خلف أبواب عابدين.. الفستان الذي كان يحكي عن المرأة قبل أن تتكلم
الرئيسية » داليا حسام تكتب: خلف أبواب عابدين.. الفستان الذي كان يحكي عن المرأة قبل أن تتكلم
مراه ومنوعات

داليا حسام تكتب: خلف أبواب عابدين.. الفستان الذي كان يحكي عن المرأة قبل أن تتكلم

كتب المقال بواسطة أ/

خلف أبواب عابدين.. الفستان الذي كان يحكي عن المرأة قبل أن تتكلم

✍️ الكاتبة و الإستايلست/ داليا حسام 

نكمّل حكايتنا من داخل قصر عابدين، ونفتح بابًا جديدًا من أبواب عالمه الذي لم يكن قائمًا فقط على القاعات الفخمة والمراسم والاستقبالات،

لكن كان لكل تفصيلة فيه معنى، حتى ملابس النساء.

في الحلقات السابقة اقتربنا من عالم نساء القصر، وتوقفنا عند الشعر وغطاء الرأس وتأثير الموضة الأوروبية في مظهر المرأة. واليوم هنقترب أكثر…

من الرأس إلى الفستان

لأن الفستان في ذلك الزمن لم يكن مجرد قطعة تُرتدى وتنتهي الحكاية عندها. كان جزءًا من الصورة التي تظهر بها المرأة في مناسبة معينة،

داخل مكان له طقوسه، وفي عصر كانت فيه الموضة نفسها تتغير بسرعة.

ولو دخلنا قصر عابدين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وسألنا أنفسنا:

ماذا يمكن أن يخبرنا فستان امرأة عن صاحبته؟ سنجد أن الإجابة تبدأ من شكله قبل أن نعرف حتى من ترتديه.

كان الخصر محددًا، والتنورة واسعة في مراحل كثيرة من العصر، والأكمام والياقات تتغير مع خطوط الموضة،

بينما كانت الأقمشة الفاخرة والتطريزات تضيف إلى الإطلالة ثقلها وأناقتها.

 

لكن الوصول إلى هذا الشكل لم يكن بسيطًا

فالفستان لم يكن قطعة منفردة كما نعرفه اليوم، وإنما كان جزءًا من منظومة ملابس متكاملة.

الملابس الداخلية كانت تساعد على تشكيل الهيئة التي سيظهر عليها الفستان، ولذلك فإن شكل الخصر أو اتساع التنورة لم يكن نتيجة القماش وحده،

بل نتيجة طريقة بناء الإطلالة من الداخل إلى الخارج.

وكان الخصر المحدد من السمات المهمة في الموضة خلال فترات من القرن التاسع عشر.

واستخدمت النساء الكورسيه وغيره من الملابس الداخلية التي تساعد على تشكيل القوام وفق الصورة التي كانت الموضة تعتبرها أنثوية وأنيقة في ذلك الوقت.

وهنا تظهر لنا واحدة من أهم حقائق تاريخ الأزياء:

 

معايير الجمال نفسها ليست ثابتة

فالهيئة التي كانت تعتبر قمة الأناقة في القرن التاسع عشر قد تبدو لنا اليوم مختلفة تمامًا،

لكنها بالنسبة لنساء ذلك العصر كانت جزءًا طبيعيًا من الموضة.

ثم تأتي التنورة، التي مرت خلال القرن التاسع عشر بتغيرات كبيرة في حجمها وطريقة تشكيلها.

ففي فترات معينة كانت شديدة الاتساع، ثم تغير شكلها تدريجيًا، وأصبح توزيع الحجم في بعض المراحل أكثر تركيزًا في الجزء الخلفي.

ولهذا، عندما نشاهد فستانًا تاريخيًا ضخمًا، لا ينبغي أن نتخيل أن كل هذا الحجم سببه كثرة القماش فقط.

كانت هناك ملابس وهياكل داخلية تساعد على إعطاء التنورة شكلها، وكان التصميم كله محسوبًا ليصنع هيئة معينة.

أما الذيل فكان له حضور واضح في فساتين المناسبات الكبيرة.

وتقدم لنا الصحافة المعاصرة صورة لافتة عن حفلات قصر عابدين؛

ففي تقرير عن إحدى حفلات الخديوي إسماعيل سنة 1883، وُصفت ملابس السيدات، وأشير إلى انتشار الفساتين ذات الذيول،

بل إن بعض هذه الفساتين كانت شديدة التكلفة.

 

وهنا يمكننا أن نتخيل المشهد داخل القصر:

قاعات مضاءة، سيدات بفساتين طويلة، ذيول تتحرك خلفهن، ومجوهرات تكمل الإطلالة،

ورجال يرتدون ملابس السهرة الرسمية أو الزي العسكري المزدان بالأوسمة.

كان الفستان جزءًا من المشهد كله.

ولهذا لم تكن الحركة به أمرًا عابرًا.

فالتنورة الواسعة أو الذيل الطويل يفرضان طريقة مختلفة في المشي والجلوس وصعود السلالم.

والمرأة التي ترتدي ملابس بهذا الحجم تحتاج إلى أن تعرف كيف تتحرك بها من غير أن تفقد أناقتها أو تعيق من حولها.

 

وهنا تلتقي الأزياء مع الإتيكيت

فالملابس كانت مرتبطة بالمكان والمناسبة، والمناسبة بدورها كانت مرتبطة بطريقة التصرف.

ولم تكن التفاصيل تنتهي عند شكل الفستان.

الأكمام والياقة والكتف كانت من أكثر العناصر التي تتغير مع الموضة،

ولذلك يمكن لتفصيلة صغيرة في فستان قديم أن تساعد المتخصص في تحديد الفترة التي ينتمي إليها.

والأمر نفسه ينطبق على الخامة.

فالحرير والساتان والأقمشة الفاخرة لم تكن مجرد اختيار للثراء، وإنما لكل خامة طريقة مختلفة في انعكاس الضوء وسقوط القماش وحركته.

والتطريز بدوره لم يكن مجرد إضافة للزينة؛ مكانه وشكله وكثافته كانوا جزءًا من تصميم الفستان.

تطريز على الصدر يلفت النظر إلى الجزء العلوي.

تفاصيل حول الخصر تؤكد خطه.

زخارف على أطراف التنورة تضيف حركة إليها.

وبالتالي فإن الفستان كان يُبنى بصريًا كما تُبنى أي إطلالة متكاملة اليوم.

 

وفي هذه الفترة تحديدًا، كانت القاهرة تعيش حالة قوية من التواصل مع أوروبا،

وظهر تأثير الموضة الأوروبية بوضوح في أزياء الطبقات الراقية والأسرة العلوية.

وتشير مصادر تاريخ الأزياء إلى أن أميرات الأسرة العلوية استعَن بخياطات وبيوت أزياء فرنسية وإيطالية،

وتابعن أحدث خطوط الموضة القادمة من باريس.

لكن من الخطأ أن نختصر الأمر في أن المرأة المصرية أصبحت ترتدي أزياء أوروبية فقط.

 

الحكاية كانت أكثر تعقيدًا

الموضة تأتي من الخارج، لكن المرأة ترتديها داخل مجتمعها، وفي مناسباته، ووفق ذوقها وبيئتها.

ولذلك ظهرت إطلالات تجمع بين القصات الأوروبية وبين عناصر أخرى من الذوق المحلي والشرقي،

سواء في الأقمشة أو الزخارف أو المجوهرات وطريقة تنسيقها.

وهذا المزج هو أحد الأسباب التي تجعل دراسة أزياء الأسرة العلوية ممتعة؛

لأنها تكشف لنا مصر وهي تدخل مرحلة جديدة، تستقبل فيها تأثيرات أوروبية قوية من دون أن تتوقف عن كونها مصرية.

أما المناسبة فكانت عاملًا أساسيًا في اختيار الملابس.

فما يصلح لحفل كبير ليس بالضرورة مناسبًا لزيارة خاصة، وما ترتديه امرأة في مناسبة احتفالية لا يمثل بالضرورة ملابسها طوال الوقت.

ولذلك لا يصح أن نتعامل مع «فستان المرأة في القصر» وكأنه شكل واحد ثابت.

فالملابس تغيرت بتغير الزمن، وتغيرت بتغير المناسبة، وتغيرت أيضًا بتغير صاحبتها.

ومن المهم هنا أن نفرق بين أزياء سيدات الأسرة الحاكمة وبين أزياء النساء من الطبقات الراقية اللاتي كن يحضرن المناسبات الملكية.

فوجود فستان فاخر أو مجوهرات ثمينة لا يعني بالضرورة أن صاحبته كانت من الأسرة المالكة.

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل قراءة الأزياء التاريخية أكثر دقة.

فالفستان يخبرنا عن العصر والمناسبة والذوق والمكانة الاجتماعية، لكنه لا يعطينا وحده كل الإجابات.

 

ومع مرور السنوات، بدأت خطوط الموضة نفسها تتغير

ما كان شائعًا في عهد الخديوي إسماعيل لم يبقَ على حاله في عهد توفيق أو عباس حلمي الثاني،

ثم جاءت العقود الأولى من القرن العشرين بتغيرات جديدة في شكل المرأة وملابسها.

ومع دخول مصر إلى القرن العشرين، لم تعد المرأة مجرد متلقية لما يأتي من الخارج، بل أصبح المشهد أكثر تنوعًا،

وبدأت الأزياء تتغير مع التغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها مصر.

وهكذا، لو وضعنا فستانًا إلى جوار فستان آخر من حقبتين مختلفتين، سنجد أن الفرق بينهما ليس مجرد فرق في اللون أو القماش.

إنه فرق بين زمنين.

زمن يتغير فيه مفهوم الأناقة، وتتغير معه طريقة ظهور المرأة وحركتها، وحتى المساحة التي تشغلها في المجتمع.

ولهذا فإن النظر إلى فستان قديم داخل قصر عابدين لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: «هل هو جميل؟»

 

السؤال الأهم هو:لماذا صُمم هكذا؟

لأن وراء كل خط فيه قصة.

الخصر يحكي عن شكل الجمال الذي كان سائدًا.

التنورة تكشف اتجاهًا من اتجاهات الموضة.

الخامة تكشف مستوى الفخامة.

التطريز يكشف طريقة الاهتمام بالتفاصيل.

والذيل يخبرنا أننا أمام ملابس صُممت لمشهد احتفالي مختلف عن الحياة اليومية.

أما طريقة تنسيق الفستان مع الشعر والمجوهرات، فتفتح لنا بابًا آخر تمامًا.

 

وهنا تحديدًا تتوقف حكاية الفستان لتبدأ حكاية أهم.

فقد يكون الفستان هو الأساس، لكن المجوهرات كانت قادرة على تغيير الإطلالة كلها.

قطعة توضع على الصدر، وأخرى حول الرقبة، وأقراط، وأساور، ودبابيس، وقطع للرأس… وكل قطعة لها قصة،

وبعضها لم يكن مجرد زينة، بل ارتبط بالأسرة والمناسبات والاحتفالات.

والسؤال الذي سنفتحه في الحلقة القادمة ليس: «ما أغلى مجوهرة؟»

لكن:

ماذا كانت الجوهرة تعني للمرأة التي ارتدتها؟

وهل كانت كل قطعة متاحة لكل امرأة؟

ومتى تتحول الجوهرة من زينة جميلة إلى علامة على المكانة والسلطة؟

من هنا هنترك الفستان خلفنا قليلًا…

ونفتح بابًا جديدًا داخل عابدين:

باب المجوهرات الملكية… حيث أحيانًا تكون القطعة الأصغر هي صاحبة الحكاية الأكبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *