11 سبتمبر في القراءة الصينية.. كيف تحولت الحرب على الإرهاب إلى فرصة لصعود بكين؟
تحليل الدكتورة/ نادية حلمي
الخبيرة المصرية في الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعي الحاكم في الصين والشئون الآسيوية – أستاذ العلوم السياسية بجامعة بني سويف
لا تنظر الصين إلى ذكرى أحداث 11 سبتمبر 2001 باعتبارها مجرد محطة في التاريخ الأمريكي الحديث،
وإنما تتعامل معها بوصفها نقطة تحول كبرى في النظام الدولي، أعادت تشكيل أولويات الولايات المتحدة، ودفعت واشنطن إلى خوض حرب طويلة على الإرهاب،
بينما أتاحت لبكين، وفق قراءة عدد من المحللين الصينيين، مساحة زمنية واسعة للتركيز على النمو الاقتصادي وتعزيز قدراتها الشاملة.
وتتسم التغطية الصينية للذكرى، خصوصًا في وسائل الإعلام الرسمية ومراكز الدراسات الاستراتيجية،
بطابع تحليلي وسياسي يربط بين هجمات 11 سبتمبر والتحولات التي طرأت على النظام الدولي خلال العقدين التاليين.
وفي جانب من الخطاب الصيني، يُنظر إلى التدخلات العسكرية الأمريكية في أفغانستان والعراق باعتبارها نموذجًا على ارتفاع كلفة الاعتماد المفرط على القوة العسكرية،
وما ترتب على ذلك من استنزاف للموارد الأمريكية، وتراجع نسبي في القدرة على إدارة ملفات دولية متعددة في وقت واحد.
وفي المقابل، ترى القراءة الصينية أن انشغال الولايات المتحدة بالحرب على الإرهاب، خاصة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى،
منح الصين فرصة لتعزيز اقتصادها وتوسيع تجارتها الدولية وتطوير قدراتها التكنولوجية والعسكرية،
وصولًا إلى التحول من قوة اقتصادية صاعدة إلى أحد أبرز المنافسين للولايات المتحدة.
الإعلام الصيني.. 11 سبتمبر بوابة لقراءة تراجع النفوذ الأمريكي
تولي وسائل الإعلام الصينية الرسمية اهتمامًا بذكرى أحداث 11 سبتمبر، خصوصًا في المناسبات السنوية الكبرى،
من خلال التركيز على النتائج السياسية والاستراتيجية التي ترتبت على الهجمات.
وتبرز في هذه التغطيات انتقادات للحرب الأمريكية على الإرهاب، مع التركيز على طول أمد الحرب في أفغانستان،
والغزو الأمريكي للعراق، والتداعيات الإقليمية الواسعة للتدخلات العسكرية الأمريكية.
وتقدم بعض التحليلات الصينية هذه التطورات باعتبارها دليلًا على أن استخدام القوة العسكرية لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الاستقرار،
بل قد يخلق أزمات جديدة ويضاعف حالة عدم الاستقرار في المناطق التي تشهد صراعات.
كما يركز الخطاب الإعلامي الصيني على ما يعتبره ازدواجية في المعايير الأمريكية عند التعامل مع قضايا الإرهاب والأمن الدولي،
ويربط بين تصنيف الجماعات والجهات السياسية وبين المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى.
وتتجاوز الرسالة الإعلامية الصينية نقد السياسات الأمريكية إلى تقديم تصور بديل يقوم،
وفق الخطاب الرسمي الصيني، على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل، والتنمية الاقتصادية، والتعاون الدولي.
النافذة الاستراتيجية.. كيف قرأت بكين انشغال واشنطن؟
من أبرز المفاهيم التي تظهر في التحليلات الصينية المرتبطة بمرحلة ما بعد 11 سبتمبر مفهوم «النافذة الاستراتيجية».
ويشير هذا المفهوم إلى الفترة التي انشغلت خلالها الولايات المتحدة بالحرب على الإرهاب والصراعات في أفغانستان والعراق،
في الوقت الذي كانت فيه الصين تعمل على توسيع قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية وتعزيز حضورها في المؤسسات الدولية.
وبحسب هذه القراءة، لم تكن بكين بحاجة إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة خلال تلك المرحلة،
بل استفادت من البيئة الدولية لإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية.
فقد شهدت الصين خلال العقود التالية نموًا اقتصاديًا كبيرًا، وتوسعًا في التجارة والاستثمار، وتطورًا في البنية التحتية، وارتفاعًا في الإنفاق على البحث والتطوير،
إلى جانب تحديث واسع لقدراتها العسكرية والتكنولوجية.
ومن ثم، يرى محللون صينيون أن الحرب الأمريكية على الإرهاب لم تؤدِ فقط إلى استنزاف الولايات المتحدة،
وإنما أسهمت بصورة غير مباشرة في خلق بيئة دولية أتاحت للصين مساحة أكبر للحركة والصعود.
من مكافحة الإرهاب إلى منافسة القوى الكبرى
تربط القراءة الصينية بين نهاية المرحلة الأمريكية المكثفة في أفغانستان وبين التحول التدريجي في أولويات واشنطن من مكافحة الإرهاب إلى منافسة القوى الكبرى.
ومن وجهة النظر الصينية، فإن التحول الأمريكي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتعزيز التحالفات والشراكات الأمنية في آسيا،
يمثل انتقالًا من مرحلة كانت الصين تستفيد فيها من انشغال واشنطن في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إلى مرحلة أصبحت فيها بكين نفسها في قلب الاستراتيجية الأمريكية.
وهنا يتحول 11 سبتمبر في التحليل الصيني من مجرد حدث إرهابي كبير إلى نقطة بداية لمسار استراتيجي طويل انتهى بإعادة ترتيب أولويات القوة العالمية.
تركستان الشرقية.. البعد الأمني في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر
من أكثر الملفات حساسية في القراءة الصينية لأحداث 11 سبتمبر قضية الأمن في شينجيانغ، التي تسميها بكين «منطقة شينجيانغ الويغورية ذاتية الحكم»،
بينما يستخدم الخطاب القومي والسياسي لدى بعض الأطراف اسم «تركستان الشرقية».
وترى الدراسة أن أحداث 11 سبتمبر وفرت لبكين بيئة دولية جديدة لإعادة تقديم بعض أنشطة الجماعات الانفصالية والعنيفة في شينجيانغ ضمن إطار مكافحة الإرهاب العالمي.
وكانت الصين تسعى، قبل أحداث سبتمبر، إلى مواجهة النزعات الانفصالية والاضطرابات في الإقليم،
لكن التحول العالمي بعد الهجمات أعاد تعريف البيئة الأمنية التي تتحرك فيها بكين.
وفي هذا السياق، برز اسم «حركة تركستان الشرقية الإسلامية» ETIM في الخطاب الصيني والدولي المرتبط بمكافحة الإرهاب.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن إدراج الحركة على قوائم الإرهاب الدولية والأمريكية منح بكين، في تقدير الباحثة، مساحة سياسية وأمنية أوسع لربط قضية شينجيانغ بمفهوم مكافحة الإرهاب العالمي.
إلا أن هذه المسألة تحتاج إلى التمييز بين المواقف الدولية المختلفة؛ فتصنيف الولايات المتحدة للحركة وتطور المواقف الدولية بشأنها مر بمراحل وتغيرات،
كما أن التصنيفات القانونية لا تعني بالضرورة اتفاق جميع الدول على تفسير بكين للوضع السياسي والأمني في شينجيانغ.
وهنا تصبح أحداث 11 سبتمبر جزءًا من عملية أوسع لإعادة تعريف التهديدات الأمنية، وليس مجرد حادث استغلته دولة واحدة بصورة منفردة.
بين مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان
أحد أهم جوانب الجدل الذي تثيره القراءة الصينية لأحداث 11 سبتمبر يتعلق بالعلاقة بين مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان.
فبينما ترى بكين أن مواجهة التنظيمات العنيفة والانفصالية جزء من حماية الأمن القومي،
تواجه سياساتها في شينجيانغ انتقادات دولية واسعة تتعلق بحقوق الإنسان والحريات الدينية والثقافية،
وهي قضية لا يمكن تناولها علميًا من خلال الرواية الصينية وحدها.
ومن هنا تبرز أهمية اعتماد الباحث على مصادر متعددة عند دراسة هذا الملف، تشمل الوثائق الصينية الرسمية، والتقارير الدولية، والدراسات الأكاديمية، والمصادر الحقوقية،
مع الفصل بين المواقف السياسية والوقائع القابلة للتحقق.
الصين وذكرى 11 سبتمبر.. قراءة في نهاية عصر القطب الواحد
تخلص القراءة الصينية إلى أن أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من حروب وتدخلات أمريكية شكلت أحد العوامل التي ساهمت في إعادة توزيع القوة الدولية.
فبينما استثمرت الولايات المتحدة موارد ضخمة في الحرب على الإرهاب، ركزت الصين على بناء قوتها الاقتصادية والتكنولوجية وتعزيز حضورها الدولي.
ومن هذا المنظور، تبدو أحداث 11 سبتمبر في التحليل الصيني أشبه بمرحلة كشفت حدود القوة العسكرية عندما تُستخدم منفردة في إدارة النظام الدولي.
لكن القول إن 11 سبتمبر وحده أنهى نظام القطب الواحد سيكون تبسيطًا مفرطًا؛ فصعود الصين ارتبط كذلك بعوامل اقتصادية وتكنولوجية وديموغرافية وتجارية،
إضافة إلى تحولات روسية وأوروبية وإقليمية وتغيرات متراكمة في بنية النظام الدولي.
ولهذا يمكن النظر إلى الحرب الأمريكية على الإرهاب باعتبارها عاملًا من مجموعة عوامل ساعدت على إعادة توزيع الاهتمام والموارد الدولية، وليس باعتبارها السبب الوحيد في صعود الصين.
الخلاصة
تكشف القراءة الصينية لأحداث 11 سبتمبر عن مفارقة استراتيجية لافتة؛
فالحدث الذي دفع الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب أمنها القومي وخوض حرب طويلة على الإرهاب،
وفر للصين، بحسب التقدير الاستراتيجي الصيني، مساحة زمنية ثمينة للتركيز على بناء قوتها الشاملة.
وفي الوقت نفسه، استفادت بكين من التحول العالمي في مفهوم الإرهاب لإعادة إدراج ملف شينجيانغ ضمن منظومة الأمن ومكافحة الإرهاب الدولية،
مع بقاء هذا الملف موضع خلاف سياسي وحقوقي واسع.
وبعد مرور ربع قرن تقريبًا على أحداث 11 سبتمبر، أصبحت الصين تنظر إلى العالم من موقع مختلف تمامًا عن موقعها في عام 2001.
فبكين لم تعد تراقب النظام الدولي من الخارج، وإنما أصبحت طرفًا رئيسيًا في إعادة تشكيله،
بينما انتقلت المنافسة الأمريكية الصينية من مرحلة التعاون الاقتصادي النسبي إلى مرحلة التنافس الاستراتيجي والتكنولوجي والعسكري.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لقراءة الصين لذكرى 11 سبتمبر لا تكمن فقط في كيفية تفسير بكين للهجمات،
وإنما في كيفية توظيفها لهذا الحدث لفهم مسار التحول من عالم أحادي القطبية إلى نظام دولي أكثر تعددًا في مراكز القوة.

