أنا… والذي يسكنني، والأصوات التي لا تهدأ بداخلي أبداً….
✍️بقلم / نجوان صفي الدين
تلك الأشياء التي لا يراها أحد فينا.
أفكار عميقة تمر بصمت مميت، أسئلة لا نجد لها إجابة! ومشاعر نخفيها خلف ابتسامة تبدو للآخرين عادية جدًا ولا أحد يعرف كم الوجع الذي تخفيه تلك الابتسامة المزيفة التي وإن نطقت تكاد أن تصرخ من شدة الزيف..
أنا لستُ دائمًا ذلك الشخص الذي تراه أمامك هادئ وسيم الملامح..
فداخلي عالم آخر… يسكنه الكثير من الأصوات؛؛؛ صوت يريد أن يطمئن، وآخر يخشى الغد، وصوتٌ يذكرني بما مضى من ذكريات لن تعود، وآخر يحاول إقناعي بأن القادم أجمل للأسف تلك الأيام التي تسبق القطار السريع المرعب في سرعته،
أحيانًا أجلس مع نفسي طويلًا، أكتشف أن أصعب الحوارات ليست تلك التي نخوضها مع الآخرين، بل تلك التي تدور بداخلنا ولا يسمعها ولا يشعر بها أحد.
صوت يقول: تماسكي… أنتِ أقوى مما تظنين.
وصوتٌ آخر يهمس: لقد تعبت، وتحتاجي فقط أن تستريحي.
صوتٌ يدفعني إلى التسامح، وصوتٌ يذكرني بمن خذلني.
صوتٌ يريد أن يبدأ من جديد، وآخر يخشى أن يعيد التجربة نفسها لكي لا يندم مراراً.
أدركت أن الإنسان لا يعيش بشخصية واحدة فحسب؛ نحن مجموعة من الذكريات، والمواقف، والخسارات،والندبات والأحلام، والنسخ القديمة من أنفسنا التي ما زالت تسكن فينا.
نحن ذلك الطفل الذي ما زال يبحث عن الأمان، الشخص الذي يعلم أن بداخله بركان يخفي وجعه، والقلب الذي أحب بصدق وتألم بصدق، ثم تعلّم أن يكون أكثر حذرًا.
وربما لهذا السبب نبدو أحيانًا متناقضين… نضحك ونحن مثقلون، نطمئن الآخرين ونحن نحتاج إلى من يطمئننا، ونقول: «أنا بخير»وما لنا من الخير سوى يقين وتعلق برب السماوات والأرض”الذي خلقنا في كبد”بينما بداخلنا ألف حكاية لم تُحكى بعد.
لكنني تعلمت شيئًا مهمًا…
ليس مطلوبًا مني أن أسكت كل الأصوات التي بداخلي، بل أن أتعلم كيف أستمع إليها دون أن أسمح لها بأن تقود حياتي.
أن أتصالح مع ضعفي كما أفتخر بقوتي، وأن أقبل أن بعض الأيام ستكون ثقيلة، وأن التعب لا يعني الفشل، أو نهاية الكون، أن التراجع أحيانًا ليس نهاية الطريق… بل استراحة قبل أن نكمل طريق آخر.
أنا والذي يسكنني… لسنا أعداء.
نحن حكاية واحدة، نحاول كل يوم أن نفهم بعضنا أكثر.
وربما أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان، ليس أنه يتخلص من كل الأصوات التي بداخله، بل أن يصل إلى السلام بينها…
أن يصبح قادرًا على أن يقول لنفسه:
لقد مررت بالكثير، وما زلت واقفاً.
تعبت… لكنني لم أنتهي.
انكسرت نعم… لكنني تعلمت كيف أعود.
وخفت… لكنني ما زلت أختار أن أكمل طريقي بمفردي بفضل من الله.
في النهاية، قد لا تهدأ كل الأصوات بداخلنا…
لكننا مع الوقت نتعلم أن نخفض صوت الخوف، ونُعلي صوت الأمل، ونترك للقلب مساحة ليتنفس ويلتئم من جديد.
وربما هذه هي أعظم رحلة يمكن أن يخوضها الإنسان…
أن يعود إلى نفسه، فيجدها أخيرًا مكانًا آمنًا وملاذاً للسكن.



