✍️ بقلم / أشرف بن ماضي الشعراني- القاهرة
لم تكن الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 مجرد احتلال عسكري، بل كانت اختبارًا لإرادة شعب واجه واحدة من أقوى جيوش عصره. وبينما تمكن نابليون بونابرت من السيطرة سريعًا على القاهرة والدلتا بعد انتصاره في معركة إمبابة، اصطدم في الصعيد بمقاومة شرسة غيّرت مسار حملته العسكرية، حتى وصف عدد من القادة الفرنسيين الإقليم بأنه “مقبرة الجيش الفرنسي”.
الصعيد.. مقاومة أربكت الجيش الفرنسي
تشير المصادر التاريخية إلى أن القوات الفرنسية واجهت في الصعيد مقاومة شعبية واسعة، اعتمدت على حرب الاستنزاف والكمائن والهجمات المفاجئة، وهو ما كبّدها خسائر متتالية وأعاق تثبيت سيطرتها على المنطقة.

ونُسب إلى الجنرال كليبر قوله إن القرى في الصعيد تحولت إلى حصون، بينما وصف الجنرال ديزيه المنطقة بأنها “مقبرة الجيش الفرنسي”، في إشارة إلى شراسة المقاومة التي واجهتها قواته.
معارك خالدة في سجل المقاومة
شهد الصعيد عدة معارك بارزة، من بينها:
بني عدي (أسيوط): صمد الأهالي لأشهر في مواجهة القوات الفرنسية قبل سقوط القرية بعد حصار عنيف.
جهينة (سوهاج): تعرضت القوات الفرنسية لكمين كبير شكّل إحدى أبرز خسائرها في الصعيد.
سمهود (قنا): نفذ الأهالي هجومًا ليليًا أسفر عن مقتل عدد من الضباط الفرنسيين والاستيلاء على أسلحة.
كما استمرت عمليات المقاومة في مناطق قنا وأسنا وفرشوط، حيث تعرضت تحركات الجيش الفرنسي لهجمات متكررة على الطرق وضفاف النيل.

حرب النيل
لم تقتصر المقاومة على المواجهات البرية، بل امتدت إلى النيل، حيث استهدفت مجموعات المقاومة المراكب الفرنسية، وأشارت روايات تاريخية إلى تعرض بعض السفن للحرق أو الإغراق خلال العمليات العسكرية، ما أثر على خطوط الإمداد الفرنسية.
الفدائيون ودور أبناء الصعيد
اعتمدت المقاومة أيضًا على مجموعات فدائية نفذت عمليات خاطفة ليلًا ضد القوات الفرنسية، مستفيدة من معرفة طبيعة الأرض والقرى.
وتتحدث بعض الروايات المحلية عن دور شخصيات شعبية، منها أبو ليلة، الذي ارتبط اسمه بعمليات فدائية ضد السفن الفرنسية، كما تشير روايات أخرى إلى مشاركة ماضي الشعراني ضمن مجموعات المقاومة التي تحركت بين المراغة وجرجا، وهي روايات متداولة في التراث المحلي تحتاج إلى توثيق تاريخي مستقل.

المرأة الصعيدية في صفوف المقاومة
برز دور المرأة في دعم المقاومة، سواء بتشجيع المقاتلين، أو المساهمة في حماية القرى، أو تقديم الإمدادات، لتصبح شريكًا أساسيًا في مواجهة الحملة الفرنسية.
الصعيد… صفحة مضيئة في التاريخ المصري
تمثل مقاومة الصعيد للحملة الفرنسية واحدة من أبرز صفحات الكفاح الوطني في التاريخ المصري، حيث أثبت أبناء الإقليم أن الإرادة الشعبية قادرة على إرباك أقوى الجيوش، وسجلوا بطولات لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية.
ورغم اختلاف بعض الروايات التاريخية حول تفاصيل بعض الوقائع والأرقام، فإن المصادر تتفق على أن الصعيد كان أحد أبرز ميادين المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي.


