الرئيسيةمقالاتيتردد في الآفاق صدى ملاحم انتصار الإسلام
مقالات

يتردد في الآفاق صدى ملاحم انتصار الإسلام

يتردد في الآفاق صدى ملاحم انتصار الإسلام

بقلم: الدكتور عيسى شاهدي

ترجمة: أبو محمد

 

دون العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي في أواخر حياة الفيلسوف والشاعر الإسلامي الكبير محمد إقبال ذكريات ثمينة عن لقائه به قبل وفاته بأشهر قليلة، وجمع هذه الخواطر في رسالة لطيفة بعنوان روائع إقبال، عرض فيها جانبا من صفاء فكره وسمو رؤيته الحضارية، وما كان يفيض به حديثه من عمق وإيمان وأمل. وكان إقبال يرى أن جمال الإسلام وروحه الحية لا يمكن أن يأفلا أفولا كاملا من صفحة التاريخ. فالإسلام في نظره أشبه بشمس مشرقة لا تنطفئ، وإن بدت في لحظة من اللحظات وكأنها تغيب عن أفق من الآفاق. فكما أن شمس السماء إذا مالت عن جهة من الأرض أقبل المساء وسدل الليل ستاره على الطبيعة غير أنها في الوقت ذاته تشرق في جهة أخرى من العالم فتغمرها بالضياء والحياة، كذلك شمس الإسلام، قد يخبو نورها في بلد أو مجتمع، لكنها لا تلبث أن تشرق في بلد آخر، فتبث فيه الحياة، وتفيض عليه نور الهداية واليقين. ولم تكن هذه النظرة عند إقبال مجرد تشبيه بلاغي أو تأمل شعري، بل كانت في حقيقتها استلهاما لمعنى قرآني عميق، أشار إليه قوله تعالى:

﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ سورة الصف : ٨.

فالذين يعادون الإسلام قد يحاولون إخماد نوره بالكلمات والدعايات والافتراءات، غير أن مشيئة الله قد تعلقت بأن يتم هذا النور ويبلغ كماله، وأن يبقى مشرقا في آفاق الأرض، مهما كره ذلك المعاندون. ومن هنا كان إقبال يؤمن إيمانا راسخا بأن الإسلام ليس ظاهرة تاريخية عابرة، بل هو رسالة خالدة متجددة، تتنقل أنوارها بين الأمم والشعوب، وتبقى دائما مصدر بعث روحي وحضاري للإنسانية جمعاء.

في ضوء هذه الرؤية الفلسفية العميقة كان محمد إقبال ينظر إلى ما أصاب المسلمين عبر التاريخ من نكبات ومحن نظرة مغايرة، إذ لم يكن يعدها مجرد صفحات من الألم والانكسار، بل كان يراها في حقيقتها بؤرا تتجمع فيها طاقات التجدد، ومراكز تنطلق منها حركة البعث من جديد في جسد الأمة الإسلامية. فكل كارثة في نظره كانت تحمل في طياتها بذور نهضة قادمة، وكل انهيار كان يمهد لقيام جديد أكثر قوة ووعيا. ومن أبدع ما جسد به إقبال هذه الفكرة قصيدته الأردية الخالدة شكوة، التي تعد من روائع الشعر الإسلامي الحديث. ففي هذه القصيدة يقف الشاعر موقف العبد الشاكي بين يدي ربه، كأنه يرفع عريضة تظلمه إلى السماء متسائلا في لهجة يختلط فيها الألم بالغيرة على الدين: لماذا يعيش المسلمون كل هذا الشقاء؟ ولماذا يلاقون الهوان والضرب، وهم الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الإسلام، وحملوا رايته في مشارق الأرض ومغاربها؟ وقد أثارت هذه القصيدة عند إلقائها ونشرها ضجة واسعة في الأوساط الفكرية والدينية، إذ رأى كثير من الناس في هذا الأسلوب جرأة غير مألوفة في مخاطبة الله تعالى. ولم يعرف تاريخ الأدب الإسلامي شاعرا امتلك مثل هذه الجرأة الأدبية الصادقة في طرح الأسئلة الوجودية الكبرى كما فعل إقبال.

غير أن إقبال لم يقف عند حدود الشكوى، بل عاد بعد ذلك فكتب قصيدته الشهيرة الأخرى جواب شكوة، فجعلها جوابا على تلك التساؤلات، وكأن الجواب يأتي على لسان العناية الإلهية نفسها. وقد أحدثت هذه القصيدة أثرا عميقا في وجدان المسلمين وفكرهم، إذ أيقظت فيهم روح المراجعة والمحاسبة، ودفعتهم إلى إعادة النظر في أسباب ضعفهم وانكسارهم. وفي سياق هذا الجواب يستحضر إقبال صفحات دامية من التاريخ الإسلامي، فيعرض ما أصاب إيران وبغداد وسائر أقطار العالم الإسلامي من غزو التتار وما صاحب ذلك من خراب ودمار هائلين. غير أنه لا يقف عند ظاهر المأساة، بل ينفذ إلى معناها الأعمق، إذ يرى أن ذلك الإعصار التتري على شدته وقسوته، كان يخفي في أعماقه سر حياة جديدة للمسلمين. ففي نظره لم يكن ذلك الخراب نهاية للتاريخ الإسلامي، بل كان بداية لدورة جديدة من اليقظة والحيوية، إذ إن في قلب ذلك الدمار كانت مزروعة بذور البعث من جديد، وكأن يد القدر قد جعلت من تلك الكارثة نفسها منطلقا لنهضة أخرى.

لقد قال بوضوح:

لقد وجدت الكعبة حارسها من معبد الأصنام.

إن صفحات التاريخ تشهد بأن التتار من أمثال هولاكو خان وجنكيز خان قد ألحقوا بالعالم الإسلامي دمارا هائلا في مرحلة من مراحله العصيبة. غير أن سنن التاريخ لا تسير دائما في خط واحد، فبعد ذلك الخراب بزمن غير بعيد، اعتنق أحد أحفادهم، وهو غازان خان الإسلام، فصار من أعلام الملوك الذين أسهموا في نشره وترسيخ دعائمه. وهكذا تحول أحفاد أولئك الذين هدموا ديار المسلمين إلى حماة للدين الذي حاربوه من قبل. ومن صميم تلك التحولات التاريخية نشأت أيضا الدولة الإسلامية التي عرفت في التاريخ باسم الدولة المغولية في شبه القارة الهندية، والتي امتد سلطانها قرونا طويلة. وهكذا كانت تلك المرحلة المظلمة من الغزو التتري لإيران – على شدة قسوتها – من مقدمات التحول الذي أفضى لاحقا إلى ترسيخ الحكم الإسلامي في بلاد الهند. ولعل هذه الحقيقة التاريخية تجسد معنى القاعدة المشهورة:

الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

فهو دين قد تمر عليه المحن، لكنه لا يلبث أن ينهض من جديد، أقوى حضورا وأرسخ أثرا.

وقد عبر الشاعر والسياسي الهندي مولانا محمد علي جوهر عن هذه الحقيقة في بيتين شهيرين من الشعر الأردي، فقال:

إن قتل الحسين في حقيقته هو موت يزيد، فالإسلام يبعث حيا بعد كل كربلاء. ففي العاشر من محرم سنة إحدى وستين للهجرة استشهد سبط رسول الله ﷺ الحسين في أرض كربلاء مع ثلة من أهل بيته وأصحابه بعد أن تعرضوا لأقسى صنوف الظلم والقهر. وقد بدا يومئذ في ظاهر الأحداث أن يزيد بن معاوية قد انتصر، وأن الحسين قد قتل مظلوما في صحراء كربلاء. غير أن جوهر الحقيقة كان أبعد من ذلك بكثير، إذ لم يكن استشهاد الحسين نهاية لقضيته، بل كان بداية لسقوط يزيد معنويا في ضمير الأمة. لقد برهنت وقائع ما بعد كربلاء على أن الإسلام دين يستمد من قلب المأساة قوة متجددة، ويستخرج من رحم المحن طاقة جديدة للحياة والبقاء. فما من شدة ألمت به إلا أعقبتها صحوة، ولا من محنة نزلت بساحته إلا تبعتها نهضة أوسع أثرا وأعمق حضورا. وهكذا ظلت كربلاء عبر مسيرة التاريخ رمزا خالدا لمعنى التضحية والصمود وشاهدا على أن كل كربلاء تفضي في النهاية إلى ميلاد جديد للإسلام تتجدد فيه روحه وتزداد فيه رسالته إشراقا وثباتا.

في سجل التاريخ المعاصر تتجلى أمام أعيننا مشاهد لم تزل آثارها حاضرة في الوجدان الإنساني، فقد عاثت روسيا في أفغانستان خرابا ودمارا، ثم تلتها الولايات المتحدة، فامتدت يدها هناك عقدين من الزمن، تنشر الفوضى وتغذي أتون العنف. ولم تكتف بذلك، بل دمرت العراق تحت ذرائع واهية، وأسهمت في إسقاط نظام ليبيا وقتل قائدها معمر القذافي.

ومؤخرا، شهد العالم في غزة بفلسطين واحدة من أقسى صفحات الإبادة في التاريخ الحديث، حيث أوغلت إسرائيل- بدعم من حلفائها – في سفك الدماء على مدى عامين في مشهد يندى له جبين الإنسانية. ومع ذلك، لم تنكسر إرادة المسلمين في فلسطين، ولم يرضخوا للهزيمة، بل أبانوا عن صلابة إيمان تذيب الجبال، وصبر يلامس حدود الإعجاز حتى غدوا رمزا للصمود، وأجبروا عدوهم على التراجع ووقف عدوانه. لقد أضحت تضحيات أهل غزة منارة أضاءت قلوب العالم، فكشفت عن سمو الإسلام وجماله، وأيقظت الضمائر الحية في كل مكان. فتدفقت موجات التضامن من شتى بقاع الأرض، وبلغت رسالة الإسلام الصادقة آفاقا لم تبلغها من قبل.

وفي المقابل، تلطخت صورة المعتدين إسرائيل والولايات المتحدة بوصمة لا تمحى من العدوان والهيمنة، وأخذت شعوب العالم تعبر يوما بعد يوم عن سخط متصاعد وكراهية جارفة تجاه هذا الظلم المستمر.

أولا، عمدت روسيا، ثم أعقبتها الولايات المتحدة إلى تحويل أفغانستان، تلك الأرض المسلمة إلى ساحة خراب ودمار. غير أن المجاهدين الأفغان على ما في بلادهم من وعورة الجبال وضيق الموارد، أذاقوا روسيا مرارة الهزيمة، ثم أرغموا القوة العالمية بقيادة أمريكا على الانسحاب انسحابا يشي بالخيبة والانكسار. وهكذا نهضت أفغانستان من بين الركام، مرفوعة الرأس، متمسكة بأهداب الشريعة الإسلامية، وساعية إلى ترسيخ الاستقرار والسكينة في ربوعها.

وفي منتصف شهر رمضان من هذا العام شهدت المنطقة تصعيدا خطيرا، حيث أقدمت الولايات المتحدة ومعها حليفتها إسرائيل على عدوان وصف بالجائر على إيران، أفضى بحسب هذا السياق إلى مقتل المرشد الأعلى آية الله السيد علي خامنئي. ومنذ ذلك الحين، تخوض إيران مواجهة شاقة تقف فيها في وجه قوى كبرى في مشهد يعكس تعقيدات الصراع وتشابك موازينه.

ويتراءى في أفق هذه المواجهة وفق هذا الطرح أن مآلاتها قد تفضي إلى أفول قوى العدوان، وانكشاف الوجوه المتلونة، وأن يعلو صوت الانتصار من جديد.

في ربوع وطننا الحبيب بنغلاديش وعلى امتداد ستة عشر عاما من حقبة وصفت بالاستبداد، خيل للناظرين أن أعداء الإسلام قد نجحوا عبر تغلغل الإلحاد وزحف أفكار الهندوتفا في ميادين التعليم والثقافة في سلخ الجيل الجديد عن هويته، وصرفه عن عقيدته. غير أن هبة الطلاب والجماهير في عام 2024 جاءت كاشفة لزيف هذا الظن، ومعلنة أن أبناء البيوت المسلمة ما زالوا يحملون في صدورهم جذوة الإيمان، وأنهم بهتاف الله أكبر وإنقلاب زنداباد، قادرون على كسر شوكة الظلم، واستعادة معاني العزة، والتبشير بفجر جديد.

ولو أن قياداتنا السياسية تسلحت بصدق الثقة وعزة الموقف، ولم ترهن إرادتها لإملاءات القوى الأجنبية، ولو أنها امتلكت جرأة الانحياز إلى الحكم الإسلامي، والتعليم الإسلامي، وتطبيق الشريعة لكان حلم قيام دولة تستظل بظلال الإسلام قد شارف على التحقق. غير أن الأمل باق لا يخبو، إذ نوقن أن غشاوة التبعية، وسكرة الارتهان للخارج، وحمى التودد للقوى الإقليمية إلى زوال، وأن أرض بنغلاديش ستتجلى فيها أنوار الحق في أبهى صورها حتى يفيض على أهلها سكون الطمأنينة، ورخاء العيش، وكرامة الحياة.

ترجمة: أبو محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *