روشتة توعوية عن مرحلة المراهقة
إعداد: الباحثة سلمي الفلاح
المراهقة ليست عُمرًا عابرًا بين الطفولة والشباب، بل هي جسرٌ دقيقٌ تعبره النفس بتقلباتها، ويعبره الجسد بتغيراته، ويعبره العقل بأسئلته الكثيرة.
هي مرحلة “ما بين”؛
ما بين البراءة الأولى ونضج المسؤولية،
ما بين التلقي والتقرير،
وما بين الاعتماد والاستقلال.
ولهذا كانت من أخطر المراحل وأعمقها أثرًا في تشكيل شخصية الإنسان.
أولًا: المراهقة بين التغيرات الفسيولوجية والنفسية
في هذه المرحلة يحدث اختلال فسيولوجي طبيعي ناتج عن التغيرات الهرمونية السريعة، فيتبدل شكل الجسد، ويشتد الإحساس بالذات، وتتسارع الانفعالات.
ويتزامن معه اختلال سايكولوجي (نفسي) يتمثل في:
تقلب المزاج
الحساسية المفرطة
التناقض بين الرغبة في الاستقلال والحاجة إلى الأمان
صراع الهوية: من أنا؟ وماذا أريد؟
وهذا التنازع النفسي قد يرهق المراهق، فيشعر أحيانًا أنه لا يشبه الطفل الذي كانه، ولا الشاب الذي يطمح أن يكونه.
وهنا يأتي دور الأسرة… لا بالمراقبة وحدها، بل بالفهم.
ثانيًا: التربية ليست مراقبة… بل احتواء
يظن بعض الآباء أن التربية في المراهقة تعني:
التشديد
الملاحقة
فرض الأوامر
كثرة النقد
لكن الحقيقة أن التربية في هذه المرحلة تقوم على:
الاحتواء، الحوار، الاستماع، والثقة.
المراهق لا يحتاج إلى من يراقبه بقدر ما يحتاج إلى من يفهمه.
لا يحتاج إلى قاضٍ يحاسبه، بل إلى مرشد يوجهه.
ولا يحتاج إلى سجنٍ من الأوامر، بل إلى مساحة آمنة يعبر فيها عن أفكاره دون خوف.
التربية الواعية تعني:
أن نستمع قبل أن نحكم
أن نناقش قبل أن نرفض
أن نصحح دون إهانة
أن نضع حدودًا دون كسر الكرامة
ثالثًا: البيئة الخاطئة وإفرازاتها في المراهقة
المراهق ابن بيئته.
فالبيئة التي يسودها:
التفكك الأسري
العنف اللفظي أو الجسدي
غياب الحوار
المقارنات المستمرة
الإهمال العاطفي
تُنتج مراهقًا قلقًا، متمردًا، أو منسحبًا.
ومن إفرازات البيئة الخاطئة في المراهقة:
ضعف الثقة بالنفس
الانجراف وراء رفاق السوء
البحث عن بديل عاطفي خارج الأسرة
السلوك العدواني أو الانطواء الشديد
فالمراهق إذا لم يجد الأمان في بيته، سيبحث عنه خارجه… بأي صورة كانت.
رابعًا: التنشئة السليمة… حصادها في المراهقة
التربية لا تبدأ في المراهقة، بل تبدأ من الطفولة.
فما نزرعه في الصغر… نحصد أثره في المراهقة.
الطفل الذي نشأ على:
الحوار
الاحترام
تحمل المسؤولية
الثقة المتبادلة
التوازن بين الحزم والرحمة
سيدخل المراهقة أكثر اتزانًا، وأقدر على إدارة صراعاته الداخلية.
أما من نشأ على القمع أو الإهمال، فستظهر التشققات في هذه المرحلة بوضوح.
خامسًا: مرحلة ذات حدين
المراهقة مرحلة ذات حدين:
إما أن تكون بداية وعي ونضج
أو بداية ضياع وانحراف
هي طاقة كبيرة؛
إما أن تُوجَّه فتصنع إنسانًا قويًا وواعيًا،
أو تُترك بلا احتواء فتتحول إلى تمردٍ مؤذٍ للنفس.
توصيات للأهل
احترموا مشاعر أبنائكم، حتى وإن بدت لكم مبالغًا فيها.
لا تقللوا من مخاوفهم؛ فهي حقيقية في داخلهم.
افتحوا باب الحوار يوميًا، لا عند وقوع الخطأ فقط.
اجعلوا الثقة أساس العلاقة، مع وضع حدود واضحة.
كونوا قدوة؛ فالمراهق يراقب الأفعال أكثر من الكلمات.
تذكروا أن القسوة تصنع خوفًا… والاحتواء يصنع وعيًا.
المراهقة ليست أزمة… بل فرصة.
فرصة لإعادة تشكيل العلاقة بين الأهل وأبنائهم.
فرصة لبناء إنسانٍ يعرف نفسه، ويحترمها، ويختار طريقه بوعي.
التربية في الصغر غرسٌ،
وفي المراهقة حصادٌ،
فأحسنوا الغرس… ليكون الحصاد طمأنينة.🌹

