الدبلوماسية الزائدة.. مسارح صامتة
بقلم: مستشار محمود السنكري
لم تعد الدبلوماسية في حياتنا مجرد مهارة راقية لضبط الحديث أو تهذيب الخلاف بل تحولت عند كثيرين إلى أسلوب حياة كامل إلى قناع دائم لا يُخلع وإلى أداء متواصل على مسرح لا يهدأ ، نبتسم حين لا نريد ونوافق حين لا نقتنع ونصمت حين يجب أن نتكلم ونبرر للآخرين ما لا نقبله لأنفسنا… وكل ذلك بإسم الذوق والحكمة وحفظ العلاقات.
لكن الحقيقة الصادمة أن هذه الدبلوماسية الزائدة لا تبني علاقات بل تُنشئ مسارح صامتة.
نعم… مسارح بلا صوت حقيقي بلا صدق بلا مواجهة بلا روح.
في هذه المسارح.. كل شخص يؤدي دورًا محددًا:
دور الصديق المثالي، دور الشريك المتفهم ، دور القريب الحنون ، ودور الزميل المتعاون.
لكن خلف الكواليس؟
تعب مكتوم وعتب مؤجل وغضب مؤدب ومشاعر حقيقية تُخنق ببطء.
لقد أصبحنا نخاف من الصراحة أكثر من خوفنا من الكذب ونخشى المواجهة أكثر من خشيتنا من التراكمات.
نختار الكلمات التي لا تعبر عنا حتى لا نخسر الآخرين فنخسر أنفسنا بالتدريج ونؤجل المواجهة بحجة “الوقت غير مناسب” وتمر الأيام ونكتشف أن العلاقة كلها أصبحت غير مناسبة.
الدبلوماسية حين تزيد عن حدها تتحول من فن راقٍ إلى نوع من التزييف المقنّع وتصبح مجاملة لا تُشبهنا وهدوءًا لا يعبر عنا وصمتًا لا يليق بنا.
والمأساة الأكبر أن الطرف الآخر في كثير من الأحيان يشعر بهذا الزيف لكنه يشارك في اللعبة نفسها فيبتسم لك وهو يعلم أنك لست صادقًا تمامًا وتبادله الابتسامة وأنت تعلم أنه ليس صادقًا أيضًا… وهكذا تستمر العلاقة كعرض مسرحي ناجح جماهيريًا… وفاشل إنسانيًا.
العلاقات التي تقوم على الدبلوماسية الزائدة تشبه الهياكل الجميلة من الخارج لكنها فارغة من الداخل ، لا خلافات واضحة ولا مشاكل معلنة لكن في العمق يوجد برود ومسافات وجدران غير مرئية من المجاملة المصطنعة.
والسؤال الذي يجب أن نواجه به أنفسنا بشجاعة:
هل نريد علاقات هادئة شكليًا… أم صادقة حقيقية حتى لو كانت فيها بعض الاصطدامات؟
إن العلاقة الحقيقية ليست تلك التي تخلو من الخلاف بل تلك التي تتحمل الصراحة ، العلاقة الناضجة ليست التي نُجيد فيها التمثيل بل التي نستطيع فيها أن نكون أنفسنا دون خوف من فقدان الآخر.
الدبلوماسية الجميلة هي أن تقول الحقيقة بلطف لا أن تُخفيها.
أن تحافظ على مشاعر الآخر دون أن تقتل مشاعرك.
أن تختار الوقت المناسب للحديث لا أن تلغي الحديث إلى الأبد.
أما الدبلوماسية الزائدة فهي هروب مهذب من المواجهة وتأجيل أنيق للانفجار وصمت مغلف بابتسامة.
ولنكن أكثر جرأة:
بعض العلاقات لا تحتاج دبلوماسية… بل تحتاج قرارًا.
قرارًا بالوضوح أو قرارًا بالانسحاب.
لا تعود نفسك على التمثيل المستمر لأنك في النهاية ستتعب من أداء دور لا يُشبهك ولا تجعل حياتك سلسلة من المجاملات الثقيلة التي تستنزف روحك.
كن حقيقيًا… حتى لو خسرت بعض العلاقات.
فالعلاقات التي تبنى على الصدق قد تهتز… لكنها لا تنهار.
أما التي تبنى على الدبلوماسية الزائدة… فهي هادئة جدًا… لدرجة الموت.
وفي النهاية.. تذكّر:
ليس كل صمت حكمة… أحيانًا يكون انسحابًا من قول الحقيقة.

