سهيلة الرملي تكتب
صوت من العالم الآخر؟
كان كل شيء صامتًا.
مومياء رجل مصري عاش قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، مستلقية أمام علماء القرن الحادي والعشرين. لا نبض، لا تنفس، لا حنجرة تتحرك، ولا رئتان يمكنهما دفع الهواء.
فقط جسد محفوظ منذ آلاف السنين.
ثم حدث شيء غريب.

أُدخل صوت اصطناعي إلى نموذج ثلاثي الأبعاد بُني من صور الأشعة المقطعية لجهازه الصوتي. عبر الصوت الممر الذي كان يربط حنجرته بفمه ذات يوم، وتشكّل أثناء مروره وفق الأبعاد التي بقيت محفوظة داخل المومياء.
وللحظة، لم يعد هناك سوى انتظار.
ثم خرج الصوت.
صوت بشري قصير، أشبه بحرف علة، انطلق من نموذج صُنع من جسد رجل مات قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.
لم يكن صوتًا مسجلًا من الماضي. لم تكن المومياء قد «تحدثت» بالمعنى الحرفي، ولم يعد نيسامون إلى الحياة.
لكن شيئًا من جسده كان قد تحدّث.
كان نيسامون كاهنًا وكاتبًا في معبد آمون بالكرنك خلال عهد الملك رمسيس الحادي عشر. وكانت حياته المهنية مرتبطة بالصوت؛ يتحدث ويرتل ويغني ضمن الطقوس الدينية. ثم مات، ودُفن، وصمت صوته.
أو هكذا بدا الأمر.
بعد آلاف السنين، بدأت الأشعة المقطعية تكشف ما بقي من جهازه الصوتي. تحولت الصور إلى قياسات، والقياسات إلى نموذج ثلاثي الأبعاد، والنموذج إلى نسخة مادية، ثم مر عبرها صوت اصطناعي.
لم يكن العلماء يبحثون عن تسجيل مفقود.
كانوا يحاولون إعادة بناء الطريق الذي كان صوته يسلكه.
ماذا بقي داخل المومياء؟
بدأ مشروع إعادة بناء صوت نيسامون عام 2013، بمشاركة باحثين من تخصصات مختلفة، بينها علم الآثار والهندسة وعلوم الصوت.
وكانت حالة المومياء عاملًا حاسمًا؛ إذ كان لابد من بقاء أجزاء من الجهاز الصوتي بدرجة تسمح بقياس أبعادها.
وفي سبتمبر 2016، نُقلت المومياء من متحف مدينة ليدز إلى مستشفى ليدز العام لإجراء تصوير مقطعي عالي الدقة.
لم يكن الهدف مجرد النظر إلى ما بقي داخل الجسد، بل البحث عن تفاصيل تشريحية محددة: شكل القناة الصوتية وأبعادها، أي المسار الذي يمر فيه الصوت من الحنجرة عبر الحلق والفم.
وأتاحت صور الأشعة إعادة بناء البيانات التشريحية بدقة وصلت إلى نحو 0.6 ملليمتر. ومن هذه البيانات أمكن قياس أبعاد القناة الصوتية وتحويلها إلى نموذج ثلاثي الأبعاد.
وهنا بدأت المومياء تتحول من أثر أثري صامت إلى مادة لتجربة علمية تحاول إعادة بناء وظيفة من وظائف جسدها القديم.
الحنجرة ليست كل شيء
قد نتصور أن الحنجرة هي المكان الذي «يصنع» الصوت، لكن ما يصل إلى آذاننا أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالحنجرة تولّد مصدر الصوت، ثم يمر هذا الصوت عبر القناة الصوتية، التي تشمل الحلق والفم. ويؤثر شكل هذه القناة وطولها وأبعادها في الصوت النهائي.
الأمر يشبه آلة موسيقية: هناك مصدر يولّد الصوت، لكن شكل الآلة نفسها يغير الطريقة التي نسمعه بها.
لذلك لم يكن المطلوب إعادة بناء حنجرة نيسامون وحدها، وإنما إعادة بناء المسار الذي كان الصوت يمر عبره.
من الأشعة إلى الصوت
بعد استخراج القياسات من الأشعة المقطعية، حوّل الباحثون البيانات إلى نموذج ثلاثي الأبعاد للقناة الصوتية، ثم صنعوا نسخة مادية منه باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد.
لكن المجسم، بطبيعة الحال، لا يستطيع إصدار صوت وحده.
لذلك استخدم الباحثون جهازًا يُعرف باسم Vocal Tract Organ، وهو مصدر صوت اصطناعي يمكن التحكم فيه ويؤدي وظيفة شبيهة بالوظيفة التي تؤديها الحنجرة كمصدر للصوت.
مر الصوت الاصطناعي عبر النموذج المطبوع.
ثم خرج.
لم تكن جملة، ولا كلمة مصرية قديمة، ولا حتى صوتًا يمكن نسبته إلى نيسامون بشكل مباشر.
كان صوتًا قصيرًا يشبه صوت حرف علة بشري.
ومع ذلك، كانت اللحظة لافتة: نموذج صُنع من بيانات الأشعة أصبح قادرًا على إنتاج صوت مرتبط بجسد إنسان عاش قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.
لكن هل سمع العلماء صوت نيسامون؟
هنا يجب أن نتوقف عند نقطة مهمة.
لا.
لم يكن الصوت الخارج من النموذج هو صوت نيسامون الحقيقي.
لا يوجد تسجيل لصوته، ولا يمكن معرفة الطريقة التي كان يتحدث بها في حياته اليومية، أو كيف كان ينطق الكلمات المصرية القديمة، أو كيف كان صوته يتغير أثناء الحديث والترتيل.
فشكل القناة الصوتية وحده لا يكفي لإعادة الكلام.
عندما ينطق الإنسان كلمة، تتحرك اللسان والشفتان والحنك والحنجرة باستمرار، وتتغير أوضاعها بدقة شديدة من صوت إلى آخر. وهذه الحركات لا يمكن استعادتها كاملة من مومياء عمرها آلاف السنين.
كما أن جزءًا كبيرًا من كتلة لسان نيسامون كان مفقودًا، ولم يكن الحنك الرخو محفوظًا، ولذلك اضطر الباحثون إلى تقدير بعض التفاصيل التشريحية.
حتى وضعية الجهاز الصوتي داخل المومياء ليست بالضرورة الوضعية التي كان يستخدمها أثناء النطق الطبيعي.
لذلك فإن الوصف الأدق للتجربة هو أنها أنتجت صوتًا اصطناعيًا مر عبر نموذج مبني على الأبعاد المحفوظة لجهاز نيسامون الصوتي.
وهذا الفرق ليس تفصيلًا صغيرًا، بل هو جوهر التجربة.
لماذا لم يجعلوه يتحدث؟
قد يكون هذا هو السؤال الأكثر إثارة.
إذا تمكن العلماء من إنتاج صوت من جهازه الصوتي، فلماذا لم يجعلوه ينطق جملة كاملة؟
لأن ذلك كان سيتطلب معلومات غير موجودة.
لكي ينطق النموذج جملة، يجب معرفة كيف كان نيسامون يحرك لسانه، وكيف يفتح فمه، وكيف يغيّر شكل شفتيه، وكيف ينتقل من صوت إلى آخر، فضلًا عن معرفة أصوات اللغة المصرية القديمة وطريقة نطقها.
وأي محاولة لجعله يقول جملة كانت ستتطلب إضافة قدر كبير من الافتراضات.
لذلك توقف الباحثون عند الحد الذي تسمح به الأدلة: إنتاج صوت من نموذج لجهازه الصوتي، لا إعادة شخصيته أو لغته أو كلماته.
أمنية وصلت متأخرة ثلاثة آلاف عام
تزداد القصة غرابة عندما نعود إلى نيسامون نفسه.
ترتبط النصوص الخاصة به بأمنيات تتعلق باستمرار قدرته على الكلام بعد الموت، وبأن يتمكن من مخاطبة الآلهة.
وهنا تظهر مفارقة تكاد تبدو كأنها حوار بين زمنين.
رجل عاش في مصر القديمة وتمنى، وفق معتقدات عصره، أن تستمر قدرته على الكلام بعد الموت.
وبعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، حاول علماء معاصرون استخراج معلومات من جسده تسمح بإنتاج صوت مرتبط بجهازه الصوتي.
لم يستعيدوا صوته.
لكنهم وجدوا طريقة لجعل جسده الصامت يترك أثرًا صوتيًا.
وهذه هي القيمة الحقيقية للتجربة. فهي لا تتعلق بنيسامون وحده، بل بما تستطيع التكنولوجيا الحديثة أن تستخرجه من الماضي.
التصوير الطبي، والنمذجة الحاسوبية، والطباعة ثلاثية الأبعاد، ومحاكاة الصوت، تتيح للباحثين دراسة أشياء لم يعد أصحابها قادرين على الحديث عنها.
قد لا يبقى الأثر شيئًا نراه فقط.
قد يصبح شيئًا نسمعه.
ومع ذلك، تضع التجربة حدودًا واضحة لما يمكن للعلم أن يعرفه.
يمكننا تصوير العظام والأنسجة، وقياس الأبعاد، وإعادة بناء الأشكال، ومحاكاة بعض الوظائف. لكننا لا نستطيع استعادة كل ما كان يحدث داخل جسد الإنسان عندما كان حيًا، ولا الحركات الدقيقة التي كان يقوم بها، ولا صوته بوصفه جزءًا من شخص له ذاكرة وحياة وتجارب.
في النهاية، لم يعد نيسامون إلى الحياة.
ولم يعرف العلماء الجملة التي كان سيقولها لو وقف أمامهم اليوم.
لكنهم أخذوا جسدًا صامتًا، وصوروا ما بقي داخله، وحولوا الصور إلى بيانات، والبيانات إلى نموذج، ثم مرروا عبر النموذج صوتًا اصطناعيًا.
وفي لحظة قصيرة، خرج صوت بشري.
ليس تسجيلًا من الماضي.
وليس صوت نيسامون نفسه.
إنه صوت بُني على شيء حقيقي بقي منه طوال ثلاثة آلاف عام:
شكل جهازه الصوتي.
وربما هنا تكمن روعة التجربة الحقيقية:
أن صمت جسده، بعد ثلاثة آلاف عام، استطاع أن يقول شيئًا.

