنا وفي حياتنا».
أما علاقته بزملائه، فكانت قائمة على المحبة والاحترام.
كان خدومًا ومتواضعًا، يساعد من يحتاج إليه، ويحرص على أفراد الخدمة الذين يعملون تحت إشرافه.
كان شديدًا معهم أثناء العمل، لكنه يجلس معهم في أوقات الراحة ويتحدث إليهم،
ولذلك ظلوا يحملون له الحب والاحترام رغم صرامته في أداء الواجب.
اختار الحياة العسكرية
كان حسام متعلقًا بالقوات المسلحة إلى درجة كبيرة.
ورغم حصوله على ليسانس الحقوق وامتلاكه مكتبًا للمحاماة، فإنه اختار الاستمرار في الخدمة العسكرية،
بل تقدم لتجديد مدة أخرى كضابط احتياط.
وتروي والدته أنها كانت تتمنى أن يسلك طريقًا آخر، لكنها كانت تدرك مدى تعلقه بالجيش.
وتقول عنه:
«كان عنده صبر وجلد وتحمل للحياة العسكرية، وكأنه خلق للقوات المسلحة».
ليلة الحراسة.. عين لا تنام
كان حسام يدرك أن حماية الحدود تعني السهر واليقظة، خصوصًا في مواجهة عمليات التهريب
التي تستهدف إدخال الأسلحة والمخدرات أو تنفيذ عمليات تسلل غير مشروعة.
وبحسب روايات أسرته وزملائه، كان حريصًا على أداء واجبه وعدم السماح بالتراخي في نطاق مسؤوليته.
وقد أطلق عليه بعض زملائه لقب «بطل صان وطن»، لما رأوه منه من حرص دائم على حماية الأرض التي كان مكلفًا بتأمينها.
يوم الاستشهاد
في 1 أغسطس 2016، كان حسام يؤدي مأمورية كُلف بها أثناء مروره في نطاق مسؤوليته.
وتروي والدته أنه في ذلك اليوم وصل إلى الأسرة خبر استشهاده، بعد أن أُبلغ أحد أفراد الأسرة بالواقعة.
وبحسب الرواية التي سجلتها الأسرة عن اللحظات الأخيرة، خرج حسام في مأمورية،
وأثناء المرور تم الاشتباه في إحدى العشش، حيث شوهد أحد الأشخاص يفر من المكان.
وبدأ أفراد المأمورية عملية التفتيش، وعُثر على بندقية خرطوش، ثم عاد أحد أفراد القوة لاستكمال تفتيش المكان.
وفي أثناء ذلك، سُمع صوت إطلاق نار.
وعندما عاد السائق، وجد الشهيد حسام جمال أبو طبل ملقى على الأرض وقد أصيب بطلق ناري.
وهكذا انتهت حياة شاب لم يتجاوز السابعة والعشرين من عمره، لكنه ترك خلفه سيرة ارتبطت بالانضباط والمسؤولية وحب الوطن، وفق شهادات أسرته وزملائه.
«كان يتمنى أن يموت شهيدًا»
ينقل أحد زملائه أن حسام كان يتمنى أن ينال الشهادة، فيما يذكر زميل آخر أنه كان يقول إنه يتمنى أن يموت وهو يرتدي الزي العسكري.
لم يكن يعلم أن هذه الكلمات ستتحول يومًا إلى آخر سطور حكايته.
رحل حسام جمال أبو طبل، لكنه ترك في ذاكرة أسرته وزملائه صورة الشاب الذي أحب عمله،
وأخلص لمهمته، وتمسك بخدمته العسكرية حتى النهاية.
رحم الله الشهيد النقيب احتياط حسام جمال أبو طبل، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وذويه الصبر والسلوان.
رحم الله شهداء الوطن جميعًا، وحفظ مصر وأهلها من كل سوء.
توثيق: د. أحمد علي عطية الله

