نجوان صفي الدين تكتب:
بين هشاشة روح المرأة وقوة البقاء والمواجهة.
وحين تفقد المرأة حاجتها إلى أن تكون مفهومة!
أخطر امرأة ليست تلك التي لا تبكي… بل تلك التي بكت كثيرًا حتى لم يعد لديها ما تثبته لأحد.
المرأة التي صنعتها الدموع..
هناك نساء لا يعرف العالم كم مرة مات شيء بداخلهن ثم واصلن الحياة.
نساء يبتسمن في الصور، يعتنين بأطفالهن، يذهبن إلى أعمالهن… ثم حين يغلق الليل أبوابه، يجلسن أمام أنفسهن ويكتشفن أنهن كنّ طوال اليوم يهربن من سؤال واحد:
“وماذا عني أنا؟”
المرأة لا تنكسر دائمًا بصوت مسموع.
أحيانًا تنكسر بهدوء شديد جداً.
تتوقف عن العتاب ويصبح الصمت المطلق هو الملاذ الآمن لها تلك المرأة التي تختار البقاء وإتمام الرسالة.
لا تعود تسأل: لماذا؟
ولا تقول: أنا متألمة.
ولا تشرح للمرة المليون ما الذي أوجعنى.
الحقيقة هنا أنها أصبحت أكثر وعيًا بقيمة ما تبقى منها.
لطالما ظن الناس أن هشاشة المرأة نقيض قوتها.
وكأن المرأة إذا بكت فهي ضعيفة، وإذا احتاجت فهي عاجزة، وإذا اشتاقت فهي مكسورة.
والله أبداً هى لازالت تلك المرأة القوية
ربما تكون الدموع إحدى أكثر الطرق صدقًا التي تقول بها الروح:
“لقد تحملت بما يكفي.”
المرأة الهشة ليست امرأة ضعيفة.
الهشاشة تعني أن قلبها ما زال قادرًا على الإحساس، رغم كل ما مر به من معاناة.
تستطيع أن تحب بعد الخذلان.
أن تثق بعد الخيانة.
أن تبتسم بعد الحزن.
أن تمنح فرصة جديدة للحياة، رغم أن الحياة لم تكن كريمة معها في كل مرة.
القوة الحقيقية ليست أن تتحول المرأة إلى حجر… بل أن تظل إنسانة رغم كل ما حاول أن يحولها إلى حجر.
؛؛؛لكن لكل امرأة نقطة تحول.
لحظة لا تشبه غيرها.
لحظة تأمل صحوه تفهم فيها أن المشكلة لم تكن دائمًا في أنها لم تستطع إيصال ما تشعر به…
بل في أنها كانت تحاول أن تشرح نفسها لأشخاص قرروا مسبقًا ألا يفهموها هؤلاء الحمقى التي قررت ضردهم من نفسها تماماً للنهوض مره اخرى.
ومن هنا يبدأ النضج.
ليس عندما تجد من يفهمها.
بل عندما تتوقف عن اعتبار فهم الآخرين شرطًا لسلامها أبداً.
وهذه واحدة من أعظم التحولات التي يمكن أن تمر بها المرأة.
أن تعرف أن حقيقتها لا تحتاج إلى تصويت.
وأن مشاعرها لا تحتاج إلى محكمة.
وأن قراراتها لا تحتاج دائمًا إلى دفاع طويل.
وأن بعض الناس مهما شرحت لهم، سيختارون الرواية التي تناسبهم.
هناك فرق بين أن تريد المرأة أن تُفهَم…
وأن تحتاج إلى أن تُفهِم. (تلك الفتحة والكسرة التى غيرت مسار الكلمة)….
الأولى انسانه.
أما الثانية فقد تكون سجينه.
حين تحتاج المرأة أن يفهمها الجميع، تصبح أسيرة لنظراتهم.
تراقب كلماتها.
تراجع تصرفاتها.
تخاف أن تُساء قراءتها.
تشرح نفسها أكثر مما تعيشها.
ثم يأتي يوم…
تتعب تتألم وتجف وتدبل. ماذا بعد؟
تدرك أن الحياة أقصر من أن تقضيها في تصحيح الصورة التي رسمها الآخرون عنها.
فتقول في داخلها:
“افهمني إن استطعت… وإن لم تستطع، فلست مطالبة بقضاء عمري في إقناعك.”
وهنا لا تصبح المرأة أنانية.
تصبح عادلة مع نفسها.
تعرف أن الرحيل ليس دائمًا هروبًا.
وأن الصمت ليس دائمًا ضعفًا.
وأن عدم الرد ليس عجزًا.
وأن التسامح لا يعني السماح بتكرار الأذى.
وأن الحب لا يعني أن تقدم نفسها قربانًا كي تبقى العلاقة.
تكتشف أن هناك فرقًا بين أن تحب شخصًا…
وبين أن تجعل وجوده شرطًا لوجودها.
وأن هناك فرقًا بين أن تكون المرأة وفية…
وبين أن تصون كرامتها وكبريائها.
أحيانًا تكون أعظم مواجهة تخوضها المرأة ليست مع رجل خذلها، ولا مع عائلة لم تفهمها، ولا مع مجتمع وضع لها ألف قاعدة…
بل مع النسخة القديمة منها.
تلك التي كانت تخاف أن تقول “لا”.
التي كانت تعتذر حتى وهي المجروحة.
التي كانت تبحث عن الأعذار لمن يؤذيها.
التي كانت تخشى الوحدة أكثر من خوفها من علاقة سامة تؤلمها.
التي كانت تظن أن رحيل الآخرين عنها يعني أنها لم تكن كافية.
حتى تفهم أن
ليس كل من رحل خسارة، وليس كل من بقي مكسبًا.
عندما تصل المرأة إلى هذه المنطقة من الوعي المطلق، يحدث شيء يشبه الهدوء بعد العاصفة.
لن تعود تركض خلف أحد.
لا تطلب أن تكون أولوية.
ولا تقف طويلًا أمام باب أغلق في وجهها.
ليس لأنها لم تعد تحب…
بل لأنها تعلمت أن الحب الذي يهدم الإنسان ليس انتصارًا للحب.
وتعلمت أن بعض العلاقات لا تنتهي لأن الحب انتهى، بل لأن احترام الإنسان لنفسه بدأ.
ربما لهذا تبدو بعض النساء مختلفات بعد الأربعين، أو بعد الخمسين، أو حتى بعد تجربة واحدة قاسية.
العمر وحده لا يغير المرأة.
ما عاشته هو الذي يعيد تشكيلها.
كل خذلان يترك فيها سؤالًا.
كل خسارة تمنحها معرفة.
كل رحيل يعلمها شيئًا عن التعلق.
كل صمت طويل يكشف لها صوتها الحقيقي.
وكل مرة تنقذ فيها نفسها، يقل احتياجها لأن يأتي أحد لينقذها.
حتى تصل إلى تلك المنطقة النادرة من السلام النفسي بدون تدخل جراحي.
أن تكون وحدها… دون أن تشعر بأنها ناقصة.
أن تدرك أنها مكسب لكل من يقترب منها.
وعندها فقط تفهم المرأة شيئًا ربما تأخرت كثيرًا في فهمه:
لم تكن مهمتها أن تكون مفهومة من الجميع.
لم تكن مطالبة بأن تشرح لماذا تعبت.
ولا لماذا تغيرت.
ولا لماذا رحلت.
ولا لماذا لم تعد تقبل ما كانت تقبله سابقًا.
فبعض التحولات لا تحتاج إلى شرح…
يكفي أنها أنقذت الإنسانه التي بداخلها.
وربما أجمل ما يمكن أن تصل إليه المرأة ليس أن تصبح قوية طوال الوقت…
بل أن تسمح لنفسها أحيانًا أن تكون ضعيفة دون خجل.
أن تبكي دون أن تعتبر دموعها هزيمة.
أن تحتاج دون أن تعتبر احتياجها نقصًا.
أن تحب دون أن تفقد نفسها.
وأن تمضي دون أن تحمل في قلبها رغبة في الانتقام.
فالنضج ليس أن تتوقف عن الشعور…
النضج أن تشعر بكل شيء، ثم تختار ما يستحق أن يبقى فيها.
ستأتي لحظة في النهاية لا تسأل فيها:
“هل فهمني؟”
بل ستسألين سؤالًا أكثر قسوة وصدقًا:
هو…..
“هل أنا فهمت نفسي؟”
وعندما تكون الإجابة نعم…
لن يعود سوء فهم الآخرين مخيفًا كما كان.
ستعرفين.
وسترحلين حين يجب الرحيل.
وستبقين حين يستحق البقاء.
وستحبين…
لكن هذه المرة، لن يكون الحب على حسابك.
لأن المرأة التي عرفت قيمتها لا تصبح بلا قلب…
بل تصبح صاحبة قلبٍ لم يعد متاحًا لكل عابر.
تلك أنا،،نجوان صفي الدين


