هل أصبح الأب يحتاج إلى رحلة من الإجراءات حتى يمنح ابنه توكيلًا؟
كتبت: الإعلامية د. هبة الجزار
هناك رسائل من المواطنين لا يمكن المرور عليها مرورًا عابرًا، لأنها تحمل وراء كلماتها معاناة إنسانية تستحق التوقف والاستماع.
ومن بين الرسائل التي وصلتني عبر رسائل البرنامج، كانت هناك رسالة من أب كبير في السن، حفظه الله وأدام عليه الصحة والعافية، تحدث معي بألم عن معاناته أثناء محاولته عمل توكيل لابنه.
كان الرجل يعتقد أن الأمر بسيط ومباشر، وأنه سيتمكن من إنهاء التوكيل والعودة إلى منزله دون عناء.
لكنه فوجئ بإجراءات ومتطلبات جعلت الأمر أكثر صعوبة، حتى انتهى به الحال دون أن يتمكن من إتمام التوكيل.
هل يحتاج الأب إلى كل هذه المشقة لعمل توكيل لابنه؟
أنا هنا لا أتحدث عن الواقعة بهدف الهجوم على جهة بعينها، ولا أريد إصدار حكم على موظف أو مؤسسة دون معرفة جميع التفاصيل.
لكنني أتحدث عن مواطن وصل صوته إلينا وهو يشعر بالعجز أمام إجراءات لم يستطع تجاوزها.
وهنا يطرح الأمر سؤالًا مشروعًا:
هل من الطبيعي أن يجد أب كبير في السن صعوبة شديدة في إجراء توكيل لابنه؟
وهل يمكن توفير مسار واضح وميسر يساعد كبار السن، ويجنبهم التنقل المتكرر والانتظار والمشقة؟
تبسيط الإجراءات لا يعني تجاوز القانون
نحن جميعًا معرضون لأن نصل إلى هذه المرحلة من العمر.
وقد يكون هذا الأب هو والد أحدنا، أو قريبًا لنا، أو شخصًا عزيزًا علينا.
لذلك فإن تسهيل الإجراءات لا يعني أبدًا تجاوز القانون، وإنما يعني تطبيق القانون بطريقة تحفظ حق الدولة،
وتحمي حقوق المواطنين، وفي الوقت نفسه تراعي كرامة المواطن ووقته وصحته.
ومن هنا تأتي أهمية مراجعة الإجراءات الخاصة بالتوكيلات، والعمل على تبسيطها قدر الإمكان، مع الحفاظ الكامل على الضوابط القانونية.
المواطن يحتاج إلى معرفة المطلوب من البداية
من أهم الأمور التي يمكن أن تساعد على تقليل المشقة أن تكون المتطلبات والإجراءات واضحة ومعلنة للمواطن منذ البداية.
فليس من المنطقي أن يذهب المواطن لإنهاء معاملة، ثم يعود مرة أخرى لأنه اكتشف وجود مستند أو إجراء إضافي لم يكن يعرف عنه شيئًا.
وضوح الإجراءات من البداية يوفر وقت المواطن، ويقلل الضغط على الموظفين، ويساعد على تقديم الخدمة بصورة أكثر كفاءة.
القانون مهم.. لكن طريقة تطبيقه أيضًا مهمة
لا أحد يطالب بإلغاء الضوابط.
ولا أحد يطالب بتسهيلات قد تضر بحقوق المواطنين أو تفتح بابًا للتحايل.
ولا نطالب بتجاوز القانون.
المطلوب ببساطة هو أن يكون القانون واضحًا، وإجراءاته مفهومة، وتطبيقه عمليًا وإنسانيًا.
فوراء كل معاملة حكومية إنسان له ظروفه وسنه وحالته الصحية واحتياجاته.
وهذه الحقيقة يجب ألا تغيب عنا ونحن نتعامل مع أي إجراء أو خدمة عامة.
وقت المواطن وكرامته لهما قيمة
عندما توفر الدولة على المواطن ساعات من الانتظار والتنقل غير الضروري، فهي لا تخسر شيئًا،
بل تكسب مواطنًا يشعر بأن مؤسسات بلده تعمل من أجله وتحترم وقته.
الوقت له قيمة، والجهد له قيمة، وكرامة المواطن لها قيمة.
ولهذا فإن تطوير الخدمات الحكومية لا يتعلق فقط بسرعة إنهاء المعاملة،
وإنما أيضًا بمدى وضوح الإجراءات وسهولة الوصول إليها، خصوصًا بالنسبة لكبار السن وأصحاب الظروف الخاصة.
نفتح باب النقاش
هذه الرسالة لم تكن بالنسبة لي مجرد شكوى عابرة، وإنما كانت تذكيرًا بأن وراء كل معاملة حكومية إنسانًا يحتاج إلى أن يجد من يساعده ويفهم ظروفه.
ومن هنا أفتح باب النقاش:
هل ترون أن إجراءات التوكيلات تحتاج إلى مزيد من التبسيط؟
وهل سبق لأحد منكم أن ذهب لعمل توكيل بسيط، واضطر إلى العودة أكثر من مرة بسبب إجراءات أو مستندات لم تكن واضحة من البداية؟
وما أكثر معاملة حكومية شعرتم أن إجراءاتها كانت أكثر تعقيدًا مما ينبغي؟
السؤال هنا ليس ضد أحد.
إنه سؤال من أجل المواطن.
نحن لا نطالب بإلغاء القانون، ولا بتجاوز الضوابط، وإنما نطالب بأن تكون الإجراءات واضحة وعادلة وعملية،
وأن يحصل المواطن على الخدمة دون دوران أو مشقة غير ضرورية.
فكيف نحافظ على القانون، وفي الوقت نفسه نجعل حياة المواطن أسهل؟


