الانحدار في الفكر.. قضية بين العلم والسلوك أم أخطاء النشأة في النسق التربوي؟
بقلم: الكاتب محمد عبدالله
البداية ربما تكون مع مقولة للعلامة والمفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي رأى أن إخفاق المجتمع في إحدى محاولاته ليس مجرد حدث عابر، وإنما تعبير عن مستوى أزمته الثقافية.
كما يؤكد بن نبي أن غنى المجتمع لا يُقاس بكمية الأشياء التي يمتلكها، وإنما بمقدار ما يمتلكه من أفكار.
وهنا تبرز القضية الحقيقية:
هل أزمة المجتمعات في نقص الإمكانات، أم في طريقة التفكير التي توجه استخدام هذه الإمكانات؟
إن تغلغل ثقافات وعادات لا ترى في الحياة سوى المكاسب المادية، دون اهتمام كافٍ بالعلم والقيم والأخلاق،
قد يترك أثرًا عميقًا في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، خاصة في عصر أصبحت فيه الأفكار والمعلومات تنتقل بسرعة غير مسبوقة.
فالحداثة في حد ذاتها ليست المشكلة، وإنما التحدي يكمن في كيفية التعامل معها؛ هل نستقبلها بوعي وقدرة على الاختيار،
أم نترك أنفسنا وأبناءنا أمام تدفق هائل من الأفكار دون أدوات نقدية تساعدهم على التمييز؟
ومن هنا تبرز أهمية التنشئة الفكرية والتربوية، لأن بناء الإنسان يبدأ قبل أن يبدأ بناء المجتمع.
بين العقيدة والعلم
لطالما دار النقاش حول السؤال: أيهما أكثر تأثيرًا في تشكيل المجتمع، الدين أم العلم؟
فريق يرى أن الابتعاد عن القيم الدينية أدى إلى اضطراب السلوك، وفريق آخر يرى أن التراجع الحقيقي بدأ مع الابتعاد عن العلم والمعرفة.
لكن ربما تكون القضية أوسع من وضع العلم والعقيدة في مواجهة بعضهما؛ فالمجتمع يحتاج إلى علم ينير العقل،
وقيم تضبط السلوك، وتربية تمنح الإنسان القدرة على التمييز والاختيار.
وفي هذا السياق تُنسب إلى باولو كويلو مقولة تتحدث عن حالة الإنسان حين يبتعد عن الله،
ويظل يبحث عن معنى الوحدة والاكتمال، بينما تعجز القوانين وحدها عن حل أزماته الداخلية.
كما يشير الفيلسوف والكاتب جوستاين غاردر إلى أهمية العقل الإنساني في التمييز بين الخير والشر، وهي فكرة تفتح الباب أمام سؤال جوهري:
كيف نُنشئ عقلًا قادرًا على التفكير، لا مجرد عقل يتلقى؟
التعليم.. روح المجتمع
التعليم ليس مجرد نقل للمعلومات، وإنما عملية تصنع الإنسان وتحدد قدرته على فهم العالم والتفاعل معه.
ولهذا تُنسب إلى الكاتب ج. ك. تشسترتون مقولة شهيرة تشبّه التعليم بالروح التي تنتقل من جيل إلى آخر،
في إشارة إلى دوره في استمرار المجتمعات وبناء ذاكرتها وقيمها.
فالأمم التي تريد النهوض تحتاج إلى بدايات واضحة، تقوم على الربط بين العقيدة والقيم من جهة، والعلم والمعرفة من جهة أخرى.
العقيدة بما تحمله من منظومة أخلاقية وسلوكية ومعاملات، والعلم باعتباره المجال الذي أسهم في بناء الحضارات وتأسيس الدول وتطوير حياة الإنسان.
وعندما يتكامل العنصران، يمكن للمجتمع أن يمتلك إنسانًا أكثر وعيًا، قادرًا على التعامل مع التغيرات دون أن يفقد جذوره.
الهوية في مواجهة الفوضى الفكرية
الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق أمام العالم، كما أن الانفتاح لا يعني التخلي عن الثوابت.
المشكلة تبدأ عندما يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين ما يستحق أن يتبناه وما ينبغي أن يرفضه،
وبين المعرفة الحقيقية والمحتوى الذي يستهدف التأثير في وعيه دون أن يمنحه فرصة للتفكير النقدي.
ومن هنا تأتي أهمية الوعي، لأن مواجهة الأفكار لا تكون بمنعها فقط، وإنما بالفكر والحجة والتعليم والقدرة على الحوار.
فالشاب الذي يمتلك أدوات التفكير يستطيع أن يستقبل الجديد دون أن يكون أسيرًا له، وأن يحافظ على هويته دون أن يعادي التطور.
وقد ربط مالك بن نبي بين فقدان الحضارة وفقدان أصالة التفكير والسلوك، وهي رؤية تجعل النهضة قضية تتجاوز الاقتصاد والسياسة إلى الإنسان نفسه.
الأخلاق.. حماية المجتمع من الفوضى
الأخلاق ليست مجرد قواعد للتعامل بين الأفراد، وإنما أحد العناصر التي تساعد المجتمع على تنظيم علاقاته والحفاظ على تماسكه.
وتُنسب إلى الأديب المصري نجيب محفوظ مقولة تؤكد أن الأخلاق لا تقتصر على تنظيم التعامل بين الناس،
وإنما تمتد إلى تنظيم المجتمع وحمايته من الفوضى.
وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحًا:
ماذا يحدث عندما يتقدم العلم بينما يتراجع السلوك؟
وماذا يحدث عندما تنتشر المعرفة دون أن تصاحبها مسؤولية أخلاقية؟
إن العلم بلا قيم قد يتحول إلى أداة، بينما القيم بلا علم قد تعجز عن التعامل مع تعقيدات العصر.
ولذلك فإن المطلوب ليس الاختيار بين الاثنين، وإنما بناء علاقة متوازنة بينهما.
نحن بحاجة إلى وقفة مع النفس
الحفاظ على العقائد والقيم، بالتوازي مع الاهتمام بالعلم والتعليم، يمكن أن يكون مدخلًا لإعادة بناء الإنسان القادر على مواجهة التحديات.
ولا تبدأ عملية التغيير الحقيقية من الخارج، وإنما من مراجعة الإنسان لنفسه،
ومن إعادة النظر في طريقة التربية والتعليم، وفي نوعية المحتوى الذي نقدمه للأجيال الجديدة.
نحن بحاجة إلى جيل يعرف تاريخه، ويفهم عقيدته، ويمتلك أدوات العلم، ويستطيع أن يحاور ويختلف ويفكر دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية.
كما أننا بحاجة إلى تعليم لا يكتفي بمنح الشهادة، وإنما يصنع عقلًا قادرًا على السؤال والتحليل والبحث.
فالنهضة ليست مجرد مبانٍ ومشروعات، وإنما إنسان يمتلك العلم والوعي والقيم والقدرة على العمل.
وفي النهاية، فإن القضية ليست معركة بين الماضي والمستقبل، ولا بين الدين والعلم، وإنما هي محاولة لفهم الطريق الذي يمكن من خلاله أن نبني إنسانًا متوازنًا؛
يحترم عقيدته وهويته، ويأخذ بأسباب العلم، ويملك القدرة على التفكير النقدي، ويشارك في صناعة مستقبل مجتمعه.
وربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن نتركه مفتوحًا أمام أنفسنا:
هل نربي أبناءنا ليعيشوا عصرهم فقط، أم نربيهم ليكونوا قادرين على صناعة عصرهم؟
بقلم: الكاتب محمد عبدالله

