المولد النبوي الشريف.. من نور الرسالة إلى معركة العزة والاستقلال
✍️ بقلم: أمةالملك الخاشب
إن الرسالة المحمدية جاءت كاملة متكاملة لترشدنا في كيفية السير على الحياة وإعمار الأرض وبناء الإنسان روحياً وجسدياً ومعنوياً، حتى يحقق الهدف من خلقه بعد القيام بالواجب المكلف به شرعاً في كل نواحي الحياة.
1. المولد النبوي الشريف: استعادة المنهج النبوي، قيم الجهاد، ومظاهر العطاء الإيماني
لم يكن المولد النبوي الشريف عند أحفاد الأنصار مجرد ذكرى تاريخية تتكرر كل عام، وإنما هو مناسبة حية ومحطة إيمانية مباركة لاستحضار سيرة أعظم شخصية عرفتها البشرية؛
رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وأقام برسالته الخالدة مجتمعاً يرتكز على الإيمان والعدل والكرامة والعزة.
وينطلق هذا الاحتفاء العظيم من التوجيه القرآني الصريح في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
ومن هذا المنطلق الإيماني الصافي، يكتسب المولد النبوي في اليمن طابعاً خاصاً واستثنائياً لا يدركه إلا من فهم وتعمق في المعنى الحقيقي للجهاد في سبيل الله لمواجهة مشاريع أعداء الأمة، ومقارعة الطغاة بالتوكل على الله والاقتداء بسيد المجاهدين في التصدي لأعداء الإسلام والإنسانية.
ولذلك يتجلى هذا الارتباط الإيماني في المواقف العملية والميدانية؛ حيث تتواكب تباشير المولد النبوي مع الضربات الاستباقية والمواقف العسكرية الصارمة للقوات المسلحة ضد تجمعات الأعداء ومرتزقتهم،
استلهاماً للمبادئ النبوية التي أرساها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مباغتة أعدائه من اليهود ناقضي العهود وعدم الانتظار في موقع الدفاع.
فالمبدأ النبوي الخالد يعلم الأمة أنه «ما غُزِي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا»، وهي ذات المبادئ الإيمانية الثابتة التي ورثها أئمة أهل البيت وجسدوها حية في وعي الأمة،
خاصة وأن أعداء اليوم هم نفس أعداء الأمس الذين تشابهت قلوبهم فتشابهت أعمالهم
.
إن إحياء هذه المناسبة الشريفة لا يقتصر على مجرد إظهار الفرح والبهجة، بل هو استعادة حقيقية وشاملة لمنهج الرسول الأعظم وسيرته الخالدة، ومواقفه الصلبة في مواجهة الظلم والاستكبار ونصرة المستضعفين.
لقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله قائداً، ومجاهداً، ومربياً، وبانياً للأمة، امتثالاً للأمر الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾.
والجهاد هنا يمتد بمدلوله الشامل ليغطي بذل الوسع في نصرة الحق، ومقاومة الظلم، والدفاع عن المستضعفين، وإحياء المبادئ والقيم القرآنية التي تركها لنا رسول الله تجسيداً للتوجيهات الإلهية.
كما أن محبة رسول الله صلوات الله عليه وآله لا تكتمل بالكلمات العابرة والاحتفالات الشكلية فحسب، وإنما بالتأسّي والعمل الصادق في الصدق والرحمة والشجاعة والعدل ورفض الذل والاستكانة.
ومن هنا يتسق هذا المعنى مع الواقع الشعبي والرسمي في اليمن؛ إذ يقارب شهر المولد النبوي شهر رمضان المبارك في التكافل الاجتماعي، والعطاء، والاهتمام بالفقراء والمستضعفين.
وتتسابق المؤسسات الطبية لتقديم التخفيضات، والمحلات التجارية لتقديم العروض الخاصة، إلى جانب التنافس الثقافي والإعلامي والمدائح والمهرجانات التي تعبر عن التقدير العميق لهذه الذكرى.
واللافت والمحزن أن البعض يضيّق على مظاهر الاحتفاء بمولد رسول الله صلوات الله عليه وآله، بينما لا نرى الموقف نفسه تجاه مظاهر الفساد والانحلال واللهو التي تتناقض مع القيم الدينية والأخلاقية.
ومع أن تأثير هؤلاء أصبح قليلاً جداً وانكشفت مواقفهم أمام قضايا الأمة، فإن الفارق واضح أمام كل المسلمين؛ فالمولد النبوي يعيد الناس إلى السيرة والذكر والقيم والرحمة،
ويستشعر فيه المسلم الروحانية والمحبة الشديدة والشوق لرسول الله—شوقاً قد تدمع منه المقل، وتُغسل به الأرواح والأنفس، وتُغفر به الذنوب،
كما أنه يجعل شخصية الرسول حاضرة حية في وعي المجتمع وحياته بكل تفاصيلها ومواقفها.
2. الارتباط التاريخي بالأنصار ومعركة السيادة الوطنية وكسر الوصاية الخارجية
لقد ارتبط اليمنيون برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم منذ بزوغ فجر الدعوة الإسلامية المباركة،
حيث تحضر في الذاكرة الإسلامية المكانة العالية للأنصار الذين آووا ونصروا ووقفوا في أشد المفاصل التاريخية حرجاً.
ولذلك يحمل المولد النبوي الشريف في اليمن دلالة تتجاوز الذكرى الدينية المجردة، ليكون استحضاراً حياً لذاكرة الأنصار، واستعادةً لمعاني النصرة والكرامة والثبات على الحق.
فالارتباط بالنبي وأهل بيته هو ارتباط وثيق بالمنهج والقيم القرآنية؛ فالرسول الذي واجه الاستكبار لم يكن يبحث عن جاه أو سلطة، بل حمل رسالة إلهية تحرر الإنسان من عبودية البشر، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرسوله وللمؤمنِينَ﴾.
ومن هذا المفهوم الجوهري،
تبرز أهمية ما يؤكد عليه السيد عبد الملك الحوثي في خطاباته بمناسبة المولد النبوي الشريف، من ضرورة تحويل المحبة العاطفية للرسول إلى اقتداء عملي بسيرته العطرة،
وإلى وعي ومسؤولية ومواقف حاسمة تحفظ للأمة عزتها وكرامتها. فالمولد الحقيقي يتجلى عندما تتحول المحبة إلى سلوك، والذكرى إلى وعي، والاحتفال إلى التزام بالقيم.
واليمنيون حين يستحضرون أمجاد الأنصار، لا يستحضرون الماضي لمجرد التغني به، بل يستدعون المعنى الحقيقي للنصرة:
نصرة المظلوم، ورفض الخضوع للهيمنة الخارجية، ورفع راية الجهاد ضد قوى الكفر والاستكبار المتمثلة في أمريكا وإسرائيل اللتين تقودان مخططات التمزيق والسيطرة على مقدرات الأمة.
وفي قلب هذا الصراع الراهن، تبرز معركة صنعاء باعتبارها قضية كبرى تتعلق بالقرار الوطني والاستقلال والسيادة الكاملة، وليست مجرد نزاع سياسي أو حزبية ضيقة.
إن صنعاء تقدم معركتها كمواجهة جادة للوصاية الخارجية ورفض خضوع القرار اليمني للإملاءات الإقليمية والدولية، معتقدة أن الحق في السيادة والاستقلال هو حق أصيل ومكفول لكل أبناء اليمن في أرجاء الوطن كافة.
إن اليمن لا يحتاج إلى شرعية تُمنح من الخارج أو سفارات تدير شؤونه، بل إلى إرادة وطنية جامعة تنبع من دولة مستقلة القرار تحفظ وحدة الأرض والإنسان والثروات.
ختاماً، يشكل المولد النبوي الشريف فرصة تاريخية لتوحيد صفوف أبناء اليمن بمختلف فئاتهم وطوائفهم على مبدأ نبي برأسه الشريف،
والتأكيد على أن المطالب اليمنية برفع الحصار، وفتح المطار والمنافذ، وتسهيل حركة المدنيين، ليست شعارات سياسية بل قضايا إنسانية ووطنية عادلة.
إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله لم يترك أمته للمتسلطين أو رهينة لقوى الخارج، بل أقام أمة عزيزة تملك قرارها بنفسها.
وأعظم وفاء لنور هذه الرسالة هو استعادة قيم الرحمة والعدل والصدق والشجاعة، والعمل من أجل بناء وطن حر، مستقل، وصانع لمستقبله بكرامة واقتدار.


