الرئيسيةثقافةالمسرح الرقمي وتصحيح المفاهيم 
ثقافةمقالات

المسرح الرقمي وتصحيح المفاهيم 

المسرح الرقمي وتصحيح المفاهيم

رحلة في عالم التكنولوجيا و الإبداع

 

بقلم : الدكتور كمال يونس

 

كثيرة هي تلك المصطلحات التي تتردد في الكتابات ومنصات ندوات المهرجانات المسرحية ، بل وتؤلف عنها الكتب ويهلل لها الإعلام المسرحي بشقيه الصحفي الخبري والنقدي دونما أدنى جهد للوقوف على كنه المصطلحات المتداولة التي نستورها من الغرب كما هي بدون أن نعمل فكرنا ونتأملها لنقف على أبعادها ، بل ويفرضها أساطين ترديد المصطلحات بحكم مناصبهم وسلطاتهم على المشهد المسرحي العربي الذي تعاني مسارحه من الخواء من الجمهور .وأعرض هنا بالتحليل والتدقيق للمسرح الرقمي وما بعد الرقمي والفرق بينهما ، وخلاصة ما توصلت إليه في ختام تلك الدراسة المصغرة .

 

أولا : المسرح الرقمي ( DIGITAL THEATRE)

– يُعرف أيضاً بالمسرح الافتراضي (Virtual Theatre )،

– المسرح الرقمي استجابة إبداعية تدمج الخبرة البشرية بالتقنية، مما يمنح المسرح قدرة على التطور، وتجاوز حدود المكان والزمان التقليديين، وخلق لغة مسرحية جديدة، إذ يمثل تطورا فنيا باستخدام التقنيات الرقمية المتقدمة يتماشي مع عصر التكنولوجيا المتقدمة وما بعد وباء الكورونا بغية إنتاج سينوغرافيا رقمية ترقي جودة وتأثير فن تشكيل الصورة المسرحية (السينوغرافيا)، وذلك لتحقيق أعلى درجة تفاعل مع العرض المسرحي وتحقيق رسالته في المتعة الفنية والفكرية ، يهدف إلى هندسة السلوك وتجديد الخطاب المسرحي عبر التكنولوجيا.

 

– شكل هجين من العروض يدمج بين المؤدين والجمهور الحاضرين مباشرةً مع الوسائط الرقمية في فضاء واحد متصل، ورغم إمكانية بث بعض العناصر أو تنفيذها عن بُعد، إلا أن هذا النوع من المسرح يُركز على التواجد المتزامن للعناصر الحية والعناصر المُعالجة رقميا مع الحفاظ عادةً على بعض السمات الهيكلية المميزة للمسرح التقليدي، مثل اللغة المنطوقة أو السرد النصي، مع دمج التقنيات الرقمية ليس كمجرد دعم أو قطع ديكور، ولكن كجزء لا يتجزأ من الحدث السردي الفني الأساسي، وبدلاً من التفاعل الكامل أو الانغماس في تجربة مسرحية شبيهة بألعاب الفيديو، غالباً ما يحد المسرح الرقمي من تفاعل الجمهور ليحتفظ الفريق الفني بالسيطرة الإبداعية على السرد والشكل الدرامي إذ أن أسسه ومحدداته :

 

أولا- إعادة تشكيل دور المخرج إذ يتحول إلى مدير تقني وفني يدمج التكنولوجيا والإبداع الإنساني، مركزا على إثراء العرض فنيا وفكريا لإنتاج عرض حي يتشارك نفس مساحته المادية بعض المؤدين والجمهور (للتأثير في مسار العرض والتحول من مستهلك سلبي للمعلومات إلى متأمل مشارك. . في تفاعل محكم محدود على عكس نماذج الأداء التشاركي المفتوح.

 

ثانيا- الاستخدام المركزي للتكنولوجيا الرقمية (مثل العرض، والتقاط الحركة، والواقع الافتراضي/المعزز، والفيديو المباشر) باعتباره أمرًا أساسيًا لجماليات العرض ومعناه.

ثالثا – يعتمد على الوسائط الرقمية، الفيديو، والبرمجيات كعنصر فعال في السرد، إذ يتميز العمل بعنصر سردي يتم نقله من خلال النصوص أو الكلام أو التسجيلات، ولكنه قد يعبر أيضاً عن السرد من خلال تضمين الموسيقى والرقص وعناصر التركيب.

 

ومع ذلك، قد يتم تقويض هذه التصنيفات أو توسيعها حيث يقوم صناع المسرح المعاصرون بشكل متزايد بطمس الحدود بين الأشكال الجمالية، متجنبين القيود الشكلية التي ميزت التقاليد السابقة مثل النموذج الأرسطي الكلاسيكي للدراما

-تحديات الرقمنة: رغم المزايا، يواجه هذا المسرح صعوبات تتعلق بنقص الكفاءات التقنية والحاجة إلى استثمارات ذكية في البرمجيات.

 

المسرح ما بعد الرقمي (Post-digital Theatre)

هو شكل فني هجين يدمج يمزج التقنيات الرقمية (كالفيديو، الواقع الافتراضي، والذكاء الاصطناعي) مع الأداء المسرحي الحي في فضاء واحد متصل، لا كعنصر تجميلي بل كجزء عضوي من العرض، يُحول الجمهور من مشاهدين سلبيين إلى مشاركين في صناعة العرض عبر وسائط تفاعلية. يركز هذا المسرح على التفاعل، والوسائط المتعددة، ولا يعتمد بالضرورة على حبكة درامية تقليدية، بل يركز على الصورة، الصوت، والحدث (Performanceكأداء وتجاوز “ما بعد الدراما” (Postdramatic) حيث يتساوى النص مع الوسائل التقنية، ولكن رغم استخدام التقنية، يظل المسرح الرقمي يعتمد على “الحيوية” والتواجد المتزامن للمؤدين والجمهور، مما يعيد سحر المسرح الأول، ولكن بأدوات معاصرة.

أهمية المسرح ما بعد الرقمي:

 

يعد هذا النوع مسرح المستقبل، فهو لا يقلد الواقع بل يبني إنسانًا أصيلاً (كما يرى كارل بادريزا)، ويفرض واقعًا خاصًا يجمع بين الحضور الفيزيائي والتطور التكنولوجي، مستفيدًا من الإمكانات المتنوعة للعتاد والبرمجيات لإنشاء عروض غير تقليدية.

 

المسرح الرقمي: دمج الوسائط التكنولوجية (شاشات، إنترنت، ذكاء اصطناعي) كعنصر أساسي داخل العرض المسرحي الحي، بينما يتجاوز المسرح ما بعد الرقمي (Post-digital) مرحلة الانبهار بالتكنولوجيا، ليدمج الوسائط بذكاء وبساطة، مركزاً على التجربة الإنسانية والاجتماعية في عالم تشبّعت فيه الحياة بالرقمية، حيث تصبح التكنولوجيا غير مرئية أو جزءاً طبيعياً من جسد الممثل.

 

الفروق بين المسرح الرقمي والمسرح ما بعد الرقمي :

تكمن أساسا في كيفية التعامل مع التكنولوجيا؛ فبينما يركز المسرح الرقمي على دمج الوسائط التكنولوجية كأداة للعرض، يسعى مسرح ما بعد الرقمي إلى إذابة الفوارق بين الواقع المادي والواقع الافتراضي لتصبح التكنولوجيا جزءاً “غير مرئي” وبديهي من التجربة الإنسانية.

 

المسرح الرقمي (Digital)

المسرح ما بعد الرقمي (Post-Digital)

الهدف: إبهار بصري وتحديث اللغة ودمج التكنولوجيا كبيئة معيشية

دور التكنولوجيا : أداة عرض ووسيلة إبهار بيئة معيشية وبنية تحتية بديهية

الظهور :التكنولوجيا “بطل” العرض التكنولوجيا “خفية” وطبيعية

العلاقة بالواقع :إضافات رقمية للواقع المادي وذوبان الفوارق بين المادي والافتراضي

التركيز : ماذا تفعل الآلة للمسرح؟ ماذا يعني أن نكون بشراً في عصر الآلة؟ التركيز الأساسي: الوسيط التقني تجربة الحضور”والتواصل والسينوغرافيا الرقمية الإنساني المعقد

 

والخلاصة بعد استعراض المسرح الرقمي والمسرح مابعد الرقمي والفرق بينهما إلا أنني لا أرى أي فرق عملي بين المسرح الرقمي( إدماج التكنولوجيا في العرض ) و ما بعد الرقمي ( اعتياد تواجد التكنولوجيا في العرض ) ولكن الفرق فلسفي محض ، حيث أن العلاقة بينهما علاقة تطور مرحلي لا قطيعة، ما بين انبهار بالتقنيات الحديثة واعتيادها إذ أن كلاهما وسيلة للإبداع الفني يدمجا التكنولوجيا في البنية الفنية المسرحية كأداة عرض وإبهار مزجا بين المادي والافتراضي ، وكلاهما يؤكدان بقاء الإنسان مركز الفعل الإبداعي حيث يخضعان للتحكم وللتوجيه والقيادة من قبل الإنسان، وكلاهما يسعى إلى تحقيق تواصل جمالي وفكري مع المتلقي، وكلاهما يوظف التقنيات كأدوات تعبير وإبهار وتوسيع للإدراك البصري والسمعي لصياغة السينوغرافيا ( فن تشكيل الصورة المسرحية رقميا)بتعزيز جمالياتها وعناصر العرض المسرحي ككل إلى التواصل الإنساني ويعزز إدراك الجمهور للعرض بمتعة جمالية وفكرية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *