الحب الحقيقي.. هل نحب فعلًا أم نجيد الغناء عن الحب؟
الإثنين, أغسطس 24, 2026
الرئيسيةمقالاتالحُبُّ الَّذِي هَرَبَ مِنَ الأَغَانِي
مقالاتمنوعات

الحُبُّ الَّذِي هَرَبَ مِنَ الأَغَانِي

الحُبُّ الَّذِي هَرَبَ مِنَ الأَغَانِي

بقلم الأديب المصري

د. طارق رضوان جمعة

 

 

في دولةِ الغناءِ،

حيثُ لكلِّ وجعٍ أغنية، ولكلِّ فراقٍ لحن، ولكلِّ «وحشتيني» نسخةٌ أخرى…

دار ذاتَ ليلةٍ حوارُ الحب.

قالت إليسا لشيرين:

— كفاية «جرح تاني»… قومي!

ردّت شيرين:

— ومَن قال إنني أريد أن أقوم؟ «آه يا ليل»… هذا وطني.

قالت أنغام لعبد الحليم:

— حرامٌ عليك أن تنتظر سرابًا.

ابتسم عبد الحليم:

— ومَن قال إن الوفاء حرام؟ أنا لك على طول.

قال تامر عاشور لوائل جسار:

— طب ما تقول «بحبك» بدل اللف والدوران؟

قال وائل:

— وأفضح نفسي؟ «بكدب» أسهل.

وكانت فيروز تراقب الجميع، ثم قالت بهدوء:

— نحنا بالهوا سوا… حتى لو مش سوا.

فضحك عمرو دياب:

— طب ما تيجوا نرقص وننسى؟

كان لكل واحدٍ منهم مذهب.

وعلى المنضدة تُركت وصاياهم:

إليسا: حُبٌّ على قدِّك.

أنغام: حُبٌّ بكرامة.

تامر عاشور: حُبٌّ وارجع.

عمرو دياب: حُبٌّ وعِش.

شيرين: حُبٌّ ولو وجع.

عبد الحليم: حُبٌّ وانتظر.

فيروز: حُبٌّ واصبر.

وائل جسار: حُبٌّ واسكت.

ثم حدث شيءٌ لم يكن في الأغنية.

دخل الحبُّ نفسه.

كان حافيًا.

نظر إلى الوصايا الثمانية،

ثم إلى أصحابها،

وقال:

— لهذا… هربت.

ساد الصمت.

قالت الأغاني:

— هربتَ من ماذا؟

قال:

— منكم.

— لكننا نغني لك!

ابتسم الحبُّ بحزن:

— وهذه مشكلتي.

ثم أشار إلى كل واحدٍ منهم:

— هذا أخذ مني الانتظار،

وذاك أخذ مني الكرامة،

وهذه أخذت مني الوجع،

وذلك أخذ مني الرقص،

وهذه أخذت مني الصبر…

ثم وضع يده على صدره وقال:

— كلُّ واحدٍ منكم أخذ قطعةً مني، وسمّاها مذهبًا.

وسكت قليلًا.

— أما أنا… فلم أكن يومًا قطعة.

أنا كاملٌ في أغنيةٍ لم تُكتب بعد.

ثم خرج.

ومنذ ذلك اليوم، بدأت أشياء غريبة تحدث.

صار الحضن اشتراكًا…

إن تأخر، انقطع.

وصارت «وحشتيني» رسالةً…

عليها ضريبةُ وجع.

وصار «سآتي غدًا» أكثر حضورًا من صاحبه.

وصارت «سامحيني» عملةً نستخدمها بعد كل غياب.

وصار القلب يعيش على الوعود،

بينما نحن نأكل من عمره.

وفي آخر الليل،

وجدتُ الحبَّ جالسًا أمامي كموظفٍ قديم في بنكٍ أُغلق منذ سنوات.

كان يحمل دفترًا أسود.

فتح الصفحة الأولى وقال:

— الرصيد؟

قلت:

— نفد.

قلب الصفحة.

— والحب؟

قلت:

— لم ينفد.

ابتسم ابتسامةً تشبه إيصالًا بلا ختم.

وقال:

— إذًا أنت لا تزال مدينًا.

قلت:

— ولِمَن؟

قال:

— لمن أحببتَها… ولم تحضر.

ثم دفع الدفتر نحوي.

كانت الصفحات مليئةً بأقساطٍ غريبة:

نظرةٌ مؤجلة.

حضنٌ مؤجل.

اعتذارٌ مؤجل.

زيارةٌ مؤجلة.

قبلةٌ مؤجلة.

وعمرٌ كامل… مؤجل.

وفوق الصفحة الأخيرة كُتب:

الحُبُّ بالتقسيط

أحببتُكِ بالقسطِ يا وجعي السديدْ

دفعةٌ أولى نظرةٌ… والباقي مواعيدْ

نبني البيوتَ على وعودٍ ناعمةٍ

والمهرُ كلمةٌ تُسكِتُ التناهيدْ

شهرٌ بشهرٍ ندفعُ العمرَ الذي

ينقصُ… والقلبُ الرهينُ بلا رصيدْ

فإذا فنيَ الرصيدُ يا سيدتي

أأنتحبُ بالدَّينِ… أم أبكي وأستزيدْ؟

قالوا: الوفاءُ له بطاقةُ ائتمانٍ

فاسحبْ من الصبرِ الجميلِ بلا قيودْ

لكنَّ قلبي ليس بنكًا… إنَّهُ

يُفلسُ إن طالَ الغيابُ وطالَ التبريدْ

أقساطُ شوقي لا تُؤجَّلُ لحظةً

والفائدةُ… دمعٌ على الخدِّ الشريدْ

فامنحيني مهلةً أخرى لعلَّ غدًا

يفيضُ حبٌّ… فنُسدِّدَ ما نريدْ

ثم رأيتُ رجلًا وامرأةً يجلسان أمام بعضهما.

لم يكن بينهما سوى طاولة.

وعلى الطاولة… فاتورة.

قال هو:

— نفد الرصيد، وما نفدتُ من الهوى.

قالت:

— وأنا لم أطلب مالك.

قال:

— لكنني أحبك.

قالت:

— أعرف.

— فلماذا أنتِ غاضبة؟

— لأنني كنت أريدك حين أناديك…

لا حين تنتهي مواعيدك.

سكت.

قال:

— أنا فقيرٌ في النقود، لكنني في الحب ملك.

ابتسمت بحزن:

— لا.

ثم أغلقت الفاتورة.

— أنت لست ملكًا.

— فما أنا؟

قالت:

— أنت مدمن عذر.

ثم نظرت في عينيه:

— كلما قلتُ: «أين أنت؟» قلتَ: «غدًا».

وتابعت:

— والغد يأتي… فيستدين من الغد غدًا.

ثم سكتت قليلًا:

— حتى أصبحتُ أنا الغد الذي لم يأتِ.

قال:

— إذًا أنا المدين؟

قالت:

— بل أنت الدين نفسه.

— وأنتِ الدائنة؟

— لا.

— فما أنتِ؟

وضعت يدها على صدرها وقالت:

— أنا القلب الذي أنفقته… ثم نسيت أن تعيده.

خفض رأسه.

ثم سأل:

— ماذا تريدين الآن؟

قالت:

— لا أريد مالًا.

— ولا هدية؟

— لا.

— ولا وعدًا؟

— لا.

— إذًا ماذا تريدين؟

قالت:

— أريد أن تحبني… دون فاتورة.

رفع عينيه:

— وإن لم أستطع؟

قالت:

— إذًا لا تقل: «أنا مفلس».

اقتربت منه وقالت:

— قل الحقيقة.

طال الصمت.

ثم قالت:

— أنت لم تُفلس في الحب…

أنت أفلسْتَ في الحضور.

قال:

— وإن جئتُ اليوم بلا مال؟

قالت:

— سأقبلك.

— وبلا هدايا؟

— سأقبلك.

— وبلا وعد؟

— سأقبلك…

ثم أضافت:

— إذا جئتَ أنت.

ارتجف صوته:

— وإذا جئتُ متأخرًا؟

نظرت إلى الباب.

وقالت:

— سأكون قد تعلمتُ أن أحيا بلا دَين.

ثم نهضت.

وفي اللحظة التي أغلقت فيها الباب،

سمعتُ صوتَ الحبِّ من بعيد.

كان يضحك.

عدتُ إلى البنك.

بحثتُ عن دفتره الأسود.

لم أجده.

وجدتُ بدلًا منه ورقةً واحدة.

كان مكتوبًا عليها:

«الحب لا يموت حين ينفد المال،

ولا حين تنتهي الهدايا،

ولا حين تضيق الحياة.

الحب يموت حين يصبح الإنسان الذي نحبه…

شيئًا مؤجلًا.

وحين يصبح «سآتي غدًا»

أكثر حضورًا من صاحبه.

وحين نطلب من القلب أن يعيش على الوعود…

بينما نحن نأكل من عمره.»

وفي أسفل الورقة،

كانت هناك جملة واحدة:

لم يهرب الحب من الأغاني…

الحب هرب من حياتنا

حين جعلنا الأغنية تقوم مقامه.

ثم اختفت الورقة.

وبقي السؤال:

هل نحن نحب فعلًا…

أم أننا فقط نجيد الغناء عن الحب؟

 



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *