اللواء باقي زكي يوسف.. قصة مبتكر فكرة فتح ثغرات خط بارليف بالمياه
الرئيسية » اللواء باقي زكي يوسف.. قصة الضابط المصري الذي ابتكر فكرة فتح ثغرات خط بارليف بالمياه
مقالات

اللواء باقي زكي يوسف.. قصة الضابط المصري الذي ابتكر فكرة فتح ثغرات خط بارليف بالمياه

كتب المقال بواسطة أ/

اللواء باقي زكي يوسف.. قصة الضابط المصري الذي ابتكر فكرة فتح ثغرات خط بارليف بالمياه

 

بقلم: الكاتب والمؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله

 

في صفحات التاريخ العسكري المصري، تظل بعض الأفكار شاهدة على قدرة الإنسان المصري على تحويل أصعب العقبات إلى تحديات قابلة للحل.

 

ومن بين هذه الصفحات تبرز قصة اللواء المهندس باقي زكي يوسف، صاحب الفكرة التي اعتمدت على استخدام مضخات المياه في فتح ثغرات بالساتر الرملي لخط بارليف،

بما ساهم في تسهيل عبور القوات المصرية إلى الضفة الشرقية لقناة السويس خلال حرب أكتوبر 1973.

 

شهادة من صاحب الفكرة

 

بدعوة كريمة من نقابة المهندسين، حضر الكاتب والمؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله، رئيس جمعية أصدقاء المحارب «تحت الإشهار»،

ندوة نظمتها جماعة المهندسين المستقلين بنادي نقابة المهندسين بمدينة السادس من أكتوبر.

 

وكان ضيف الندوة اللواء المهندس باقي زكي يوسف، الذي استعاد أمام الحضور تفاصيل رحلته مع الفكرة منذ بداياتها وحتى تطبيقها خلال حرب أكتوبر.

 

وأقيمت الندوة مساء السبت 16 أبريل 2010، بحضور عدد من قدامى أبطال القوات المسلحة من مختلف الأسلحة،

ومن بينهم اللواء وئام سالم ممثلًا للمجموعة 39 قتال، إلى جانب عدد من شباب المهندسين.

 

من السد العالي إلى قناة السويس

 

تعود جذور الفكرة إلى سنوات عمل اللواء باقي زكي يوسف في مشروع السد العالي بأسوان.

 

ففي أبريل 1964، انتُدب للعمل ضابطًا بإحدى ورش الصيانة في المشروع، وقضى هناك نحو أربعة أعوام اكتسب خلالها خبرات عملية مهمة،

واطلع على استخدامات المعدات والمضخات في التعامل مع كميات ضخمة من الرمال والتربة.

 

ومع بداية حرب يونيو 1967، أُلغيت انتدابات القوات المسلحة، فعاد إلى صفوف الجيش برتبة مقدم، وتولى مسؤولية مركبات الفرقة 19 بالجيش الثالث.

 

وكانت المهمة صعبة؛ فالمركبات العائدة من سيناء كانت تعاني من إصابات وأعطال ونقص في المعدات،

كما عادت مركبات أخرى من اليمن وهي تعاني من أعطال نتيجة ظروف التضاريس الجبلية القاسية.

 

وسط هذه الظروف، كان على الضابط الشاب ومعاونيه إعادة المركبات إلى الحالة التي تمكنها من المشاركة في أي معركة مقبلة.

 

لكن شيئًا آخر كان يشغل تفكيره.

 

الساتر الرملي.. العقبة التي بدت مستحيلة

 

من موقعه على الضفة الغربية لقناة السويس، كان باقي زكي يوسف يرى الساتر الرملي لخط بارليف وهو يزداد تحصينًا، ليشكل عقبة عسكرية ونفسية أمام القوات المصرية.

 

وكانت المشكلة الأساسية هي كيفية فتح ثغرات تسمح بعبور القوات والمعدات بسرعة، بعيدًا عن الأساليب التي قد تتسبب في خسائر كبيرة بين الجنود.

 

وخلال اجتماع لقادة الفرقة 19 في مايو 1969 لمناقشة الاستعدادات القتالية للعبور، طُرحت عدة أفكار للتعامل مع الساتر،

من بينها استخدام المتفجرات والقصف الجوي ووسائل أخرى لفتح الثغرات.

 

وهنا ظهرت الفكرة التي حملها الضابط المهندس خارج نطاق اختصاصه المباشر.

 

«المياه» في مواجهة الرمال

 

رفع المقدم باقي زكي يوسف يده وطرح فكرة استخدام مضخات مياه قوية، تُثبت على قوارب خفيفة، لسحب مياه قناة السويس وضخها بقوة كبيرة في الساتر الرملي.

 

الفكرة ببساطة كانت تعتمد على قوة اندفاع المياه في تفكيك الرمال وإزاحتها، بحيث تتساقط بفعل وزنها إلى قاع القناة، لتنشأ تدريجيًا ثغرات تسمح بمرور القوات.

 

في البداية، أثارت الفكرة اهتمام الحاضرين، وبدأ قائد الفرقة في مناقشته حول مدى إمكانية تنفيذها.

 

وعندما سُئل عن مصدر خبرته بهذه الطريقة، أوضح أن مثل هذه العمليات سبق تنفيذها خلال العمل في مشروع السد العالي.

 

فقد شاهد بنفسه استخدام المياه في تحريك كميات ضخمة من الرمال والتربة، وهي الخبرة التي ألهمته في التفكير في إمكانية تطبيق المبدأ نفسه على الساتر الرملي لخط بارليف.

 

من فكرة على الورق إلى تجربة عسكرية

 

لم تتوقف الفكرة عند حدود النقاش.

 

انتقلت إلى القيادات الأعلى، وطُلب من المقدم باقي زكي يوسف إعداد تقرير تفصيلي يشرح فكرته وآلية تنفيذها.

 

وتوجه إلى القاهرة، وجمع المعلومات المرتبطة باستخدام المضخات في مشروع السد العالي، ثم أعد مسودة التقرير بخط يده.

 

وبعد ذلك جرى إعداد التقرير بصورة رسمية، كما أُعد ملخص للفكرة لعرضها على القيادة السياسية والعسكرية.

 

وبحسب رواية اللواء باقي زكي يوسف، حظيت الفكرة بالموافقة، وبدأت القوات المسلحة في إجراء التجارب العملية عليها.

 

مئات التجارب قبل لحظة العبور

 

تولت القوات المسلحة، من خلال سلاح المهندسين، اختبار الفكرة عمليًا.

 

وأُجريت مئات التجارب للوصول إلى أفضل أسلوب لاستخدام المضخات وفتح الثغرات في الساتر الرملي.

 

وكان من بين التجارب تجربة بمنطقة حلوان باستخدام مضخات سبق استخدامها في مشروع السد العالي، وتمكنت من فتح ثغرة خلال ساعات.

 

كما أُجريت تجربة عملية في جزيرة البلاح في يناير 1972، لتصبح الفكرة أقرب إلى التطبيق العملي في يوم المعركة.

 

وهكذا لم تكن فكرة فتح الثغرات بالمياه وليدة لحظة حرب أكتوبر، وإنما مرت بمراحل من الدراسة والتجربة والاختبار قبل استخدامها في المعركة.

 

السادس من أكتوبر.. ساعة التنفيذ

 

وجاءت لحظة الحسم في السادس من أكتوبر 1973.

 

ومع بدء عملية العبور، بدأت وحدات المهندسين العسكريين في تنفيذ المهمة التي جرى التدريب والاستعداد لها طويلًا.

 

وبحسب شهادة اللواء باقي زكي يوسف، فُتحت أولى الثغرات في الساتر الرملي مساء السادس من أكتوبر،

وتوالى فتح الثغرات التي سمحت بمرور القوات والمعدات إلى الضفة الشرقية للقناة.

 

ومع استمرار العمل، اتسع نطاق الثغرات، وأصبح الطريق ممهدًا أمام القوات المصرية لعبور القناة ومواصلة عملياتها العسكرية.

 

لحظة لا تُنسى

 

ومن أكثر اللحظات تأثيرًا في شهادة اللواء باقي زكي يوسف،

تلك اللحظة التي عبر فيها القناة صباح اليوم التالي للمعركة، مارًا بمركباته من خلال إحدى الثغرات التي ساهمت فكرته في فتحها.

 

كان المشهد بالنسبة إليه تتويجًا لسنوات من التفكير والتجربة والعمل.

 

وقد وصف إحساسه في تلك اللحظة بأنه شعر وكأن عنقه امتد حتى بلغ السحاب.

 

شهادة تقدير من أحد المؤرخين

 

وخلال الندوة، حظيت شهادة اللواء باقي زكي يوسف باهتمام كبير من الحضور،

وأُديرت المناقشات حول عدد من الموضوعات المرتبطة بحرب أكتوبر والاستعدادات التي سبقتها.

 

وفي كلمته، قدم الكاتب والمؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله الشكر للواء باقي زكي يوسف، معتبرًا أن فكرته قدمت حلًا هندسيًا لمشكلة عسكرية بالغة الصعوبة،

وساهمت في تسهيل عملية العبور وتقليل المخاطر المرتبطة بفتح الثغرات.

 

وأشار الكاتب كذلك إلى أن عددًا من الأفكار الأخرى كانت مطروحة لنقل قوات المشاة إلى الضفة الشرقية،

من بينها النقل الجوي، قبل استبعاد بعض هذه الأفكار بسبب محدودية الإمكانات المتاحة في ذلك الوقت.

 

من ذكريات الحرب إلى دروس المستقبل

 

ولم تتوقف المناقشات عند استعادة ذكريات حرب أكتوبر، إذ طرح الكاتب أحمد علي عطية الله رؤية تتعلق بإنشاء أنفاق أسفل قناة السويس،

بهدف دعم التنمية وربط سيناء بالوادي، إلى جانب إمكانية الاستفادة منها في تأمين حركة القوات في حالات الطوارئ والتهديدات المستقبلية.

 

وتبقى قصة اللواء المهندس باقي زكي يوسف واحدة من النماذج التي تكشف كيف يمكن لفكرة هندسية بسيطة في ظاهرها أن تتحول،

بعد الدراسة والتجربة والإصرار، إلى عنصر مؤثر في واحدة من أهم العمليات العسكرية في التاريخ المصري الحديث.

 

فالحروب لا تُحسم بالسلاح وحده، وإنما بالعقل الذي يبحث عن الحل عندما تبدو العقبة أكبر من كل الحلول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *