هل يمكن أن يعيد التاريخ نفسه؟
من الهكسوس إلى أكثر من 10 ملايين مهاجر ولاجئ في مصر
بقلم: د. أحمد الجندي – كاتب و باحث علمي
هل يمكن أن يعيد التاريخ نفسه؟
السؤال قد يبدو صادمًا…وربما يراه البعض مبالغة لا تستحق النقاش.
لكن التاريخ لا يعود بصورة مطابقة للماضي.
لا يأتي بنفس الأشخاص، ولا بنفس الأسلحة، ولا بنفس الظروف.
إنما أحيانًا يعيد طرح الأسئلة نفسها في ثوب جديد.
ومن هنا تأتي قصة الهكسوس.
ليس من أجل أن نقول إن كل مهاجر أو لاجئ هو «هكسوسي جديد»؛ فهذا كلام لا يستقيم تاريخيًا ولا إنسانيًا.
ولكن لأن قصة الهكسوس تطرح سؤالًا بالغ الأهمية:
متى يتحول الوجود البشري القادم من خارج الحدود من مجرد حركة سكانية إلى عامل مؤثر في تركيبة الدولة وموازين القوة داخلها؟
وهذا سؤال مشروع لأي دولة في العالم.
ومصر ليست استثناء.
الهكسوس.. القصة لم تبدأ بجيش يعبر الحدود
الصورة الشعبية المبسطة تقول إن الهكسوس ظهروا فجأة، وغزوا مصر، واستولوا عليها.
لكن الصورة التاريخية أكثر تعقيدًا.
فمدينة أواريس في شرق الدلتا كانت قبل أن تصبح مركزًا للهكسوس مدينة متعددة الثقافات، وموقعًا تجاريًا وعسكريًا مهمًا،
وعاشت فيها جماعات ذات أصول أجنبية قبل ظهور الحكم الهكسوسي.
وتشير الأدلة الأثرية إلى أن وجود هذه الجماعات سبق قيام الأسرة الحاكمة التي عُرفت لاحقًا بالهكسوس.
ثم جاءت مرحلة من الاضطراب وضعف السلطة المركزية.
وفي هذا المناخ تغير ميزان القوة.
وهنا تحديدًا تكمن واحدة من أهم دروس التاريخ:
الأحداث الكبرى لا تبدأ دائمًا بشكل كبير.
قد تبدأ بحركة سكانية.
بتجارة.
باستقرار.
بتجمعات بشرية.
بتغير اقتصادي.
ثم يأتي ظرف سياسي مناسب…
فتتغير المعادلة كلها.
لكن مصر اليوم ليست مصر عصر الهكسوس
وهذه نقطة لا بد من قولها بوضوح.
مصر الحديثة دولة ذات مؤسسات وجيش وحدود وقوانين وأجهزة أمنية ونظام إداري.
والعالم الحديث مختلف جذريًا عن عالم قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.
كما أن اللاجئين الموجودين في مصر اليوم ليسوا كتلة واحدة، ولا يمثلون قوة سياسية موحدة،
ولا توجد أدلة موثوقة تقول إنهم مشروع للاستيلاء على الدولة المصرية.
السوداني الذي هرب من الحرب ليس عدوًا.
والسوري الذي فر من الصراع ليس غازيًا.
والأفريقي الذي جاء بحثًا عن العمل لا يتحول بمجرد وجوده إلى تهديد.
الإنسان لا يصبح عدوًا لأنه وُلد خارج الحدود.
لكن…
هذا لا يعني أن الدولة يجب أن تتعامل مع ملف الهجرة واللجوء باعتباره ملفًا إنسانيًا فقط.
أكثر من 10 ملايين.. الرقم الذي يفرض السؤال
هنا تبدأ القضية الحقيقية.
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قال في مايو 2026 إن مصر تستضيف أكثر من 10 ملايين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء،
مشيرًا كذلك إلى تكلفة الخدمات المقدمة لهم.
وفي الوقت نفسه، تقدر المنظمة الدولية للهجرة عدد المهاجرين الدوليين المقيمين في مصر بنحو 9 ملايين شخص من 133 دولة،
وهو تقدير يعود إلى عام 2022، وما زالت منظمة الهجرة تستخدمه في دراسات وتقارير لاحقة عن اندماج المهاجرين في مصر.
أما المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فالأرقام التي لديها تخص المسجلين لديها وليس كل الأجانب الموجودين داخل مصر.
وبحسب بياناتها، تجاوز عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين مليون شخص،
فيما بلغ عدد المسجلين في نهاية يونيو 2026 نحو 1.1 مليون، وكانت الجنسية السودانية هي الأكبر عددًا.
إذن نحن أمام شيء مهم للغاية:
رقم اللاجئين المسجلين ليس هو رقم جميع المهاجرين الموجودين في مصر.
وهذا التفريق ضروري حتى لا تتحول القضية إلى أرقام متضاربة.
الرقم ليس المشكلة.. طريقة إدارة الرقم هي المشكلة
قد يقول أحدهم:
10 ملايين؟
وماذا يعني ذلك؟
والإجابة:
يعني الكثير.
لأن أي كتلة بشرية بهذا الحجم سيكون لها تأثير اقتصادي واجتماعي وخدمي، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
هؤلاء يحتاجون إلى
- سكن.
- مياه.
- كهرباء.
- تعليم.
- صحة.
- فرص عمل.
- نقل.
- غذاء.
- خدمات.
وفي المقابل، يمكن للمهاجرين أيضًا أن يمثلوا قوة اقتصادية إذا تم تنظيم وجودهم ودمج القادرين على العمل في الاقتصاد بصورة قانونية ومنضبطة.
إذن القضية ليست:
«هل نريدهم أم لا؟»
بل:
«كيف تدير الدولة وجودهم؟»
هنا يبدأ الدرس الحقيقي من قصة الهكسوس
الخطأ هو أن نقرأ التاريخ باعتباره دعوة إلى الخوف من الأجانب.
هذا ليس الدرس.
الدرس هو أن الدولة لا ينبغي أن تترك التحولات الكبرى تتراكم دون إدارة.
عندما تتغير التركيبة السكانية في منطقة ما…
يجب أن تكون الدولة عارفة.
عندما تتشكل تجمعات كبيرة…
يجب أن تكون الدولة عارفة.
عندما يتوسع الاقتصاد غير الرسمي…
يجب أن تكون الدولة عارفة.
عندما يدخل أشخاص بصورة غير قانونية…
يجب أن تعرف الدولة كيف تمنع ذلك وتتعامل معه وفق القانون.
وعندما يحتاج اللاجئ إلى الحماية…
يجب أن يحصل عليها.
هذه هي الدولة القوية.
لا دولة تغلق أبوابها أمام الإنسان، ولا دولة تفتح أبوابها بلا حساب.
هل يمكن أن تكون هناك «دولة داخل الدولة»؟
هذه العبارة خطيرة إذا استخدمت بلا دليل.
فوجود تجمعات كبيرة من الأجانب لا يعني تلقائيًا وجود دولة داخل الدولة.
لكن من الناحية النظرية، فإن أي دولة في العالم قد تواجه مشكلة إذا أصبحت هناك جماعات بشرية كبيرة تعيش خارج الإطار القانوني أو الإداري،
أو إذا سيطرت شبكات غير قانونية على مناطق أو أسواق أو أنشطة اقتصادية.
وهنا لا تصبح المشكلة في الجنسية.
بل في:
غياب التنظيم.
ولهذا فإن قوة الدولة ليست في عدد من تطرده.
بل في قدرتها على معرفة:
- من دخل؟
- من خرج؟
- من يقيم؟
- من يعمل؟
- من يخالف القانون؟
- من يحتاج إلى حماية؟
- من يستحق الإقامة وفق القانون؟
- من يجب أن يغادر وفق الإجراءات القانونية؟
مصر لا تستطيع أن تتعامل مع الملف بعاطفة فقط
مصر لها تاريخ طويل في استقبال من لجأ إليها.
وهذا جزء من صورتها ودورها الإقليمي.
لكن الدولة المصرية في الوقت نفسه تتحمل مسؤولية حماية مواطنيها.
وهنا يجب أن نضع خطًا واضحًا:
الرحمة لا تعني الفوضى.
والقانون لا يعني القسوة.
والإنسانية لا تتعارض مع الأمن القومي.
بل إن أفضل سياسة هي التي تحقق الثلاثة معًا:
الإنسانية + القانون + الأمن.
وماذا عن الدخول غير الشرعي؟
هنا يجب أن نكون أكثر دقة.
لا يمكن أن نقول إن كل من يدخل مصر بطريقة غير قانونية هو مشروع خطر.
لكن وجود طرق غير شرعية لعبور الحدود يمثل تحديًا لأي دولة.
فالحدود ليست مجرد خط على الخريطة.
إنها جزء من سيادة الدولة.
ومن حق مصر، مثل أي دولة، أن تعرف من يدخل أراضيها،
وأن تمنع عمليات التهريب والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة، وأن تتعامل مع المخالفات وفق القانون.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا تتحول قضية الهجرة غير الشرعية إلى ذريعة لتجريم كل لاجئ أو مهاجر.
التعميم ظلم.
والتسيب خطر.
والحل في الإدارة.
ماذا لو استمر الرقم في الارتفاع؟
هنا السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه الآن، وليس بعد عشرين عامًا:
- ماذا يحدث إذا استمر تدفق المهاجرين واللاجئين؟
- هل لدينا خطط طويلة المدى؟
- هل لدينا بيانات دقيقة ومحدثة؟
- هل نعرف توزيعهم الجغرافي؟
- هل نعرف تأثيرهم على سوق العمل؟
- هل نعرف حجم الاقتصاد غير الرسمي المرتبط بهم؟
- هل هناك منظومة واضحة للإقامة والعمل والتعليم والصحة؟
- هل تستطيع الدولة استيعاب الزيادة إذا اندلعت حرب جديدة في دولة مجاورة؟
هذه ليست أسئلة عدائية.
هذه أسئلة دولة.
التاريخ لا يخيفنا.. لكنه يحذرنا
قصة الهكسوس لا تقول لنا:
«احذروا كل من يأتي من الخارج.»
بل تقول شيئًا أكثر عمقًا:
راقبوا التغيرات الكبيرة قبل أن تصبح واقعًا لا يمكن التعامل معه بسهولة.
وهذا ينطبق على السكان ، الاقتصاد، الأمن ، الحدود، التكنولوجيا ، وعلى كل شيء.
الدول لا تنهار لأن عشرة أشخاص عبروا حدودها.
ولا تصبح قوية لأنها منعت شخصًا من الدخول.
الدول تقاس بقدرتها على إدارة التغيير.
لا نريد هكسوسًا جددًا.. ولا نريد ظلمًا جديدًا
مصر ليست مطالبة بأن تخاف من ملايين البشر.
وليست مطالبة أيضًا بأن تتجاهل آثار وجودهم.
نحن أمام ملف ضخم.
- له جانب إنساني.
- وله جانب اقتصادي.
- وله جانب اجتماعي.
- وله جانب أمني.
- وله جانب ديموغرافي.
- وله جانب يتعلق بالأمن القومي.
والتعامل مع هذا الملف يجب أن يكون بعقل الدولة، لا بانفعال مواقع التواصل.
لا ينبغي أن نقول:
«كلهم خطر.»
ولا ينبغي أن نقول:
«لا توجد مشكلة أصلًا.»
الحقيقة غالبًا تقع في المنطقة التي لا يحبها المتطرفون في آرائهم:
هناك إنسان يحتاج إلى حماية… وهناك دولة تحتاج إلى حماية أيضًا.
وفي النهاية…
التاريخ لا يطلب منا أن نعيش أسرى له.
لكنه يمنحنا فرصة أن نتعلم.
الهكسوس انتهوا.
والدولة المصرية القديمة استعادت قوتها.
لكن السؤال الذي يبقى صالحًا لكل عصر هو:
هل تعرف الدولة حجم التغيير الذي يحدث داخل حدودها؟
إذا كانت تعرف…
وتملك البيانات…
وتطبق القانون…
وتحمي الإنسان…
وتحمي حدودها…
فلا داعي للخوف.
أما إذا تركت التحولات الكبرى تتراكم دون رؤية واضحة…
فالمشكلة لا تكون في القادم من الخارج وحده.
بل في غياب الإدارة من الداخل.
وهنا ربما يكون الدرس الأهم من التاريخ كله:
لا تخف من الإنسان لأنه غريب…
ولا تثق في التغيير لأنه يبدو هادئًا.
راقب.
افهم.
نظّم.
واحفظ حق الإنسان…
واحفظ حق الوطن.
فالأوطان لا يحميها الخوف من الآخر…
بل تحميها دولة تعرف بالضبط ماذا يحدث داخل حدودها.
بقلم: أحمد الجندي

